السفر إلى المريخ... رحلة لا بد أن تشمل مهرّجا

السفر إلى المريخ... رحلة لا بد أن تشمل مهرّجا
صور لرجل متخيل على المريّخ (بيزنس إنسايدر)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨" بتصرّف:


إن احتمال إرسال بشر إلى المرّيخ أمرٌ مخيف، فقد تتطلب رحلة الوصول إليه تسعة أشهر، وقد يمضي رواد الفضاء في هذه الرحلة نحو عام كامل على سطح الكوكب، ومن ثم سيعودون برحلة تستغرق 9 أشهر، أيضًا، إلى كوكب الأرض.

وخلال هذه الفترة، سوف يتعرّض روّاد الفضاء إلى مستويات عالية من الإشعاعات، بالإضافة إلى انكشافهم المتزايد على عادات زملائهم في الطاقم المزعجة، وإلى تشنّجاتهم، كذلك، ومن الصعب تحديد أي هذه العوامل سوف يؤدي إلى موتهم أولا.

ومع أن القيمة العلمية من مهمة بشرية إلى المريخ قابلة للشك، إلّا أن البروباغندا الإعلامية من مغامرة كهذه سوف تكون غير مسبوقة. ولهذا، تبحث وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، على طرق للمحافظة على السلامة البدنية والنفسية الخاصة بمستكشفي المريخ المُفترضين، وقدّمت عدّة عروض بحثية هذه الغاية، خلال المؤتمر الذي أقامته "الرابطة الأميركية لتطوير العلوم" في وقت سابق من العام الحالي في واشنطن العاصمة.

وسوف تكون الدراسة التوأمية الخاصة بناسا إحدى المبادرات المُقدمة خلال المؤتمر، والتي من المتوقع أن تُنشر نتائجها بالكامل في الأشهر القليلة القادمة، وبذلك يكون المؤتمر قد قدّم لمحةً عنها فقط.

واستغلت دراسة ناسا لهذه الغاية التوأمين المتطابقين ورائدي الفضاء مارك وسكوت كيلي، حيث أُرسل سكوت إلى محطة الفضاء الدولية عام 2015، ليمكث فيها 12 شهرًا بدور قائد محطة، فيما بقي مارك على سطح الأرض لمدة مماثلة. وخلال تلك الفترة، قدّم الأخوان عينات من دمهم وبولهم للتحليل العلمي. كما أنهما خضعا لفحوصات نفسية وبدنية. 

وعملت عشر فرق بحثية على امتداد الولايات المتحدة، على فحص العينات والنتائج لتعقب أكبر قدر ممكن من التغيرات الجزيئية والإدراكيّة والجسدية، دون أن يكون أعضاء هذه الفرق على دراية بما يُمكن أن يتغير بجسد الرجلين.

وقال الباحث في كلية طب "وايل كورنيل"، د. كريس ماسون، خلال المؤتمر، إن الفرق وجدت الكثير من المفاجآت، فعلى سبيل المثال، أصبحت القسيمات الطرفية، أطول لدى سكوت خلال إقامته في الفضاء (والقسيم الطرفي هو تفرع من الحمض النووي الذي يغطي نهاية الكروموسومات في نواة الخلية. وعادة ما يتناقص طوله في عملية تجزء الخلية وعندما تشيخ).

وقارن ماسون بين جينات سكوت والجينات الخاصة بأخيه الموجود على سطح الأرض، ووجد أنّ الجين المرتبط بجهاز المناعة في جسد الأول، ينشط بشكل كبير. وانطبق هذا، أيضًا، على الأجهزة الخلوية المرتبطة بإصلاح الحمض النووي لديه، ووصف ماسون هذا التحول في جسد سكوت، قائلا "كأن جسده أصبح على درجة عالية من التأهب"، وهو أمر مرجّح، نظرًا لضغط الرحلة إلى الفضاء. 

ولاحظ الباحثون أمرًا مفاجئا آخرَ، وهو تواجد شظايا (الميتوكندريون) بوفرة في دم سكوت (والميتوكندريون هو هيكل بالغ الصغر يتواجد داخل الخلية، ويحرّرالطاقة من السكر. ويتواجد عادة في مجرى الدم في حالات تضرر الخلايا أو موتها جرّاء الضغط).

