حكاية ثلاثة شبّان في وجه عصابة

حكاية ثلاثة شبّان في وجه عصابة
شبّان الحيّ (المصور: Tyler Hicks)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨" بتصرّف:


ثلاث رصاصات اخترقت الحائط، وتلتها ثلاثة شقوق أخرى بتعاقب سريع. أُفرغ الشارع، واختبأ رجلان عجوزان خلف سياج مُموج، حانيين ظهريهما. وانحرفت سيارة أجرة عن مسلكها داخلة شارع جانبي. ودفعت أمٌ برضيعها حافي القدمين إلى المنزل.

ووقف مُطلق النار المنتمي لعصابة "إم إس 13" بهدوء عند ناصية الشارع في وضح النهار في مدينة سان بيدرو سولا الهندوراسية، مرتديا قميصًا بلا أكمام وقبعةً سوداء. وحده كان يقف وسط الشارع التجاري، معلّقًا بندقيته على خصره أثناء مشاهدته للحي المُرتعد.

واندفع براين ورينالدو وفرانكلين إلى الساحة الترابية المحاذية لمنزل أحد الجيران. وتبادلوا بهمسات طغى عليها الرعب، ملاحظات حول إطلاق النار الثالث في أقل من أسبوع. فقبل بضعة أيام فقط، أُصيب طفل في هجوم مماثل، وتساءل براين، ابن الـ19 عامًا، عما يُمكن للشبان الذين لا يزالون يسكنون الحي، أن يفعلوه انتقاما من هذا الاستهداف، على افتراض أن ذلك ممكن.

كان أفراد عصابة "مارا سالفاتروشا"، المعروفة باسم "إم إس 13"، يأتون لترهيبهم كل يوم تقريبا. داهموا المنازل ونشروا الجواسيس واستهزأوا بشبان الحي بالتصفير عند الغسق، ليذكرّوهم دائما بأن العدو كان قاب قوسين أو أدنى، وهو قادر على انتزاع أرواحهم متى شاء.

(نيويورك تايمز)

لم يكن هناك مهرب من ذلك، فقد كان الحي، وهو عبارة عن طُرق غير معبدة لا يبلغ حجمها مُجتمعة سوى ما يعادل بضعة ملاعب كرة قدم، مُحاصرًا بالكامل.

واستوطن شرقيّ الحي، حيث مطعم الوجبات السريعة الصينية الذي اعتاد الأصدقاء الثلاثة تناول الرز المقلي فيه، أفراد عصابة "إم إس 13" الذين خططوا للاستيلاء على المنطقة. أما في الجنوب، حيث الكنيسة، كانت عصابة "الشارع الـ18"، تُخطط لمثل ذلك. ولم يكن الغرب أو الشمال أفضل حالا، فقد سيطرت عليهما عصابات أخرى، كذلك.

في الواقع، لا شيء يميّز الذي نشأ فيه براين وأصدقاؤه عن الأحياء التي كانت خاضعة لسيطرة العصابات، بل تشبه جميع الأحياء هذه بعضها البعض بتفاصيل كثيرة: منازلها الخرسانية القديمة؛ وعربات اليد التي تقدم الدجاج المقلي والتورتيا؛ ومشهد العمال الواقفين في الزوايا المزدحمة، في انتظار الحافلات لتقلّهم إلى العمل عند شروق الشمس.

لكن، بالنسبة لفرانكلين الذي تعيش عائلته في هذا الحي منذ أجيال، وينتظر موعد ولادة ابنه، كان الحي يعني كل شيء. وشاركه صديقاه رينالدو وبراين الشعور ذاته.

لذا، كان عليهم أنا يختاروا بين السيّئ والأسوأ، إما البقاء والقتال، وإمّا التخلي عن منازلهم والتوجه لمكان آخر، ربّما يكون الولايات المتحدة، أو الاستسلام للعصابات الغازية آملين عفو إحداها.

كان الأعضاء الثلاثة في عصابة "الشارع الـ18"، لكنهم سأموا قتل وابتزاز وسرقة جيرانهم الذين عرفوهم طوال حياتهم. وطلبًا للخلاص، طردوا العصابة من الحي، متعهدين بعدم السماح لعصابة أخرى بالدخول إليه.

"الحدود تحيط بنا كحبل المشنقة"

والآن، يحاول رفاقهم السابقون في "الشارع الـ18" اصطيادهم، كما تريد عصابة "إم إس 13"، أيضًا، رغبةً بالسيطرة على منطقتهم.

وهكذا قرر الشبان الثلاثة حماية أنفسهم وتحوّلوا، مرّة أخرى، إلى أكثر شيء يكرهونه: عصابة.

