ترجمان | تخيل عالمًا دون فيسبوك

ترجمان | تخيل عالمًا دون فيسبوك
الصورة للتوضيح فقط (unsplash)

في ما يلي ترجمة بتصرّف خاصّة بـ"عرب 48": 


لم تتجمّع البشرية في مكان واحد على مر التاريخ، بالقدر الذي تفعله على فيسبوك، إذ ينشط نحو 2.3 مليار على منصته شهريا، وهؤلاء يشكلون 30 في المئة من تعداد سكان العالم.

ويقدّر خبراء الاقتصاد أن شبكة التواصل الاجتماعي تدر ما قد يصل إلى تريليونات الدولارات لمستخدميها. لكن فيسبوك يتعرضّ للانتقاد لإتاحته المجال لجميع أنواع الفظائع الاجتماعية، ابتداءً بالإدمان والتنمر وحتى تآكل الخطاب السياسي القائم على الحقائق، والسماح للإبادة الجماعية بالمرور على منصته (الروهينغا في ميانمار).

وأظهر بحث جديد حول فيسبوك (وهناك الكثير من الأبحاث التي تجرى بهذا الصدد طوال الوقت) أن الاتهامات التي يتلاقاها موقع التواصل الاجتماعي، ليست محض اتهامات، مقترحا بذلك، أنه ربما حان الوقت للنظر إلى شكل الحياة دونه.

وبهدف البدء في تخيل عالم دون فيسبوك، لنفترض أن الباحثين يستطيعون دفع عينة من الأشخاص إلى التوقف عن استخدام المنصة الاجتماعية، ومراقبة النتائج. وفي الواقع، قامت عدّة فرق بحثية بفعل ذلك. ففي كانون الثاني/ يناير الماضي، نشر كل من الباحث في جامعة نيويورك، هانت ألكوت، والباحثين في جامعة ستانفورد لوكا براغيري، وسارة إيشماير، وماثيو جينتزكو، نتائج أكبر تجربة من هذا النوع حتى الآن. وقاموا خلالها بتجنيد عدة آلاف من مستخدمي فيسبوك وتقسيمهم إلى مجموعتين، واحدة مرجعية وأخرى علاجية (مجموعات التجارب المقارنة).

وطلب الباحثون من أعضاء المجموعة العلاجية إيقاف حساباتهم على فيسبوك لمدة أربعة أسابيع في أواخر عام 2018، وقام الباحثون بفحص متطوعيهم للتأكد من أنهم لم يدخلوا الشبكة الاجتماعية، ثم درسوا ما حدث للناس في "البرية الرقمية". (فيما استمر أعضاء المجموعة المرجعية باستخدام فيسبوك كالمعتاد).

وبالنتيجة، حصل الأشخاص الذين أوقفوا حساباتهم على ساعة إضافية يوميًا بالمعدل، ومال معظمهم إلى عدم إعادة توزيع وقتهم الذي "حُرر" من فيسبوك في استهلاك مواقع إلكترونية أخرى أو منصات تواصل اجتماعي مختلفة، بل اختاروا، بدلا من ذلك، زيادة مشاهدتهم للتلفزيون، وأمضوا أوقاتا أطول مع أصدقائهم وعائلاتهم. واستهلكوا أخبارا أقل بكثير، ما خفّض من معرفتهم للأحداث، لكنهم كانوا أقل استقطابا بآرائهم من أعضاء المجموعة التي استمرت باستخدام المنصة. ولقد أدى تركهم لـفيسبوك، إلى زياد شعورهم بالسعادة وتقليل مشاعر الاكتئاب والقلق.

وساهم ذلك، أيضًا، في كسر عادة الدخول إلى فيسبوك، فبعد مرور عدّة أسابيع على تفعيل حساباتهم من جديد، أمضى أفراد المجموعة العلاجية وقتا أقل بـ23 في المئة من نظرائهم في المجموعة المرجعية باستخدام المنصة. ولم يفعّل 5 بالمئة منهم حساباته حتى الآن. إضافة إلى أن الذين مروا في هذه التجربة، قبلوا بكمية أموال أقل بـ13 في المئة، لإيقاف حساباتهم مرّة أخرى بعد شهر، مما طلبوه في المرة الأولى.

مؤسس فيسبوك، مارك زوكربرغ (أ ب)
مؤسس فيسبوك، مارك زوكربرغ (أ ب)

وبكلمات أخرى، يبالغ مستخدمو فيسبوك بتقدير قيمة الخدمة التي يتلقونها منه، وهو سوء إدراك للواقع، استطاع أفراد المجموعة العلاجية تصحيحه بعد شهر من الامتناع عن استخدام المنصة. ومع ذلك، فإن معظمهم لا يستطيعون الإقلاع عن استخدامه بالكامل. وقد يُشير هذا التردد إلى أنه رغم مشاكل فيسبوك، فإنه يولّد قيمة كبيرة لمستهلكيه، والتي من المفترض أن تتلاشى في حال اختفاء الشبكة الاجتماعية.

