الصين: "هجينٌ فريد من نوعه... الاستبداد ذو الخصائص الديمقراطية"

الصين: "هجينٌ فريد من نوعه... الاستبداد ذو الخصائص الديمقراطية"
نظام مستبد فيه بعض خصال الديمقراطية (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف خاصّة بـ"عرب 48": 


في سنوات الغموض السياسي التي تلت وفاة زعيم الحزب الشيوعي الصيني، ماو تسي تونغ، وقبل أن تتحول الصين إلى قوة صناعية طاغية، اجتمعت مجموعة مكونة من طلاب الاقتصاد في خريف عام 1984، في جبل مونغاشان القريب من شانغهاي، وبحثوا عن إجابة لسؤال واحد: "كيف للصين أن تلحق بالغرب؟".

وفي الوقت التي كانت فيه الولايات المتحدة تزدهر في عصر الرئيس رونالد ريغان، حاولت الصين التعافي من عقود من الاضطرابات السياسية والاقتصادية، وبينما تقدم الريف جزئيا، كان أكثر من ثلاثة أرباع السكان يعيشون في فقر مدقع، والدولة مسؤولة عن عدد أماكن العمل وتوظف العمال بنفسها، وتُحدد كمية إنتاج المصانع، وأسعار كل شيء.

وأراد هؤلاء الطلاب والباحثون، أن يطلقوا العنان لقوى السوق لكنهم خافوا انهيار الاقتصاد الشيوعي السائد، وبث الرعب في نفوس بيروقراطيي وأيدولوجيي الحزب، الذين سيطروا عليه.

وأجمعوا على أن المصانع يجب أن توفي بحصّة الدولة بالسعر المُحدد، أما كل ما يُضاف على تلك الكمية المُنتجة، فتستطيع إدارة المصنع تسعيرها بالطريقة التي تريد. لقد كان هذا الاقتراح ذكيا وراديكاليا، إلا أن المسؤول الحزبي الشاب، شو جينغ آن، الذي كان يجلس معهم، كان يُفكر بكيفية تطبيقه على أرض الواقع.

(نيويورك تايمز)

وكان الاقتراح الذي حوله شو إلى سياسية حكومية، خطوة محورية مبكرة في الارتقاء المذُهل للاقتصاد الصيني من رحم اليأس.

وتتقدم الصين اليوم على العالم، بعدد أصحاب المنازل ومستخدمي الإنترنت وخريجي الجامعات، وحتى عدد الميلياريديرات، واستطاعت أن تُخفض الفقر المُدقع إلى أقل من 1 في المائة من السكان، لتتحول الدولة التي عزلت نفسها بالسابق، إلى أقوى منافس للولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

وتجري اليوم مسابقة عصرية ضخمة بين البلدين، يدفع فيها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بأجندة أكثر تشددا بنطاق العلاقات مع الخارج، وزيادة الرقابة محليا، فيما بدأت إدارة دونالد ترامب، حربا تجارية تلوح في الأفق إلى ما يمكن أن يتصاعد لحرب باردة جديدة.

(نيويورك تايمز)

لكن السؤال الأولي، الذي بحثه الطلاب في جبل مونغشان، تغيّر اليوم من "كيفية اللحاق في الغرب"، إلى "كيف نتقدم على الغرب؟"، خصوصا مع العدائية الأميركية.

الصين تكسر التوقعات الغربية

شجع ثمانية رؤساء أميركيون، على مدار عقود، نمو الصين الاقتصادي وعملوا مع قادتها وشعبها على بناء أكبر وأهم شراكات اقتصادية في العالم، والتي رفعت من شأن البلدين. وخلال هذه الفترة، أمل الأميركيون، أن يقوم هذا الازدهار الاقتصادي الصيني، بتغذية المطالب الشعبية نحو الحريات السياسية، ويجلب الصين إلى قطيع الدول الديمقراطية، وفي حال عدم نجاح ذلك، فراهنوا على أن الحكم الاستبدادي والفساد البيروقراطي، سوف يحول دون ازدياد قوتها إلى أن يُدمر اقتصادها.  