وقال براين، وهو مُجتمعٌ برفاقه في مجموعة "كازابلانكا" في الساحة "الحدود تحيط بنا كحبل المشنقة، لا نريد العصابات هنا، ولهذا نحن نعيش في صراع مستمر".

(نيويورك تايمز)

وقال رينالدو، ابن الـ22 عامًا، الذي وقف يراقب الشارع بحثًا عن أي حركة مريبة: "يسألني كثيرون عن سبب دفاعنا عن هذه المساحة الصغيرة، وأقول لهم إنّني لا أدافع عن المنطقة، بل عن حياتي".

تابعت صحيفة "نيو يورك تايمز" الشبان الثلاثة منذ العام الماضي وحتى بدايات العام الحالي، في هذا الحي الصغير في مدينة سان بيدرو سولا، إحدى أكثر المدن دموية في العالم، وشاهدت عن كثب محاولات "كازابلانكا" الدؤوبة لإبقاء العصابات خارج حيّها.

شكلت عمليات إطلاق النار والغارات المسلحة واستجداءات اللحظات الأخيرة لوقف إراقة الدماء، المواضيع الرئيسية لقصصهم. فقد أرادت "إم إس 13" السيطرة على الحي لبيع المخدرات. فيما كان مبتغى العصابات الأخرى الابتزاز والسرقة. لكن أعضاء "كازابلانكا" تعهدوا ألا يدعوا حيهم يقع فريسة لذلك مرة أخرى. وكانوا على استعداد للموت من أجل هدفهم إذا ما اضطروا لذلك.

لم يحاول أحد تقريبا، إيقاف الحرب التي كانت على وشك الاندلاع، فلم تفعل الشرطة شيئا، ولا الحكومة، ولا حتى الشبان الثلاثة بأنفسهم. أما الشخص الوحيد الذي عمل على منعها كان قسًا لم يدر كنيسة خاصة به، تردد حول الحي في سيارته الصفراء المُحطمة، مخاطرا بحياته لتهدئة الأطراف المتحاربة.

وقال القس دانييل باتشيكو، مهرولا إلى الحي بعد إطلاق النار، موجها حديثه لأعضاء كازابلانكا "لست بصف أي عصابة. إنني بصف الحياة".

يجسد النضالُ من أجل حماية الحي العنفَ الذي لا مفر منه والذي يحاصر ويطرد ملايين الناس في جميع أنحاء أميركا اللاتينية.

منذ مطلع القرن الحالي، قُتل أكثر من 2.5 مليون شخص، جرّاء أزمة جرائم القتل المتفشية في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وفقا لمعهد "إغرابي"، وهو عبارة عن مجموعة بحثية ترصد العنف في أنحاء العالم.

يعيش في هذه المنطقة المضطربة بالعنف، ثمانية بالمئة فقط من سكان العالم، لكنها تحظى بنسبة 38 بالمئة من جرائم القتل في العالم. وتحتوي على 17 دولة دموية من أصل 20 دولة على سطح الأرض.

وفي سبعة دول فقط، هي البرازيل وكولومبيا وهندوراس والسلفادور، وجواتيمالا، والمكسيك، وفنزويلا، أدى العنف إلى مقتل عدد أكبر من الناس الذين قُتلوا في حروب أفغانستان والعراق وسورية واليمن مجتمعة.

لقد أصبح العنف أكثر إثارة للانتباه لأن الحروب الأهلية والديكتاتوريات العسكرية التي استولت على أميركا اللاتينية في الماضي، انتهت جميعها تقريبًا منذ عقود. وخطت معظم دول المنطقة طريقها إلى الديمقراطية، وبنجاح كبير في أحيان كثيرة. ومع ذلك، استمر القتل بمعدلات مذهلة.

ويأتي القتل في أشكال عديدة: القتل الذي ترعاه الدولة على يد أجهزة أمنية مفرطة الحماسة؛ قتل النساء في النزاعات العائلية نتيجة لانتشار انعدام المساواة بين الجنسين؛ والتجارة المستمرة للمخدرات والأسلحة مع الولايات المتحدة.

ويسود جميع جرائم القتل، تقريبا، مناخ الإفلات من العقوبة بسهولة، والذي بلغ في بعض الدول، حدَّ عدم فك رموز أكثر من 95 بالمئة من قضايا جرائم القتل. والدولة هي بمثابة الكفيل للظاهرة، فالحكومات المُخترقة بالفساد، إمّا أنها غير قادرة وإمّا أنها غير راغبة في تطبيق سلطة القانون، ما يتيح لشبكات الإجرام التحكم بحياة الملايين من البشر.