من وجهة نظر سكوت، فهو سعيد بأن معظم التغييرات التي طرأت على جسده، وتُقدر بالآلاف، عادت لوضعها الطبيعي بعد عودته إلى الأرض بفترة قصيرة. وهذا يعني أنه، في غالب الظن، يتعافى جسد الإنسان الصحي من ضغط رحلة الفضاء. لكن على أية حال، فإن الدراسة التوأمية (وهي في الواقع التصوير الأكثر تفصيلا للبشر على الإطلاق) لا يزال فيها حجم العينة (الثنائية) محدودًا إلى حد ما. وفي السنوات المقبلة، تخطط ناسا لإجراء عشرات الدراسات الطويلة على البشر، بما في ذلك تعقب رواد الفضاء المتجهين إلى القمر استعدادًا للرحلات المستقبلية إلى المريخ.

وقال سكوت بعد عودته من محطة الفضاء، إن "العمل الجماعي يجعل الحلم قابلا للتحقيق"، عندما يتعلق الأمر بمهمة في الفضاء.

هذا جميل، لكن تصريحه كان ملائما جدا، فالإحاطة بطريقة عمل الفريق، وكيفية تأقلم أعضائه أو عدم تأقلمهم، بهدف منع المشاكل الاجتماعية، سوف تكون عاملا ضروريا لنجاح أي مهمة إلى المريخ، لأن مهمة كهذه قد تتطلب 6 أفراد، وقد يأتي هؤلاء من ثقافات مختلفة، وسوف يتورّطون برفقة بعضهم البعض في الفضاء لفترة قد تستغرق ثلاثة أعوام بمساحة لا تتعدى منزلًا عائليًا تقليديًا. ولن تكون بحوزتهم خطة للهروب الطارئ. 

وحاول عالم السلوكيّات في جامعة "إلينويس" الشماليّة الغربيّة، نوشر كونتراكتور، محاكاة هذه الظروف، كما أخبر الحضور في المؤتمر، فهو يدرس الديناميكيات بين مجموعات من الأشخاص المعزولين لفترات طويلة داخل منشأة، يحتجز فيها المتطوعين لمدّة 45 يوما في بعثات فضائية وهمية. ويتم تحفيزهم واستفزازهم نفسيا وجسديا، ومراقبتهم طوال الليل والنهار. 

إرسال المهرج

تعلّم الباحثون من تجارب مماثلة أن خصائص شخصيات معينة ضرورية لمساعدة أعضاء المجموعات على التفاعل مع بعضهم بأنجع طريقة. فتتطلب المجموعة الصحية، وجود قائد واختصاصي اجتماعي وراوي قصص ومزيج من الانطوائيين والمنفتحين. لكن الأمر المدهش، هو أن للمهرّج الدور الأهم في هذه المجموعة، فبحسب العالم جفري جونسون، المختص بعلوم الإنسان في جامعة فلوريدا، وهو أمضى 3 سنوات يتمعن بالعلاقات بين الأشخاص في الفرق البحثية المُرسلة إلى أنتاركتيكا خلال فصل الشتاء، فإن المهرج لا يقوم بإضحاك المجموعة فحسب، بس هو يمتلك ذكاءً مميّزًا، ودراية كبيرة بشخصية كل فرد في المجموعة، تمكنه من نزع فتيل التوترات التي قد تحدث بينهم خلال الفترات الطويلة التي يمضونها بتواصل وثيق بين بعضهم البعض.

كما يتصرف المهرج على أنه جسر بين المجموعات المختلفة من الناس، فمثلًا، استطاع المهرجون في أنتاركتيكا خلق لغة تواصل بين العلماء والتجار الموجودين في المنطقة، ووجد د. جونسون أنه لم يكن دور المهرج في المجموعات التي اختلف فيها الأفراد بشكل ملحوظ أو التي خسرت تماسكها.