إلا أن كلا الأمرين لم يحدثا، بل نجح قادة الحزب الشيوعي الصيني، بتحدي هذه التوقعات مرّة تلو الأخرى، فـ"اعتنقوا" الرأسمالية رغم استمرارهم بوصف أنفسهم بأنهم ماركسيون، واستخدموا القمع للحفاظ على سلطتهم لكن دون أن يُحبطوا عملية الابتكار وريادة الأعمال، وترأسوا أكثر من 40 عاما من النمو الاقتصادي المستمر الذي نتج غالبيته عن سياسات غير تقليدية توقعت الكتب والتحاليل فشلها.

(نيويورك تايمز)

واعتقد العالم أنه يمكن تغيير الصين، وبالفعل، نجح بتغييرها من نواح كثيرة. لكن نجاح الصين كان مذهلا لدرجة أنه بقدر تغيير العالم لها، استطاعت أن تُغير هي في العالم، والفهم الأميركي لكيفية عمل العالم.

لا يُمكن شرح طُرق نجاح قادة الحزب الشيوعي الصيني بتطوير بلادهم، بشكل مُبسط، فقد كان ذلك نتاج أمور كثيرة مُجتمعة؛ بُعد النظر والحظ والمهارة والحلول العنيفة، ولكن أهم من ذلك كله، كان للخوف الدور الأهم ربما في ازدهار البلاد، الذي نبع من خشية خلفاء ماو من الأزمات التي لحقت موته، والتي تكثفت بعد مذبحة "ميدان تيانانمن" وانهيار الاتحاد السوفييتي.

وحتى عندما وضع الشيوعيون الصينيون "كوارث" حكم ماو، من ورائهم، كانوا يدرسون، وبِهَوَس، تجربة حلفائهم الأيدولوجيين القدامى في موسكو التي باءت بالفشل، مصممين على التعلم من أخطائها. واستفادوا منها، بدرسين أساسيين يُمكن دمجهما بمنطق واحد، يجب على الحزب الشيوعي الصيني تبني "الإصلاح" من أجل البقاء، لكن ذلك يجب ألا يتضمن عملية دمقرطة أبدا.

(نيويورك تايمز)

وقاوم الشيوعيون على مدار العقود الأخيرة، الانفتاح أمام التضييق، وتجربة التغيير أمام رفضه. واعتقد الكثيرون أن الحزب سيفشل، بادعاء أن هذا التوتر بين الانفتاح والقمع، سيكون أكثر مما يُمكن على الصين أن تتحمله، إلا أن هذه المعضلة على وجه الخصوص، ربما تكون السبب الرئيس في ارتفاع الصين.

المحترف الحزبي الشيوعي الذي أصبح رأسماليا

لم يكن لأي الباحثين المشاركين في اجتماع جبل مونغشان، القدرة على تنبؤ الارتقاء الذي وصلت إليه الصين اليوم، وأدوارهم في صناعته، فقد كان معظمهم شبانا أتوا من عصر الاضطراب والانعزال عن العالم، ولكي ينجحوا في مسعاهم لتطوير بلادهم، كان عليهم إعادة صناعة الأيدولوجية وبرمجتها بأفضل وأذكى طريقة ممكنة لتنفيذ ذلك.

(نيويورك تايمز)

وعلى سبيل مثال، فقد تخرج شو بشهادة بالصحافة في عصر "الثورة الثقافية" العنيفة التي أجراها ماو، والتي "طُهر" فيها ملايين الناس عن طريق الاضطهاد والتعذيب والقتل. وكان خلال تلك الفترة يعمل في "مدرسة كادر"، ويُعلم الماركسية لوحدة جيش فيما يقوم بالعمل اليدوي.

(مدرسة الكدار، هي طريقة انتهجها ماو في فرض الثورة الثقافية، والتي كانت عبارة عن مخيم عمل اندمج فيه العمل الشاق مع دراسة كتابات الزعيم بهدف "إعادة تثقيف" الكوادر، وتسليحهم بالفكر الاشتراكي الماوي")

وبعد وفاة ماو، عُين شو في معهد أبحاث تابع للدولة مكلف بإصلاح الاقتصاد. وكانت وظيفته الأولى هي معرفة كيفية إعطاء المصانع المزيد من القوة لاتخاذ القرارات، وهو موضوع لم يكن يعرف عنه شيئا تقريبا. ومع ذلك، انتقل إلى مهنة متميزة كصانع سياسات اقتصادي، وساعد في إطلاق أول سوق للأوراق المالية في الصين في شنتشن.