وتمثل الولايات المتحدة بالنسبة للجماهير الفارّة من العنف والفقر في أميركا الوسطى، والمتدفقة إليها، السبب والحل على حد سواء، حيث أنها مُبتكرة عدد لا يحصى من المشاكل بالإضافة إلى كونها فرصة للهروب منها.

(نيويورك تايمز)

مدفوعًا باستيائه من تدفق المهاجرين المتجهين إلى الشمال، تعهد الرئيس الأميركي ترامب، بقطع المساعدات عن أكثر دول أميركا الوسطى عنفًا، مهددا بمنع تدفق مئات الملايين من الدولارات الهادفة لمعالجة جذور الهجرة الجماعية.

لكن مَن تبقى على قيد الحياة في "كازابلانكا"، التي بلغ تعداد أفرادها عشرات الشبان في السابق، لا يريدون الفرار، مثلهم كمثل عشرات الآلاف من أبناء وطنهم. فالمكان محور حياتهم، وموطن عائلاتهم، وجيرانهم ومعارفهم، ويرغبون في الحفاظ على أعمالهم التي تضع لقمة الخبز في بطون أطفالهم، وحماية أحبائهم.

وقال رينالدو إن هناك "طريقة واحد فقط لإنهاء هذا الأمر. إما أن يقتلونا أو أن نقتلهم".

"في المرة القادمة سوف يقتلونني"

دخل الرجال إلى منزل فاني دون أن ينطقوا بكلمة واحدة، مارّين عبر الستارة الرقيقة المعلقة فوق الباب الأمامي، حاملين بنادق الـ"كلاشينكوف" على أكتافهم.

وأطلقت فاني صرخاتٍ غاضبةً عندما شاهدت مسلحي "إم إس 13"، ينتشرون في منزلها حاملين بنادقهم، فبعد إطلاق النار في اليوم السابق، اكتشفت العصابة أن براين ورينالدو وفرانكلين يعتبرون منزلها، أحد الملاذات الآمنة الوحيدة المتبقية لهم.

كان الظلام حالكًا، بينما كانت فاني تجلس لوحدها في المنزل، وبعد أن انتهى أفراد العصابة من بحثهم الأخيرة عن شبان "كازابلانكا"، غادروا فجأة، تمامًا كما دخلوا.

صمتهم المرعب، كان أوضح ما في الرسالة، ومفادها أنه بات بإمكانهم دخول المنزل متى شاءوا ذلك.

كانت فاني أمًّا عزباء لثلاثة أطفال، وأمًّا بديلة لأعضاء "كازابلانكا"، فقد عرفتهم منذ نعومة أظفارهم؛ ودافعوا عن ابنها من المتنمّرين في المدرسة الابتدائية. وعندما كبروا، أصبح منزلها ملاذا لهم، ومكانا للهروب من منازلهم المحطمة.

(نيويورك تايمز)

وأدى قربها من الشبان إلى سقوطها في طريق "إم إس 13"، ودفعها رعبها إلى الاتصال ابن عمها، القس باتشيكو، وأخبرته "في المرة القادمة سوف يقتلونني، أنا متأكدة من ذلك".

لقد حظيت فاني باحترام جميع الشوارع القليلة التي سيطرت عليها "كازابلانكا"، لكن تأثيرها خارج الحي كان معدوما، وهو الفراغ الذي جاء القس لملئه، فقد عرف قادة جميع العصابات.

وداوم باتشيكو، القس الإنجيلي، على إجراء قداديس يوم الأحد في الهواء الطلق وحرارة الشمس الحارقة (لم تكن لديه كنيسة)، وغطى نفقاته عبر العمل في قطاع البناء.

لكن العام 2014، جلب معه فظيعة غيّرت حياته. ففي ذلك العام، اختطف رجال عصابات فتاة تبلغ من العمر 13 عامًا، من الحي، انتقاما من والديها اللذين امتلكا متجرا صغيرا لم يتمكنا من دفع إتاوته المطلوبة. وبعد أن اختطفوها، نقلوها إلى منزل خاص، تناوبوا فيه على اغتصابها وتعذيبها لمدة ثلاثة أيام قبل قتلها ودفنها في أرضيّة المنزل.

وقال باتشيكو (40 عاما)، والمعروف باسم "القس داني"، مستذكرا الجريمة المروعة: "شاهد الناس أفراد العصابة يختطفونها من الشارع، وسمعوا صراخها واستجداءها، لكن أحدًا منهم لم يفعل شيئا لمساعدتها. كلٌ كان خائف على حياته".

