حرية إسطنبول... تضيق بالأتراك وتتسع للعرب

حرية إسطنبول... تضيق بالأتراك وتتسع للعرب
(استوديوهات تلفزيون سوريا)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨" بتصرّف، لمدير مكتب صحيفة "نيويورك تايمر" في بيروت، بن هوبارد:


يردد المنتج العد التنازلي "ثلاثة، اثنان، واحد" المصحوب بتضخم الموسيقى، ومن ثم يبدأ بث حلقة جديدة من البرنامج الإخباري "سوريا اليوم"، الذي يذيع نشرات مؤيدة للمعارضة السورية، لشعب انتشر في جميع أنحاء العالم بفعل الحرب "الأهلية".

وتُبث مشاهد مشابهة في أنحاء إسطنبول يوميا، حيث يقوم معارضون من مصر واليمن ودول أخرى في العالم العربي، بمهاجمة الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط، محتمين بالأمان النسبي لعاصمة تركيا الإعلامية.

ومع سحق الطغاة والمستبدين لثورات "الربيع العربي" أو تحويلها إلى حروب أهلية وحشية، برزت إسطنبول عاصمةً لكثير من السياسيين والناشطين والمتمردين والصحافيين العرب، الذين تعثرت محاولاتهم في دفع عجلة تاريخ بلدانهم في اتجاه مختلف.

ويشق هؤلاء في إسطنبول، طريقهم إلى حياة جديدة، بينما يواصلون معركتهم ضد أنظمة بلدانهم من بعيد، متجنبين السجن أو ما هو أسوأ في أوطانهم.

ويأتي المنفيون إلى المدينة، من جميع أنحاء العالم العربي، من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ومقاتلين ضد النظامين القمعيين في سورية وليبيا، وناشطين سياسيين من العراق واليمن، والمعارضين من السعودية والأردن، وحتى أعضاء سابقين في البرلمان الكويتي. والذين انتهى بهم الأمر إلى الوصول إلى إسطنبول لأسباب عديدة.

وقال مؤسس قناة "الحوار"، عزام التميمي، وهي منصة إعلامية قديمة للمعارضين العرب: "لا يوجد مكان آخر نذهب إليه". وعلى الرغم من أن القناة تتخذ من لندن مقرًا لها، إلا أنها افتتحت مؤخرًا استوديوهات في إسطنبول، نظرا لسهولة استقبال الضيوف في برامجها الحوارية، في تركيا، حيث أشار التميمي إلى أن "جميعهم يستطيعون الوصول إلى هنا".

توفر إسطنبول مزيجًا جذابًا بالنسبة للمعارضين العرب، فهي مدينة ذات أغلبية مسلمة قريبة من أوطانهم، مزودة ببنية تحتية متطورة للاتصالات، وأجواء متسامحة نسبيا. إضافة إلى أن تركيا أكثر انفتاحا على استقبال اللاجئين العرب مقارنة بالولايات المتحدة أو أوروبا.

وتعتبر حكومة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أن الترحيب بالمنفيين العرب هو بمثابة استمرار للدعم الذي قدّمته لهذه الثورات. كما أن سماح الحكومة التركية للمعارضين البارزين، مواصلة معارضتهم من إسطنبول، يُعزز من شعبية إردوغان لدى العرب، مما يعزز نفوذه في جميع أنحاء العالم العربي، علما بأن ذلك قد يكون مصدر إزعاج لقادة الدول المجاورة.

وقال أحد أعضاء حزب "العدالة والتنمية" (الحاكم) البارزين، ياسين أكتاي، إنهم يواجهون الانتقادات من بعض الدول حول استقبال حكومتهن للمعارضين، بالتوضيح لهم أن "هناك أشياء كثيرة نحتاج إلى بثها للعالم، لأنها تشكل انتهاكات لحقوق الإنسان".

وتكمن المفارقة المريرة في الانفتاح التركي تجاه المعارضين العرب الذين يحتجون على انتهاكات حقوق الإنسان في أوطانهم، في أن المعارضة الداخلية ووسائل الإعلام في البلاد، لا تحظى بالانفتاح ذاته. فمنذ محاولة الانقلاب الفاشلة ضد إردوغان صيف العام 2016، زُج بآلاف الأكاديميين والمحامين والصحافيين والمعارضين السياسيين في السجون التركية، وكشفت منظمة "العفو الدولية" أن السلطات أغلقت أكثر من 180 وسيلة إعلام محلية.

وذلك يعني، أن المنفيين العرب لا يتمتعون بحرية تعبير أكبر مما تمتعوا بها في بلادهم فحسب، بل لديهم في أحيان كثيرة، مساحة حرية أكبر بكثير من نظرائهم الأتراك في بلادهم.

وقال عضو البرلمان المصري السابق، أيمن نور، الذي سُجن في مصر وغادرها بعد أن سيطر الرئيس عبد الفتاح السيسي على السلطة بانقلاب عسكري: "لدي مهمة في إسطنبول، والأتراك لا يتدخلون في عملنا السياسي أو الإعلامي"؛ مضيفا "لم يتخل أحد منا عن فكرة العودة إلى الوطن، لسنا مهاجرين، نحن منفيين".

وبعد مغادرة نور لمصر عام 2013، ذهب مباشرة إلى لبنان لكنه اعتبرها غير آمنة، ما دفعه للانتقال إلى إسطنبول.