(نيويورك تايمز)

واستطاع الكثير من رفاقه الذين شاركوا باجتماع جبل مونغشان، الوصول إلى مراتب عليا في الصين التي نعرفها اليوم، الأمر الذي يُمثل أحد جوانب نجاح الصين الهامة، وهو تحول المحترفين الحزبيين (الأبارتشيك) إلى رأسماليين.

وأًصبح البيروقارطيون الذين اعتبروا في الماضي عائقا أمام تطور الصين، محركات نموها، وبدأ المسؤولون الذين كرسوا حياتهم من أجل الصراع الطبقي والسيطرة على الأسعار، بجذب الاستثمار وتعزيز المشاريع الخاصة.

ويُعتبر ذلك خطوة ابتكارية مُذهلة، تخطى فيها الشيوعيون الصينيون نظراءهم في الاتحاد السوفييتي، ففي مرحلة ما، قُيض النمو الاقتصادي بسبب السياسيات البيروقراطية الستالينية في البلدين، حيث قاوم المسؤولون الذين تمتعوا بسلطة بلا ضوابط، التغيير الذي هدد امتيازاتهم.

وفي حين حاول زعيم الاتحاد السوفييتي الأخير، ميخائيل غورباتشوف، كسر سيطرة هؤلاء البيروقراطيين على الاقتصاد عن طريق فتح النظام السياسي، كان الصينيون وما زالوا حتى يومنا هذا، يأخذون دروسا حول "لماذا أخطأ غورباتشوف بهذه الخطوة؟".

ودفعتهم خشيتهم من فتح المجال السياسي المصحوبة بعدم رغبتهم بالبقاء في مكانهم، إلى ابتكار طريقة جديدة. فقد تحرك الحزب الشيوعي تدريجيا باتباع نمط التسوية التي وصل إليها الباحثون في موغانشن، الأمر الذي أبقى على الاقتصاد المُخطط دون إلحاق الضرر به، مع السماح لاقتصاد السوق بالازدهار وتجاوزه.

ووصف قادة الحزب هذا التقدم التجريبي البطيئ بـ"عبور النهر عن طريق تحسس الحجارة في القاع". فمثلا، أُتيح المجال أمام الفلاحين لزراعة محصايلهم الخاصة وبيعها شريطة الحفاظ على مُلكية الدولة للأرض، أو إزالة القيود على الاستثمار في "المناطق الاقتصادية الخاصة"، مع تركها في مكانها في بقية البلاد؛ أو إدخال الخصخصة عن طريق بيع حصص الأقلية فقط في شركات الدولة في البداية. وهو دمج ذكي بين "إرضاء الإصلاحيين والمعارضين" وصفه شو بأنه كان بمثابة "فن".

(نيويورك تايمز)

لقد شكك الخبراء الاقتصاديون الأميركيون بطريقة معالجة الحزب الشيوعي الصيني لاقتصاد البلاد، بادعاء أن السوق يحتاج إلى التقدم بسرعة وإلا ستعمل البيروقراطية على تقويض التغييرات الضرورية. حتى أن الباحث الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، ميلتون فريدمان، وصف إستراتيجية الحزب بعد زيارة أجراها عام 1988 للصين، بأنها "دعوة مفتوحة للفساد وعدم الكفاءة".

لكن الصين تميّزت بأفضلية غريبة في تحدي مقاومة البيروقراطية للتغيير. وأتى الانتعاش الاقتصادي الطويل في البلاد، مباشرة بعد أحد أحلك الفصول في تاريخ الصين، "الثورة الثقافية"، التي أهلكت جهاز الحزب وأدخلته في حالة من الفوضى.

والواقع أن الزيادة المفرطة في الاستبداد قد مهدت الطريق أمام خليفة ماو، دنغ شياو بينغ، لقيادة الحزب في اتجاه أكثر انفتاحا بشكل جذري.

وشمل ذلك إرسال أجيال من المسؤولين الحزبيين اليافعين، إلى الولايات المتحدة وأماكن أخرى لدراسة طريقة عمل الاقتصادات العصرية، إما عن طريق التسجيل في الجامعات أو العمل أو حتى إجراء زيارات "دراسية" قصيرة المدى.  