لكن هذ التقييم ليس واضحا تماما، فقد تكون الأفكار التي تراود أفراد المجموعة العلاجية، بعد انتهاء فترة الامتناع عن فيسبوك هي "هل ننضم مجددا إلى الشبكة، أم نبقى خارجها فيما يقوم بقية الناس بالإعجاب بالمنشورات ومشاركتها؟"، أي أنه من الممكن ألا يرغب المستخدم بإيقاف استخدام منصة اجتماعية تُستخدم من قبل 2.3 مليار شخص آخر، لكن العالم قد يكون مكانا أفضل في حال عدم وجود هذه الخدمة من الأصل.

كيف ذلك؟ تزدهر المنصة الاجتماعية بفضل الزيادة في عائداتها. فكلما زاد عدد مستخدميها، تزداد كمية الاتصالات المحتملة التي تتيحها، وتكبر قيمتها لدى كل مستخدم. وساهمت هذه التأثيرات في تعزيز قوة فيسبوك، فالشبكة التي أسست عام 2004، ازدهرت بعد أن ازداد عدد مستخدمي شبكة الإنترنت بشكل هائل. وانجذب "مواطنو الإنترنت" إلى الشبكة الاجتماعية المُستخدمة من قبل أصدقائهم وعائلاتهم، بشكل طبيعي، الأمر الذي عزّز مزايا فيسبوك، بطريقة مشابهة للتي تحدث في المدينة المزدهرة عندما تجذب إليها سكانا جددًا بسبب الفرص التي تخلقها أعداد الناس الهائلة التي تسكنها. ويمكن وصف فيسبوك بأنه أول مدينة ضخمة رقمية في العالم، تحشد الناس، وتمكّن أعدادا مهولة منهم من التواصل، للأفضل وللأسواء.

وفي المدن الفعلية، قد يؤدي انجذاب الأشخاص إلى فكرة القرب من الآخرين، إلى ديمومة استثنائية. فمثلا، في القرن التاسع عشر، انتشرت المدن الصناعية على طول البحيرات العظمى في الولايات المتحدة، بسبب ميزة قربها من التنقل المائي، خصوصًا عندما ربطت القنوات والبحيرات بالمحيط الأطلسي. ورغم أن الشحن عبر البحيرات العظمى ليس بالقوة الاقتصادية التي كان عليها في الماضي، إلا أن ملايين الناس يعيشون في مدن مثل شيكاغو وديترويت وكليفلاند وبافالو، حتى يومنا هذا.

من الصعب تفسير هذه الديمومة، فلنفترض أن فريقًا من الباحثين طلب من بضعة آلاف من سكان وسط غرب الولايات المتحدة، في تجربة بحثية، قضاء شهر في جنوب كاليفورنيا. قد يستمتع المشاركون بالتجربة بشكل مدهش، ومع ذلك، سوف يعودون إلى منازلهم بسبب الأصدقاء والعائلة والعلاقات المهنية التي تربطهم بالغرب الأوسط. ويمكن أن يعكس خيار العودة القيمة الفريدة التي أنشأتها مدن الغرب الأوسط. لكنه قد يعني، بدلًا من ذلك، أن الغرباء عالقون في حالة توازن سيئة: ذلك أن الرفاهية سوف ترتفع إذا ما تمكنوا فقط من الاتفاق، بشكل جماعي، على الانتقال إلى العيش في مناخ مشمس كالذي في كاليفورنيا.

ماذا لو كان فيسبوك على شكل إمبراطوريّة؟ الإمبراطورية الرومانيّة مثلا

تحدث هذه الأمور خارج تجارب التفكير المُفترضة أيضًا. فقد درس الباحث في كلية الاقتصاد في لندن، غاي مايكل، والباحث في جامعة أوكسفورد، فرديناند راوش، ثروات مدن العصر الروماني في بريطانيا وفرنسا. وعندما تعثرت الإمبراطورية، تباينت تلك الثروات؛ فقد كان النظام السياسي الفرنسي أقل تضررا من الانهيار من نظيره البريطاني، في حين حافظت مدن أكثر على كفاءتها واستمرارها في فرنسا أكثر منه في بريطانيا. ونتيجة لذلك، نشأت مدن جديدة أكثر في بريطانيا من فرنسا في القرون التي تلت ذلك، بعد أن أصبحت فوائد القرب من المياه الصالحة للملاحة أكثر وضوحا.

وبين عامي 1200 و1700، نمت أعداد السكان بشكل أسرع في المدن القريبة من الساحل أكثر من تلك التي لم تكن قريبه منه. وبالتالي، استفاد البريطانيون من "إعادة ضبط" شبكاتهم الحضرية، فيما كان الفرنسيون عالقين بـ"الإعجاب ومشاركة" المدن التي احتلها أسلافهم الرومان.

من الصعب كشف هذه الثغرات في منظومة "الوقت الفعلي" المحوسبة، وقد تنتج الشبكات من نوع فيسبوك قيمة صافية لمستخدميها. وفي حل أغلق مارك زوكربرغ اختراعه، فمن المرجح أن تخلق شبكات جديدة مندفعة إلى الهيمنة. لكن عصر فيسبوك قد يكون نتيجة لظروف تاريخية فريدة وعابرة. وفي هذه الحالة، فإنه من الممكن إنتاج بيئة اجتماعية رقمية أكثر إشراقا، إذا استطعنا دفع "مواطني فيسبوك" إلى البحث عن بديل أفضل.