فصولٌ من حرب السيسي على مسلسلات رمضان

فصولٌ من حرب السيسي على مسلسلات رمضان
أسرة مصرية تلتف حول مسلسل محليّ (رويترز)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨" بتصرّف:


ضمن مسعى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، إلى ممارسة سلطته المطلقة، قام بكبت المجال السياسي، وأجبر وسائل الإعلام على الإذعان له وسجن عددًا كبيرًا من معارضيه؛ أمّا الآن فامتدت قبضته الحديدية للسيطرة على مجال آخر ذي أهمية للشعب المصري، وهو المسلسلات التلفزيونية الروائيّة المحبوبة جدًا في مصر.

يتجمع المصريون كل عام في شهر رمضان المبارك حول شاشات التلفاز ليلتهموا بعيونهم مسلسلات صغيرة أُنتجت بميزانيات ضخمة، ويشارك فيها أفضل ممثلي مصر. وتشمل هذه المسلسلات ميلودراميات حزينة وأخرى بوليسية وتاريخية ملحمية، ويُصدّر أفضلها إلى دول عربية أخرى.

لكن الأعمال التي يتم إنتاجها حاليا، بهدف عرضها في رمضان المُقبل، تخضع لضوابط خانقة، ويقول المخرجون والممثلون إن مسؤولي نظام السيسي يملون عليهم نصوصا ويقتصون من أجورهم، بالإضافة إلى تولّي شركة إنتاج مرتبطة بالجيش المصريّ إنتاج بعض أضخم المسلسلات.

وأُمر صنّاع الأفلام والمسلسلات بضرورة تبني مؤلفاتهم للثيمات المُصادق عليها، مثل تبجيل الجيش والشرطة أو التشهير بحركة الإخوان المسلمين المحظورة، على أن يُحرم غير الملتزمين بهذه القواعد من بثّ أعمالهم.

من كواليس تصوير أحد المسلسلات (أ ف ب)
من كواليس تصوير أحد المسلسلات (أ ف ب)

ويرى الكاتب والدبلوماسي السابق الذي تبنت مسلسلات تلفزيونية بعض رواياته، عز الدين شكري فشير، أنه "بالنسبة للسيسي، لا يتعلق الأمر بالسياسة أو بسط سلطته فقط، إنه يريد إعادة تثقيف الجماهير المصرية".

وتُعتبر الحملة على المسلسلات الروائية الضربة الثقافية الأقصى لهذا النوع من الاستبداد المتسلط وبعيد المدى، الذي ترسّخ في عهد السيسي، مع بلوغه مستويات غير مسبوقة حتى في دولة حكمها قادة مدعومون من الجيش على مدار عقود طويلة.

وكان حسني مبارك، الذي حكم لمدة 30 عامًا حتى خلعه الشعب في الربيع العربي عام 2011، يترأس نظاما قمعيا وقاسيا في أحيان كثيرة، لكنه أتاح مساحة ما لمراكز قوى أخرى، مثل حزبه السياسي والقضاء العالي، ما تسبب بخطوات مفاجئة، فبين الحين والآخر، كان القضاة يصدرون أحكاما "تزعجه"، وتمكنت الصحف من انتقاده إلى حد ما، وفي عام 2005، فازت جماعة الإخوان المسلمين المعارضة بخُمس مقاعد البرلمان.

إلا أن هذه المساحة، برغم محدوديتها، أُغلقت فعليا في ظل حكم السيسي، الذي تولى السلطة في انقلاب عسكري عام 2013. وهو يحكم من خلال زمرة صغيرة من المستشارين العسكريين ورجال أمن وأفراد من عائلته، والتي تتمتع بنفوذ اقتصادي ضخم، وترى العالم من خلال منظور أمني ضيق، وتسعى للقضاء على كل نَفَسٍ معارض. وبات المصريون عرضة للاعتقال لمجرد نشر منشورات سياسية "غير مرغوبة" على "فيسبوك". 

وقال الباحث في مركز "كارنيغي للشرق الأوسط" للأبحاث، يزيد صايغ "بصراحة، كنت سأشعر بأمان أكبر للتحدث في مواضيع سياسية في دمشق، أكثر مما قد أشعره في القاهرة. إن الاستبداد السيساوي يحاول السيطرة على الفضاء العام بشكل كامل بحيث لا يجرؤ أحد على قول أي شيء قد يعتبره الأشخاص في السلطة معارضة، حتى لو تحدث بانفراد".

وأضاف أنّ "هذا الخوف هو ما تحاول جميع الأنظمة الشمولية أن تغرسه: حتى عندما لا يستطيع النظام التجسس عليك، فيمكنه أن يسمعك".