لكن مكانة المدينة كملاذ آمن، تلوثت بشكل جدّي العام الماضي، بعد اغتيال المعارض السعودي جمال خاشقجي على أيدي عملاء سعوديين في قنصلية بلاده فيها. حيث بثت عملية الاغتيال، خوفا في المجتمعات العربية المنفية في المدينة، خصوصًا لأولئك الذين اعتبروا أن خاشقجي زميل لهم، وباتوا يتوجسون من مصير مشابه.

ويرى نور، متحدثا من مكتبه الواسع حيث يشرف على قناتين تلفزيونيتين تنتقدان الحكومة المصرية، أن الغضب الدولي تجاه قتل خاشقجي، منح المنفيين في إسطنبول حماية إضافية، لأن الحكومات العربية الأخرى ستفكر مليا قبل المخاطرة بالتعرض إلى نكسة عالمية مشابه للتي يعاني منها النظام السعودي في أعقاب الاغتيال.

أيمن نور من مكتبه في إسطنبول

ويضم مكتب نور، مقر مؤسسة "المجلس العربي للدفاع عن الثورات والديمقراطية"، والتي قال إنها أُسست للحفاظ على ما يعتبره أعضاؤها "الروح الحقيقية للربيع العربي".

 ومن بين أعضائها الآخرين، الفائزة بجائزة نوبل عام 2011 لدورها في الثورة اليمنية، توكل كرمان، وهي مسؤولة عن قناة "بلقيس" اليمنية في إسطنبول، والتي كان الحوثيون قد اقتحموا مكتبها الرئيسي في صنعاء عام 2014، عند سيطرتهم على العاصمة.

وقالت كرمان في سياق شرحها عن جهودها الإعلامية، إن "أهم ما يُمكن فعله هو الحفاظ على الربيع العربي حيا، ومواصلة النضال من أجل الحرية والديمقراطية".

وفي حين يمكن للمصريين والسوريين واليمنيين في إسطنبول أن يهاجموا حكوماتهم دون قيود، لا يحظى المعارضون العرب بحرية التعبير ذاتها، إذ غالبا ما تنعكس علاقات تركيا الخارجية، على فروقات المعاملة بين المنابر الإعلامية العربية المختلفة.

وعلى سبيل المثال، فقد أفاد منفي سعودي في إسطنبول، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحماية أفراد أسرته الممنوعين من مغادرة السعودية، بأنه يُطلب من معارضي النظام السعودي، التزام الصمت إزاء حكومة بلادهم، حرصًا من الحكومة المحلية على عدم تضرر علاقاتها بالرياض.

كرمان في مظاهرة تضامن مع خاشقجي (أ ب)

وعندما أرادت تركيا أن تضغط على السعودية في موضوع اغتيال خاشقجي، فإنها فَعّلت آلية الإعلام، عبر تسريب معلومات لوسائل الإعلام، وليس عبر السماح للمعارضين السعوديين بانتقاد نظامهم.

وبينما تُعد الحريات النسبية في تركيا، عامل الجذب الرئيسي للمنفيين العرب، فإن أوجه التشابه بين الثقافة التركية والعربية هي عامل إضافي لجذبهم.

وقد أدى تدفق 3.6 مليون لاجئ فروا من الحرب في سورية إلى تضخيم طابع إسطنبول العربي، وبات من الشائع سماع اللغة العربية في معظم شوارع وأحياء المدينة، وانتشرت المطاعم والمخابز والنوادي والمساجد العربية. ويعتقد التميمي بأن هذه الظاهرة، دفعت المنفيين العرب إلى الشعور بأنهم "في أوطانهم".

وليس كل منفي في إسطنبول يرغب بمواصلة النضال من أجل بلاده، فبعضهم يعملون على بناء حياة جديدة عبر تجاوز جزء من ماضيهم.

قبل بضعة أعوام، كان مجدي نعمة، المتحدث باسم "جيش الإسلام"، وهو فصيل مسلح قوي قاتل قوات النظام السوري، وكان يستخدم الاسم الحركي "إسلام علوش"، ويرتدي ملابس مموهة ليلقي تصريحات شديدة اللهجة حول أنشطة التنظيم. لكنه استقال عندما قُتل زعيم التنظيم في غارة جوية عام 2015 واستقر في إسطنبول، حيث يكمل دراسات الماجستير في العلوم السياسية في جامعة تركية.

مجدي نعمة (نيويورك تايمز)

ورغم أن نعمة (31 عاما)، أمضى ستة أشهر في أوروبا، إلا أنه اختار العيش في تركيا بسبب البرد الشديد في الأولى، وصعوبة الحصول على إقامة، وخشية من أن يأكل منتوجات مصنوعة من لحم الخنزير عن دون قصد، أما في إسطنبول، فلحم الخنزير نادر الوجود، كما أن الجوامع موجودة في كثرة، ولا تهتم أجهزة الاستخبارات التركية إزاء تربيته للحية طويلة.

وقال نعمة: "إنهم (الأتراك) لا يتبعونك، ولا يزعجونك، ومن الواضح أنهم يدعمون الثورة (السورية)". واليوم، يدرس نعمة اللغة التركية ويفكر في مواصلة دراسته للحصول على دكتوراه، لأنه لم يعد لديه أمل حقيقي في أن يسمح له المسار الحالي للحرب، بالعودة إلى سورية قريبًا. وقال: "إذا لم تضع الثورة بالفعل، فسوف تضيع، لذلك يجب أن يكون هناك شيء آخر (بديل)".