(نيويورك تايمز)

واستثمر الحزب أيضا، بالتعليم، ووسع نطاق الوصول إلى المدارس والجامعات، للقضاء على الأمية. ورغم أن الكثير من النقاد، يتحدثون عن نقاط الضعف في نظام التعليم في الصين، المبني على الاختبارات الصعبة والحفظ والقيود السياسية والتمييز ضد طلاب الريف، إلا أن الصين تُخرج طلابا في العلوم والهندسة كل عام، أكثر مما تفعل الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان مجتمعة.

تفسير آخر للتحول الذي طرأ على الحزب، هو التقنية البيروقراطية التي اتبعها. وادعي المحللون في بعض الأحيان أن الصين تبنت الإصلاح الاقتصادي بينما تقاوم الإصلاح السياسي. لكن في الواقع، قام الحزب بتغييرات ذات أهمية كبرى، بعد وفاة ماو، حتى وإن لم تصل إلى حد الانتخابات الحرة أو المحاكم المستقلة.

وعلى سبيل المثال، أدخل الحزب حدود المدة (للوظيفة الحزبية) وعهود التقاعد الإلزامية، مما سهل عملية طرد المسؤولين غير الأكفاء. وقام بتجديد بطاقات التقرير الداخلية التي استخدمها لتقييم القادة المحليين للترقيات والمكافآت، مع التركيز بشكل شبه حصري على أهداف اقتصادية ملموسة.

وكان لهذه التعديلات التي تبدو سطحية من الخارج، مردود/ تأثير هائل على الحزب، استطاع من خلالها، تحفيز آلية المحاسبة والتنافُس الداخلي في النظام السياسي، وكما قال الباحث السياسي في جامعة مشيغين الأميركية، يون يون آنغ، فإن الصين "خلقت هجينا فريدا من نوعه، وهو حكم استبدادي يتمتع بخصائص ديمقراطية".

القطاع الخاص

مع ازدهار الاقتصاد، تجاهل المسؤولون الذين صبوا اهتمامهم على النمو الاقتصادي فحسب، انتشار التلوث وانتهاك حقوق العمال والإمدادات الغذائية والطبية الملوثة. وقد كافأتهم الدولة بإيرادات الضرائب المرتفعة والفرص لإثراء أصدقائهم وأقاربهم وأنفسهم. وهذا دفع مجموعة كبيرة من المسؤولين للتخلي عن دورهم السياسي والدخول في مجال إدارة الأعمال، وبمرور الوقت، جمعت النخبة الحزبية ثروة كبيرة، ما عزز دعمها لخصخصة جزء كبير من الاقتصاد الذي كانت تسيطر عليه ذات يوم.

وينتج القطاع الخاص الصيني اليوم، أكثر من 60 في المائة من الناتج الاقتصادي في الدولة، ويُشغل أكثر من 80 في المائة من القوى العاملة في المدن والبلدان، ويولد 90 في المائة من إمكانيات العمل الجديدة، فيما لا يقيض البيراقريطيون عمله، على الأقل إلى حد ما.

(نيويورك تايمز)

وفي الأعوام الأخيرة، سعى الرئيس الصيني، شي جينغ بينغ، إلى تثبيت سلطة الحزب داخل الشركات الخاصة، وعزز المشاريع المملوكة للدولة عن طريق منحها دعما حكوميا خاصا، مع الإبقاء على الحواجز أمام المنافسين الأجانب، كمطالبة الشركات الأميركية بالكشف عن التكنولوجيا التي تطورها في حال أرادت الوصول إلى السوق المحلية الصينية، مما يشير إلى إرادة الصين في لعب دور اقتصادي وتكنولوجي أكبر في العالم، قد يصل إلى حد "تخطي" الولايات المتحدة.

سياسة الانفتاح

أصبح شي أقوى قائد في الحزب منذ دينغ، باختلاف بسيط عن سلفه، فقد شجع الأخير البحث عن المساعدة والخبرة من خارج الصين، فيما يدعو شي إلى الاعتماد على الذات، ويحذر من مخاطر "القوى الأجنبية العدائية"، في توجه واضح نحو التقليل من "سياسة الانفتاح" الذي تميز بها عصر دينغ.

وبالفعل، يُمكن اعتبار "الانفتاح" أكبر المخاطر العديدة التي واجهها الحزب في سعيه لتحقيق النمو الاقتصادي، والذي كان يكمن في الاستثمار الأجنبي والتجارة معه وأفكاره، فهي بمثابة مراهنة استثنائية وخطرة من قبل دولة كانت في يوم من الأيام معزولة مثل كوريا الشمالية اليوم، والتي عالجتها بطريقة استثنائية أيضا.

