الاستفتاء من "أداة للنازية" إلى حل محتمل لأزمة بريطانيا

الاستفتاء من "أداة للنازية" إلى حل محتمل لأزمة بريطانيا
(رويترز)

في ما يلي ترجمة بتصرّف خاصّة بـ"عرب 48": 


ما من موضوع أثار الاهتياج في السياسة البريطانية أكثر من الاستفتاءات الشعبية، باستثناء العِرق والجنس ورقص تيريزا ماي على المسرح.

في عام 1945، وصف كليمنت أتلي، الاستفتاء، بأنه "غريب على تقاليدنا (البريطانية)" و"أداة للنازية"، ورفض رئيس الوزراء الأسبق، هارولد ويلسون، فكرة الاستفتاء قائلا إنه "منافٍ لتقاليدنا، وليس الطريقة التي نعمل بها" مستهزئا من فاعلية الاستفتاء في إلغاء ضريبة الدخل المحتمل، ليقوم لاحقًا، عام 1975 بإجراء أول استفتاء عام في تاريخ بريطانيا. فيما اعتبرت منافسته المحافظة، مارغاريت تاتشير، أن الاستفتاء "أداة للدكتاتوريين والديماغوغيين" من شأنها أن تُشكل خطرا على الأقليات، وتدمير السيادة البرلمانية.

لذا، فإن تحذيرات النائب المحسوب على اليسار، باري غاردنر، وتيريزا ماي اليمينية، من استفتاء جديد بشأن بريكست ليست أمرا جديدا، بادعاء أن "تصويت الشعب" سيكون "خيانة كبرى لديمقراطيتنا" وسوف "يقوض مبدأ الديمقراطية بالكامل في هذه الدولة". مع ذلك، يندرج الاستفتاء اليوم في الدستور البريطاني، وفي حال استُخدم للأفضل أو للأسوأ، لم يعد بالإمكان وصف الأداة التي استخدمت 12 مرة منذ عام 1973 بأنها "غريبة على جميع تقاليدنا".

من هارولد ويلسون إلى ديفيد كاميرون، تعامل جميع رؤساء الوزراء البريطانيين مع جمهور الناخبين كوحدة تفكيك قنابل أوكلت لها مهمة تعطيل "قضايا متفجرة" في مقاعد السياسيين الخلفية. لكن رؤساء الحكومات هؤلاء، بتوظيفهم للاستفتاءات أداة للإدارة الحزبية، فشلوا في تطوير قوانين جدية لتوقيت وكيفية وجدوى استخدامها. ويبرز تاريخ النقاش البريطاني حول الاستفتاء بعض المؤشرات المفيدة حول الطريقة التي يمكننا أن نستخدم بها تلك الأداة في المستقبل، وكيفية لاستفتاء ثانٍ أن يجنّب مخاطر الأول.

لقد دخل الاستفتاء في النقاش العام البريطاني في بدايات القرن العشرين، في سياق لا يختلف تماما عن الحاضر. فقد عصفت بالبرلمان المتشظي حينها، سلسلة من الأسئلة السياسية البركانية، كموضوع تصويت النساء، وإصلاح الضرائب الجمركية والسيادة الإيرلندية الذاتية، التي أثارت المشاعر التي لم تستطع الأحزاب التقليدية احتواءها بسهولة.

وبالنسبة لألبرت فين ديسي، أكثر الفقهاء الدستوريين تميزا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان الاستفتاء بمثابة حل جزئي، حيث وجد في هذه الأداة تحريرًا للأسئلة السياسية الكبرى من قبضة الأحزاب أو الولاءات الشخصية. وقد تكون إحدى الأمثلة المعاصرة على هذا الطرح، هي أن الناخب البريطاني يستطيع دعم جريمي كوربين لمنصب رئيس الوزراء، ورفض وجهة نظره تجاه بريكست في الوقت ذاته. وحصر ديسي استخدام الاستفتاء بتأييد أو رفض المقترحات التي سبق أن وافق عليها البرلمان. وقال إن ذلك سوف يُشكل "حق النقض الشعبي"، الذي يعمل كرادع لمغامرة البرلمان، وليس كوسيلة لإجباره على التصرف.

وتركزت مقاومة هذه الفكر في ثلاث نقاط أساسية. أولا، الادّعاء أنّ الاستفتاءات قد تُخفف إشكاليات المسائل السياسية المعقدة، وتجردها لتمكين الإجابة عنها بنعم أو لا، بشكل يُتيح تجاوز المخاوف حول التفاصيل أو التكاليف والضمانات. لنأخذ مثالا معاصرا آخر، كان بالإمكان إجراء استفتاء على وعد ديفيد كاميرون، بتقليص الهجرة إلى "عشرات الآلاف"، أو القضاء على العجز الهيكلي بحلول عام 2015؛ لكن الحكم لم يكن ليقول شيئا عمن ينبغي استبعاده من المهاجرين، أو السُبل التي يجب إغلاق العجز بواسطتها.

