بريطانيا وأموال آل سعود

بريطانيا وأموال آل سعود
(أ ب)

في ما يلي ترجمة لمقال بعنوان "عار علينا: لقد باعت بريطانيا "روحها" لآل السعود". ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48":

هذا بعض التدقيق في العلاقة "المنحطة" التي تجمع بريطانيا مع أحد أكثر الأنظمة الدكتاتورية قبحا في العالم. والتي تعاملت مع جريمة قتل الكاتب الصحافي السعودي جمال خاشقجي والتي باتت في الوقت الراهن أسوأ كارثة إنسانية في العالم، والتي تنافس في سوئها وقبحها حرب السعودية الوحشية على اليمن، بمحاكاة ساخرة وزائفة للواقع.

مع ذلك، فلا تتوقعوا أن تستمر هذه اللحظة طويلا، فالمؤسسة البريطانية متشابكة مع الطغيان السعودي، والأرباح التي تدرها نخبتنا الحاكمة في بريطانيا، بعلاقاتها مع نظام يقطع رؤوس معارضيه، ويصدر "الإرهاب"، ويذبح أطفال اليمن، أقوى من أن تنكسر.

عندما شغل توني بلير منصب رئيس وزراء بريطانيا، شكل ضغطا كبيرا على المُدعي العام لإنهاء فضيحة فساد هائلة تتعلق بصفقة الأسلحة مع السعودية (في إشارة إلى صفقة اليمامة). ومنذ أن شن التحالف بقيادة السعودية، حربه الوحشية على اليمن، صادقت السلطات البريطانية على عقد صفقات سلاح وبيع السعودية أسلحة تجاوزت قيمتها 4.7 مليار جنيه إسترليني (أكثر من 6 مليار دولار).

علاوة على ذلك، عمل مستشارون عسكريون بريطانيون في غرف إدارة الحرب الخاصة بالسعودية. والآن وقد جمدت ألمانيا تصدير الأسلحة للنظام السعودي، لا يبدو أن حكومة المحافظين سوف تتبع خطاها، رغم ارتفاع عدد القنابل الغربية التي تُلقى على حافلات تقل طلاب المدارس (في اليمن).

نواب البرلمان والرحلات الفاخرة

يصرف النظام السعودي مئات آلاف الدولارات على أعضاء البرلمان البريطاني، ورغم أن المحافظين يحصلون على الحصة الأكبر من هذه "المنح السياحية"، إلا أن بعض النواب عن "حزب العمال" يتمتعون بالحصة المتبقية، والتي تأتي على شكل رحلات (باهظة الثمن) للسعودية وهدايا متنوعة.

وفي إحدى هذه الرحلات الممولة، زار النائب عن "حزب العمال"، بول ويليامز، السعودية، في أبريل/ نيسان الماضي. وصرح خلال زيارته، أن "مفاهيمه السابقة تغيّرت تماما"، وأنه رأى السعودية بشكل "عصري وتقدمي، غيّر نظرتي إلى هذه الدولة كليا".

وكانت تصريحاته محل ترحيب من مموليه السعوديين بالتأكيد، رغم أن الواقع يُظهر أن قطع الرؤوس تضاعف منذ تسلم ولي العهد، محمد بن سلمان، مفاصل السلطة، وازدادت نسبة المعتقلين من نشطاء حقوق المرأة وشخصيات معارضة للنظام، كما وقتل آلاف اليمنيين في حرب السعودية على بلدهم.

ويُعتبر اجتلاب البرلمانيين البريطانيين السُذج، إلى السعودية، في رحلات مدارة بشكل جيّد للترويج لصورة زائفة لـ"الإصلاح" في المملكة، استثمارًا جيّدًا.

ودافع ويليامز عن زيارته للسعودية التي يرى أن نظامها "يرتكب الفظائع"، بقوله إن هناك عملية "إصلاح اقتصادي واجتماعي"، دون أن يُقر بحقيقة أنه استُغل.

وأخبرني البرلماني المحافظ، كواسي كووارتنغ، الذي ذهب إلى السعودية برحلات ممولة مماثلة، بلغت قيمتها نحو 10 آلاف جينيه إسترليني (نحو 13 ألف دولار)، أن عدم قبول اليسار لرحلات ممولة من الدكتاتوريات التي تسعى لـ"الاندماج"، يعتبر أمرًا "طفوليًا" و"نهجًا غبيًا".

وعند سؤالي عن موقفه من القيام بزيارات مدفوعة الثمن لكوريا الشمالية الدكتاتورية، أجاب ببساطة، أنه غير معني في تلك الدولة. وفي ما يتعلق برأيه من حاجة الأنظمة المماثلة إلى تمويل رحلات كهذه، قال إنهم "يرغبون أن يرى الناس دولهم، في إطار هدفهم لتسويقها بالطبع"، ومن ثم أغلق الهاتف.