(نيويورك تايمز)

لقد استفادت الصين من موجة العولمة التي تجتاح العالم وبرزت كـ"مصنع العالم"، وإن احتضانها للإنترنت، ضمن حدود، ساعد على جعلها رائدة في مجال التكنولوجيا. وساعدتها المشورة الأجنبية لإعادة تشكيل بنوكها وبناء نظام قانوني وإنشاء شركات حديثة.

وتكمن المفارقة في توجه الحزب تحت قيادة شي، نحو الادعاء أن النمو الاقتصادي يُعزى إلى "حكمة" القيادة فحسب، في أن أعداء بكين السابقين ساعدوا بنجاحها. فقد ساهمت كل من الولايات المتحدة واليابان اللتان لطالما هاجمهما الحزب، كانتا شريكتين تجاريتين رئيسيتين وكانتا مصدرا هاما للمعونة والاستثمار والخبرة، كما استفاد الحزب الشيوعي من أموال تايوان (رغم العداوة التقليدية بينهما)، والتي كانت تتفوق في مكانتها في سلسلة التصنيع العالمية، كما استغلت خبرتها الإدارية وتقنياتها وعلاقتها مع الزبائن حول العالم، بل إن للأخيرة الدور الأهم في بناء رأس المال الصيني الذي أوصل الدولة إلى الاقتصاد العالمي.

القمع الانتقائي

إن أقرب ما وصل إليه الحزب إلى التحرر السياسي، تمثل بالحركة المؤيدة للديمقراطية في عام 1989، بعد وفاة ماو، وكانت حملة القمع التي أعقبت ذلك هي الأبعد في الاتجاه الآخر، نحو القمع والسيطرة. وبعد مجزرة ساحة تيانانمن، تعطل الاقتصاد وبدا أن التقشف كان حتميا، لكن بعد مرور ثلاث سنوات، استغل دنغ جولة في جنوب الصين ليعيد إحياء نقاش "الإصلاح والانفتاح" داخل الحزب مرّة أخرى.

ورغم أن كثيرين ممن كانوا في الحكومة، غادروها بعد المجزرة وتوجهوا إلى مجال الأعمال والتجارة، إلا أنهم وجدوا أنفسهم فجأة يقودون تحول البلاد من خارجها، بدور الجيل الأول من رجال الأعمال الخاصين.

ويقوم الرئيس شي جينغ بيغ الآن، بتوجيه الحزب نحو القمع مرة أخرى، ويضيق قبضته على المجتمع، ويركز السلطة في يديه ويضع نفسه حاكما أبديا للبلاد من خلال إلغاء الحد الزمني للرئاسة. هل سيخفف الحزب من سطوته مرّة أخرى، كما فعل في السنوات القليلة التي تلت مذبحة تيانانمن، أم أن العودة إلى القبضة الحديدية تترسخ؟ وإذا كان الأمر كذلك، ماذا يعني هذا بالنسبة للمعجزة الاقتصادية الصينية؟

الخوف هو أن يحاول شي إعادة صياغة الوصفة التي تقف وراء نهوض الصين، لتحل محل القمع الانتقائي بشيء أكثر قسوة.

لطالما كان الحزب متيقظًا حيال سحق التهديدات المحتملة من أحزاب معارضة ناشئة أو حركات شعبية روحانية، أو حتى على مستوى الأفراد، لكن مع استثناءات كبيرة، خفف من سلطته بشكل عام، على الحياة الشخصية للناس ومنحهم حرية كافية للحفاظ على نمو الاقتصاد.

ويُمكن للإنترنت أن يكون المثال الأمثل على كيفية استفادة الحزب من هذا التوازن الذي خلقه، فقد أتاح للشعب الاتصال بشبكة الإنترنت الواسعة، بالكاد مع توقع ما قد يعنيه ذلك، ثم جني الفوائد الاقتصادية مع التحكم في انتشار المعلومات التي يمكن أن تؤذي الحزب.