أما الانتقاد الثاني فتلخص بالتحذير من الخطر الذي قد تُشكله الاستفتاءات على الحكومات المسؤولة. فإن وعد الوزراء بإجراء استفتاءات لأغراض حزبية، فيُمكنهم التنصل من المسؤولية عن نتائجها. كما يُمكن للحكومة التي هُزمت (بانتخابات)، أن تستمر بـ"المرح" في منصبها السابق، وسن سياسات لا تؤمن بها، في حين أن أولئك الذين طرحوا فكرة التغيير يمكن أن يغسلوا أيديهم من عواقبه. ستكون نتيجة ذلك حكومات غير مسؤولة، وإزالة ضمان عدم وجود حملات سياسية غير نزيهة.

نهاية، خشي بعض النقاد من أن يُشجع الاستفتاء على التحول للاستبداد، فيُغلق المجال أمام المصوتين الذي عارضوه، لتحدي الحكومة أو الأحزاب السياسية، فهم سيصبحون كمن يضع نفسه كمعارض "لإرادة الشعب". ولن تكون هناك مساحة للأقليات تحت نظام كهذا، أو لمبدأ "المعارضة المخلصة".

وبالفعل، حقق استفتاء عام 2016 عددا من هذه المخاوف، فقد حول مسألة معقدة كـ"غسيل دماغ" المصوتين، إلى مقترح مجرّد، يستطيع المصوتون من خلاله، رسم مسارات متناقضة لبريكست. ومنح قوة هائلة لحملتين أساسيتين لم تكونا بحاجة إلى اتخاذ مسؤولية على الوفاء بالوعود، بل أنه خلال بضعة أيام من انتهاء التصويت على الاستفتاء، حذف الفائزون غالبية مواقعهم على الإنترنت، كما تفعل عصابات الإتجار بالمخدرات حين تحرق الدلائل قبل وصول الشرطة.

علاوة على ذلك، استورد تصويت عام 2016، مبدأً "دينيا" (ثيوقراطيا) للسياسة البريطانية، والذي استطاعت فيه "الطوائف" المتنافسة أن تتحدى بعضها في المشهد السياسي، عبر الاستعانة بمنطق تحذير "الزنادقة والكفار" من كون "بريكست هو إله، وتيريزا أو جريمي أو بوريس هم الأنبياء". لقد أنتجت هذه الطريقة، أخطر فكرة على الديمقراطية، وهي المغالطة أن "إرادة الشعب" هي عبارة عن ذكاء واحد منفرد، وتصدر تعليمات يجب على الجميع أن ينحنوا لها. وسُمح لهذا الخيال أن يأخذ دورا على أرض الواقع من خلال "القمع الوحشي" للأصوات المعارضة، الذي حول النقاد إلى خونة، والنواب إلى "مخربين" والقضاة إلى "أعداء للشعب".

قد يبدو المعنى السياسي لمحاولة حل مشاكل الاستفتاء الأول، عبر إجراء استفتاء ثاني، كوضع وقود على النار، لكن البرلمان وصل إلى طريق مسدود، حيث أنه ما من حزب وحد موقفا يُمكّنه من خوض انتخابات عامة. لا يُمكننا الخروج من هذا المأزق عبر تكرار تجربة 2016 المعطوبة. لكن النموذج الذي قدمه ديسي لـ"تصويت الشعب" يطرح حلا أكثر تفاؤلا.   

إن التصويت على مقترح متماسك، سواء كانت صفقة تيريزا ماي، "النرويج بلس" أو خطة أخرى بديلة، من شأنه أن يُركز النقاش على نقاط القوة والضعف في اتباع سياسية معينة، وليس على اليوتوبيا المجردة (أو الديسوتوبيا) التي سادت عام 2016. وسوف يحث مؤيديها على صب اهتمامهم على كيفية تنفيذها، بمعرفتهم أنه سيتم الحكم على ادعاءاتهم مقابل النتائج إذا فازوا. وبالتالي، يمكن لاستفتاء عام كهذا، تعزيز مبدأ الحكومة المسؤولة، وليس تقليصه.

في الوقت الحالي، يعارض كل من كوربين وماي، إجراء استفتاء آخر. لكن إن تغيير ذلك، فإنه لن ينتج عن أسباب تتعلق بالمبدأ الدستوري، بل لأنهما غير قادرين على اتخاذ قرار بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون تدمير حزبيهما. وإذا أردنا تجنب تفاقم أزمتنا السياسية، فنحن بحاجة إلى التفكير بعناية أكبر بشأن الشكل الذي قد يتخذه استفتاء كهذا.

يمثل المسار من "تصويت الشعب" إلى "حق النقض الشعبي" عودة إلى تقليد دستوري قديم. قد يحول الاستفتاء من مشكلة إلى حل.