لقد كان مُحقا بالطبع، فإن هذا النوع من الرحلات يتكامل مع الهجوم الترويجي السعودي وما يوصف بـ"البروباغندا السعودية العنيفة".

بريطانيا والمال السعودي

في وقت سابق من العام الجاري، أشاد وزير خارجية بلادنا، بالتدفق المتوقع خلال العقد القادم من الاستثمارات السعودية التي تبلغ قيمتها نحو 65 مليار جنيه إسترليني (نحو 84 مليار دولار)، والتي سوف تدخل إلى قطاعات مختلفة كالتعليم والرعاية الصحية والتطوير العسكري.

وعدلت "هيئة السلوك المالي" البريطانية قوانينها، بحيث أصبحت تسمح إدراج الشركات الأجنبية المملوكة من الدول، في "الفئة الممتازة" في بورصة لندن. وقالت مصادر متطلعة في البورصة، إن القوانين عُدلت بما يلائم شركة "أرامكو" النفطية المملوكة للسعودية.

لقد غيّرت الهيئة التنظيمية المالية في بريطانيا، قوانينها لصالح دكتاتورية أجنبية، وكما استعرضها الكاتب البريطاني، ديفيد ويرينغ، في كتابه الجديد الرائع "Anglo Arabia"، فإن عجز الحساب الجاري البريطاني الهائل، وهو نتاج تفضيل القطاع المالي في ظل الإهمال الصناعي، يُموّل اليوم، بالاستعانة بدولارات النفط الخليجي، بما في ذلك السعودية.

الوباء المالي في المجتمع المدني والصحافة

يتوغل التأثير السعودي في المجتمع المدني أيضا، فأُتخمت الجامعات بأموال الأسرة الحاكمة، والتي شملت عشرات ملايين الدولارات في مؤسسات جامعة أوكسفورد، كمتحف أشموليان وكلية سعيد لإدارة الأعمال.

وفي الوقت الذي بدأت فيه متاحف نيويورك برفض المال السعودي، تُصر المؤسسات في بريطانيا على الاستمرار في قبوله، فمثلا، رغم انتشار قضية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، مؤخرا، فإن متحف التاريخ الطبيعي في لندن، رفض إلغاء حدث استضافته السفارة السعودية، بحجّة أنها "ممول خارجي مهم".

وبالنظر إلى ما يُسمى صحافة حرة في بريطانيا، فقد تحالفت الصحيفة التي عَمِلتُ بها سابقا، "ذي إندبندنت"، مع مجموعة إعلامية مُقربة من الأسرة الحاكمة في السعودية، بهدف إطلاق مواقع جديدة على مستوى الشرق الأوسط وباكستان. ومما يُثير القلق، فقد اشترى رجل أعمال سعودي تربطه علاقة بالنظام الحاكم، 30 في المائة من أسهم الموقع الإخباري المخصص للشرق الأوسط.

واشترى السعوديون إعلانات ترويجية لخطة "الإصلاح" الخاصة ببن سلمان في عدّة صحف بريطانية، بما في ذلك "ذي غارديان". وحضر مراسل الشؤون الدفاعية (الأمنية) في صحيفة "تليغراف"، أمسية متحف التاريخ الطبيعي، وكتب مقالا في اليوم التالي أرفقه بتغريدة على صفحته في موقع "تويتر"، تساءل فيها "هل كان خاشقجي ليبرالي، أم كان خادما للإخوان المسلمين الذين يشتمون الغرب؟".

وأجرى مقابلات وديّة و"متملقة" مع بن سلمان، وصفه خلالها بـ"الدينامو البشري"، وأن آفاق مستقبل السعودية تحت سيطرته "لا تعرف الحدود".

إن السعودية طُغيان يُهددنا جميعا، فقد كانت مركزية في نشوء حركة طالبان والقاعدة و"داعش". وتُخضع النساء لقمع وحشي، وما زالت تحكم بالإعدام على المثليين و"الساحرات"، وتمنع الأحزاب السياسية والصحافة الحرة، وتستخدم أسلحة بريطانيا والولايات المتحدة لقتل المدنيين في اليمن.

وكشف تحالف نخبتنا الحاكمة مع آل سعود، عن الحقيقة التي تفيد بأن أحاديثها (الحكومة البريطانية) عن "حقوق الإنسان" في الخارج، محض أكاذيب. وتُدرَج الأنظمة الأجنبية في بريطانيا، على سلم هرمي "يفحص" مدى "شرها"، لكن هذا لا يتم تحديده بحسب درجة "الشر" التي تُمارسه تلك الأنظمة، بل عبر مدى معاداتها للمصالح الغربية.

هناك أسباب كثيرة لفقدان نظامنا الاجتماعي المتهاوي، لأي شرعية. وهذا التحالف الغارق بالدم هو أحد الأمثلة المُذهلة على ذلك.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018