ولم يُواجه نهج السيسي القمعي بشكل جدي في أروقة البيت الأبيض، الذي يعتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لقاء السيسي فيه، الأسبوع المقبل، وبخلاف النهج "المتواضع" الذي اتخذته واشنطن تجاه تجاوزات حكام مصر، في الماضي، فإن ترامب أغدق بالثناء على السيسي في لقاءات سابقة بينهما، وصل إلى حد مدح ذوق الأخير في الأحذية، دون أن يقُل شيئا عن آلة القمع الشديدة في مصر.

تجدر الإشارة إلى أن واشنطن لم تعيّن سفيرًا لها في مصر منذ العام تولّي ترامب الرئاسة في العام 2017.

دائرة الحكم

وتُسيطر على دائرة حكم السيسي مجموعةٌ من العسكريين يثق بهم، وأوكلت مهمة الإشراف على المشاريع الطموحة التي تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات، إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وتشمل هذه المشاريع تفريعة قناة السويس التي اكتمل حفرها عام 2015، والعاصمة الإدارية الجديدة التي لا زالت قيد الإنشاء في الصحراء.

وتعمل المحاكم العسكرية تحت رقابة شبه معدومة، وتُحاكم ممثلين وخصومًا سياسيين، تمامًا كما تفعل مع المشتبهين بتهم "إرهابية"، وتتلاعب وكالات الاستخبارات بالعمل البرلماني، وتُناقش في البرلمان حاليا تعديلات دستورية جذرية سوف تسمح للسيسي البقاء في منصبه لعام 2034، ويُمكن أن تُخْضَع سلطة القضاء العليا لسيطرة السيسي، التي بلغت درجةً من القوّة لم تكن لمبارك.

وتحولت البرامج الحوارية التلفزيونيّة، التي كانت منذ مدّة قصيرة مكانا لجدل صاخب، إلى برامج موالية للنظام تعرض مواضيع متوقعة لدرجة تسببت بابتعاد الكثير من المصريين عن مشاهدتها. وأصبح يُنظر إلى وزارة الخارجية، التي كانت ذات يوم معقلا لتقاليد مصر الدبلوماسية، على أنها ضعيفة جدا. 

وقالت الباحثة في مؤسسة "مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط" في واشنطن، آمي هاوثرون، إن "السيسي ليس كيم جونغ أون أو صدام حسين، لكنه يدفع بمصر إلى الخضوع لنظام مشابه". 

وتمتد يد وكالات الأمن، أيضًا، إلى عمق الاقتصاد، وغالبًا ما تشوش الخط الفاصل بين الأمن القومي والتجارة، فمثلا، واجهت شركة النقل الرقمي "أوبر" مع توسع نطاق عملها في مصر، مطالب بتسليم البيانات الشخصية الخاصة بزبائنها للجهات الحكومية. وفي شباط/ فبراير الماضي، بدأ تطبيق الشركة بالانهيار في مصر مع تصاعد مطالب الأجهزة الأمنية بتسليم هذه المعلومات.

لكن أكثر ما يميّز السيسي، هو ملاحقته للثقافة والفنون. ففي الشهر الماضي مثلا، قال الكاتب المصري علا الأسواني، إن محكمة عسكرية سرية حاكمته بتهمة "التحريض على كراهية النظام"، وما يُثير في هذه المحاكمة هو أن الأسواني كان من أشد مؤيدي السيسي في ما مضى.

وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، قال الممثل عمر واكد، في تغريدة على موقع "تويتر"، إن السلطات حكمت عليه بالسجن لثمانية سنوات لانتقاده السيسي. وخلال الأسبوع الماضي، قامت نقابة الممثلين في مصر بإلغاء عضوية واكد الذي يعيش في أوروبا، وعضوية ممثل آخر، وهو خالد أبو النجا، بتهمة "الخيانة العظمى" بعد أن شاركا في جلسة استماع في الكونغرس الأميركي، ناقشت خطة السيسي لتغيير الدستور.

المسلسلات

بدأ السيسي ببسط سيطرته على المسلسلات الروائية عام 2017، بعد أن ألقى خطابا أثنى فيه على "المبادئ الإيجابية" التي روجتها البرامج التي أنتجتها الدولة في السابق، منتقدا الإنتاجات الجديدة. وكثّف مسؤولو النظام، منذ ذلك الحين، ضغطهم على المخرجين والمنتجين من خلال الرقابة أو ممارسة الضغوطات بشكل هادئ بهدف تعديل مؤلفاتهم بما يرضي السلطات.

لكن هذا التدخل خلق أزمة إنتاجية للموسم الرمضاني المُقبل على عدّة أصعدة. فمع اقتراب الشهر الفضيل، قال أحد المخرجين إن عدد المسلسلات انخفض إلى النصف تقريبا، أي ما بين 12 و 15 مسلسلا.