حتى وإن تشكلت مجموعة متقنة الاتزان من رواد الفضاء لمهمة الذهاب إلى المريخ، هناك دائما مساحة لتخلخل الأمور. ففي 28 كانون الثاني/ ديسمبر عام 1973 على سبيل المثال، قرر طاقم محطة الفضاء الأميركية "سكايلاب" (مختبر الفضاء)، الذي تألف من ثلاثة رواد فضاء، قطع الاتصال مع قيادة الأرض ورفضوا إتمام المهمات التي أوكلت إليهم.

وأراد فريق البحث بقيادة د. كونتراكتور استيعاب ما الذي حصل في تلك الحادثة على متن "سكايلاب"، وإذا ما كان يُمكن درء رد فعل الطاقم هذا. وفي سبيل تلك الغاية، راجع الباحثون أجزاءً من المحادثات التي جرت على متن المحطة الفضائية على مدار الأعوام الكثيرة التي استقبلت بها رواد فضاء، وطبقوا عليها تحليلًا نصيًا ومتشابكًا، في محاولة لفهم طبيعة العلاقات بين الأشخاص.

ووجد الباحثون أن سبب إضراب رواد الفضاء هو أن العلاقة بين الثلاثة بلغت إلى درجة أضرت بتلك التي تجمعهم مع الطاقم على الأرض. حيث بدأوا بالإكثار من استخدام الكلمات السلبية لوصف مهامهم اليومية في المحطة. وتذمروا لبعضهم البعض بشكل حاد عن الأعمال التي يجب أن ينجزوها، لكنهم لم يشاركوا أفكارهم هذه مع فريق الأرض، وكانت إشارات المشاكل واضحة جدا في تحليل د. كونتراكتور إلى درجة أن فريقه البحثي استنبط أن جميع المؤشرات قبل عدّة أسابيع من الإضراب، تُشير إلى حتمية حدوثه.

ولذا تُنصح القيادة على كوكب الأرض، بامتلاك نسخ كاملة لتفاصيل المحادثات التي تدور بين أعضاء طاقم رحلة مستقبلية إلى المريخ، وكيفية تجاوبهم مع بعضهم البعض ومدى سرعة هذا التجاوب، وحول المشاعر التي عبرت عنها هذه الأحاديث، ويقوم د. كونتراكتور المقاول وزملاؤه بابتكار خوارزميات يمكن أن تبحث هذه البيانات وأن تتنبّأ بوقوع المشاكل بين أفراد الطاقم، أو بين الطاقم والأرض. 

وتوقع المشاكل هو مجرد البداية، لأن فرق المراقبة الأرضية التي تراقب الرحلة قد تُساعد في حل صراعات داخل طاقم رواد الفضاء عندما تكون المهمة على مقربة من كوكب الأرض، لكن في مهمة إلى المريخ، سيحتاج رواد الفضاء إلى العمل بشكل مستقل، حيث أن التواصل سيستغرق أوقاتًا أطول بكثير. ولهذا، يعمل مهندسو ناسا على تطوير برنامج محوسب لتحليل البيانات حول تصرفات أفراد الطاقم وتقديم خدمة استشارة رقمية إلى حد ما، لمساعدتهم على إيجاد الطرق لتلطيف أي مشكلة. 

وقال المختص بالعوامل الإنسانية، توماس ويليامز، إن "السلامة النفسية في أي مهمة ليست بانعدام الخصام، بل بطريقة التعامل معه". 

ويأمل الباحثون أن يُسخر الفهم المفصل لديناميكية الفرق، باستخدامات أبعد من المهمات الفضائية المطولة. ويحاول علماء السلوك بالفعل تطبيق "تحليلات الأشخاص" على فهم المشاعر داخل الشركات. وقد يتمكنون، ربما، من استبدال دراسات الأداء، ورصد الشمولية والتنوع، وتحديد الإمكانات العالية وتجميع فرق "الأحلام" لمهام معينة.

لن يكون بناء الطاقم المثالي لرحلة طويلة إلى المريخ، بالأمر السهل، بحسب ما يرى د. كونتراكتور، ويجب تعلم الكثير قبل رحلة مماثلة، لكن إن تمكن البشر في يوم من الأيام من السّفر إلى أجزاء أخرى من المجموعة الشمسية، فإن الإحاطة بتصرفات هؤلاء الذين سوف يقودون تلك المركبات، من شأنه أن يزيد احتمال نجاح هذه المغامرات.