وبعد تحطم قطار سريع عام 2011، وانتشار القضية على نطاق واسع على مواقع التواصُل الاجتماعي أسرع مما تمكنت الرقابة من حجبها، أراد المسؤولون المذعورون إغلاق موقع التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية في الصين "ويبو"، لكن السلطات كانت تخشى من رد فعل الجمهور. وفي النهاية، سمحوا لشركة "ويبو" بالبقاء، لكنهم استثمروا الكثير في تشديد الضوابط وأمروا الشركات بأن تفعل الشيء ذاته.

(نيويورك تايمز)

ونجح هذا التوازن بالفعل، إذ خصصت العديد من الشركات، مئات الموظفين، للعمل على الرقابة، فيما أصبحت الصين عملاقةً في مجال الإنترنت في العالم.

"العصر الجديد"

ليست الصين الدولة الوحيدة التي جمعت حاجيات النظام الاستبدادي باحتياجات السوق الحرة، لكنها فعلت ذلك لفترة أطول من أي نظام آخر وعلى نطاق أوسع، وحصلت على نتائج أفضل.

ويكمن السؤال المُلح اليوم، في ما إذا كانت سوف تستطيع الحفاظ على هذا الدمج مع تحول الولايات المتحدة إلى خصم بدلا من شريك.

(نيويورك تايمز)

لم يمض الكثير على بدأ الحرب التجارية بين البلدين، لكنها ليست مجرد حرب تجارية، ويزداد التوتر في المياه المتنازع عليها، مع تواجد السفن الحربية الأميركية وطائراتها، وتزيد الصين من إنفاقها العسكري بشكل غير مسبوق. إضافة إلى أن واشنطن تواجه النفوذ المتنامي لبكين في جميع أنحاء العالم.

وجلب الازدهار للصين، توقعات أكبر من الجمهور الذي بات يُطالب بأمور تتعدى النمو الاقتصادي، فيبحث الصينيون اليوم عن الهواء النظيف والغذاء النقي والدواء غير الملوث، ورعاية صحية أفضل ومدارس أفضل، وتقليل الفساد وزيادة مساحة المساواة. وفيما يُكافح الحزب من أجل توفير بعض هذه المطالب، يبدو أن بطاقات التقارير التي يستخدمها لقياس أداء المسؤولين، أصبحت بالكاد تكفي.

وبدأ نمو الاقتصاد بالتباطؤ، الأمر الذي قد يكون أكثر نفعًا للاقتصاد على المدى الطويل، لكنه قد يُزعزع ثقة الجمهور، فالحزب يستثمر اليوم بشكل أكبر في الرقابة للتحكم بالتحديات التي تواجهه، المتمثلة باتساع عدم المساواة، وتضخم مستويات الديون الخطرة، وتزايد عدد السكان المتقدمين في السن.

(نيويورك تايمز)

وأقر الرئيس الصيني بأن الحزب بحاجة إلى التأقلم، مُعلنا أن الصين تدخل في "عصر جديد" يتطلب أساليب جديدة. لكن هذا التوجه يُترجم على أرض الواقع بالقمع، الذي يشمل معسكرات اعتقال واسعة تستهدف الأقليات العرقية المسلمة بهدف "إعادة تثقيفها". تم استبدال "الانفتاح" بدفعة خارجية مصحوبة بقروض ضخمة يصفها النقاد بأنها جهود مفترسة وغيرها من الجهود لكسب النفوذ، أو التدخل، في سياسات الدول الأخرى. ومحليا، هناك عودة إلى العقيدة السياسية التقليدية والانضباط فيها.

ويبدو أن شي يؤمن بأن الصين نجحت إلى حد يُمكن الحزب من العودة إلى نظام استبدادي، وأنه من أجل الاستمرار والتفوق على الولايات المتحدة، فإن الاستبداد ضروري.

لا شك أن زخم الحزب ما زال قائما، فعلى مدار العقود الأربعة الماضية، نمى الاقتصاد الصيني أسرع بعشرة مرّات من نظيره في الولايات المتحدة. ويبدو أن الحزب يتمتع بتأييد شعبي واسع، وتزداد قناعة العديد من الناس في جميع أنحاء العالم، بأن الولايات المتحدة تحت قيادة دونالد ترامب، تتراجع، في حين أن نجاح الصين بدأ للتو. ثم مرة أخرى، لدى الصين طريقتها في تحدي التوقعات.  

من سلسلة "الاقتصاد الذي لم ينجح بالفشل"
الصور للمصوّر: Bryan denton