عمرو واكد يتعرّض لملاحقة سياسية كبيرة (أ ب)
عمرو واكد يتعرّض لملاحقة سياسية كبيرة (أ ب)

وأنشأت مجموعة "إعلام المصريين" المرتبطة بجهاز "الاستخبارات العامة"، شركة سيطرت على الإنتاج التلفزيوني واشترت العديد من أضخم القنوات، بحسب "مدى مصر"، وهي إحدى وسائل الإعلام المستقلة القليلة التي بقيت في مصر.

وذكر أحد كبار المخرجين الذي يعملون لدى الشركة، شريطة عدم الكشف عن هويته، أن كتّاب السيناريو قد أُمروا، الشتاء الماضي، باتباع بعض الإرشادات: تمجيد الجيش، ومهاجمة جماعة الإخوان المسلمين، وتشجيع القيم العائلية المحافظة التي تشجع الشباب المصري على إطاعة الكبير، ويفترض بهم أن يتجنبوا، أيضًا، التطرق إلى الأسباب التي أدت إلى الربيع العربي عام 2011.

واعتبر عز الدين فشير، الذي يعيش في الولايات المتحدة حاليًا، أن هذا التوجيه الواضح للمسلسلات، بمثابة علامة أخرى للاختلاف الكبير بين السيسي ومبارك، ففي حين أن الأخير بدا، في أحيان كثيرة، مكتفيا بإدارة الاختلال الوظيفي في مصر، فإن السيسي يبدو مصممًا على إعادة تشكيل النسيج الأخلاقي والفكري في البلاد، فقد ألقى محاضرات للمواطنين حول أخلاقهم ولياقتهم البدنية، والآن يريد أن يطهّر كل التيارات الفكرية التي يعتبرها "خطيرة".

ويزعم المدافعون عن السيسي أن مصر تحتاج إلى قائد قوي لحماية البلاد من الفوضى التي اجتاحت ليبيا وسورية واليمن منذ "الربيع العربي"، ولسن إصلاحات اقتصادية طال انتظارها لكنها لم تحظَ بشعبية، مثل التخفيضات الأخيرة لدعم الوقود والكهرباء.

ومع ذلك، فإن الكثير من المصريين أُرهقوا من التقشف والقمع. وفي اليوم الذي تلا حادث القطار في محطة القاهرة الرئيسية في شباط/ فبراير الماضي، والذي أسفر عن مقتل 22 شخصًا على الأقل، وقف رجل يدعى أحمد محيي في منتصف ميدان التحرير، رمز احتجاجات عام 2011، حاملا لافتة كُتب عليها "ارحل يا سيسي".

وغضب محيي، وهو صيدلاني بعمر 34 عاما، من حادث القطار الذي اعتبره علامة على سوء إدارة الخدمات الأساسية في البلاد، وكان يأمل في جذب المزيد من المحتجين عندما ذهب إلى الميدان، لكنه اعتُقل في غضون دقائق وزج به في عربة تابعة للشرطة مع صديق قام بتصوير احتجاجه الفردي.

وسجل محيي أثناء وجوده في عربة الشرطة، رسالة حماسية وحزينة نشرها على صفحته في موقع "فيسبوك" وجهها للشعب المصري، وقال إنه سوف يتعرض على الأرجح للتعذيب لتعبيره عن رأيه، لكنه أصر على أن خطوته تستحق هذا العناء.

وذكر محيي، الذي تمتلئ صفحته على "فيسبوك" بقصائد شعرية من تأليفه، "ربما سيحقننونا أو وربما سيقتلوننا، أو ربما يحرقوننا، لكننا سنواجه مصيرنا كرجال".

ومع وجود عشرات الآلاف من المعارضين بالسجن، أصبحت مناهضة النظام العامة نادرة الحصول، وتواجه سلطة السيسي بعض التحديات الواضحة في الوقت الحالي. 

ويعتبر السيسي أن قوته مُستمدة من العناية الإلهية، ففي مقابلة أجراها عام 2013، أخبر أحد الصحافيين أن صوتًا جاء إليه في المنام وقال له "سنعطيك ما لم يحصل عليه أحد من قبل".

لكن بعض المحللين يحذرون من أن السيسي ربما يزرع بذور سقوطه الحتمي من خلال سعيه لممارسة هذه السيطرة الشديدة على الدولة والمجتمع المصري.

ويعتقد صايغ أن رئاسة هذا النظام الثقيل، الذي أدى إلى عزل الكثير من قطاعات المجتمع، قد يترك السيسي ضعيفًا في اليوم الذي يواجه فيه نظامه صدمة حتمية غير متوقعة.

وأضاف صايغ "لقد حشر السيسي والجيش أنفسهم في زاوية من خلال تحطيم أي جهة يُمكنهم التفاوض معها. وعندما يأتي اليوم الذي يحتاجون فيه إلى الآخرين في الحكومة أو الأعمال، قد لا يكون لديهم أحد لدعمهم".

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019