كانت الطفلة المقتولة في سن ابنة القس داني، ودفعه القهر إلى زيارة المنزل الذي قُتلت فيه بعد أخلت الشرطة موقع الجريمة. كان القبر المحفور لتوّه لا يزال مفتوحًا، فتحة صغيرة في غرفة المعيشة تم تجريفها من الأرضية الطينية. قام بملئها بيديه.

وقال معلقا على ما شاهده "لقد تعهدت لنفسي هناك، أنني سوف أفعل شيئا ما".

في معظم الأيام، كان يتنقل في الشوارع المحطمة بسيّارته المعروفة لدى جميع العصابات. وتدخل في عدّة مواقف لردع الشرطة عن ضرب أعضاء عصابة ما، أو وضع نفسه بين أفراد عصابات متناحرة كانوا على وشك قتل بعضهم الآخر.

وكره القس الحكومة ووحشية الشرطة التعسفية، والفساد المستشري الذي دفع الكثير من الهندوراسيين إلى الهجرة في قوافل إلى الولايات المتحدة. وقال إنه على الرغم من انخفاض عدد جرائم القتل في بلاده، إلا أن مسببّاتها الأساسية لم تكن تنخفض.

ومع تهديد حياة فاني، قريبته، بات العنف مشكلة شخصية، وكان القس يعرف الكثير من أعضاء "كازابلانكا" وقّدر المأزق الذي واجهوه، كما أنه لم يرغب ببسط العصابات سيطرتها على الحي، أيضا.

لكنه كان واقعيا، وعلم أنه ما من طريقة لإبقاء العصابات خارج الحي، كما أن "إم إس 13" وضّحت نواياها بشكل تام، حيث كانت تتقدم عبر مساحات شاسعة من سان بيدرو سولا، مستعينة بعدد أفرادها المهول، وتنظيمها المتشدد وقسوتها، لتبيد المجموعات الأصغر والأقل تطورا منها. ورأى القس داني أن "كازابلانكا" كانت هدف "إم إس 13" التالي، وكان الغزو قادما بطريقة أو بأخرى.

وفي ذلك الوقت، بلغ عدد أفراد "كازابلانكا" أقل من عشرة أعضاء بالمجمل، بعد أن قُتل بعضهم، وسُجن آخرون. أما البقية فكانوا الأقل خبرة في حرب العصابات، وبعضهم بالكاد بلغ من العمر ما يكفي لحلاقة لحيته.

أفراد "كازابلانكا"

عمل برايان في نوبات امتدت لـ12 ساعة في أحد المصانع، على أن يبدأ يومه في تمام الساعة الخامسة والنصف صباحا. ومن أجل تفادي الكمائن، كان يتسلل خارج الحي كل صباح، ثم يعود ليلًا، ولم ينم إلا ساعات قليلة جدا، وساعده في ذلك الخوف وتناول السكاكر.

لم يكن لديه الكثير ليحارب من أجله، فقد عاش لوحده في غرفة صغيرة بعيد عن والدته التي كان يراها مرّة في الأسبوع عندما كان يتقاضى بعض المال. وقال بخجل "إنها ليست مثل باقي الأمهات".

وعمل فرانكلين (19 عاما)، في قطاع البناء، كلما سنحت له الفرصة بذلك، وكانت لديه صديقة ثابتة وأراد الخروج من دائرة العنف بسبب الطفل الذي تحمله في بطنها. لكن شقيقه الذي لم يشاركه الوهم ذاته، كان مستعدًا للموت خلال المعركة.

(نيويورك تايمز)

أما رينالدو، فقد كان أهدأهم. وكان يضحك بصمت كلما تباهى الآخرون بمآثرهم، لكنه لم يشترك في ذلك أبدا. ونادرا ما رفع صوته وكان رقيقًا في بعض الأحيان. وأراد رينالدو مخرجا من دائرة العنف، أيضًا، لكنه رفض التخلي عن أصدقائه أو الحي. بالكاد يتخيل نفسه في أي مكان آخر. كانت توقعاته محاطة بقدر تحركاته.

ولم يتبقَّ لـ"كازابلانكا" أي قائد سوى خافي الذي كان في أوائل العشرينات من عمره. شاب نحيف على نحو مخيف، لكن طبيعته كانت الأعنف من بين البقية. ووجهه موشوم بندبة ممتدة من خده الأيمن إلى حلقه، حصل عليها من عصابة اختطفته قبل عام. وأطلق عليه الجميع لقب "المُنَجَّل".

في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، هاجر خافي إلى غواتيمالا بحثًا عن بداية جديدة، لكنه عاد إلى الحي بعد فترة وجيزة، معتبرا إياه موطنه الذي لن يهرب منه مجددا.

وشعر الشبان أنهم محاصرون بحلقة تتكّرر أحداثها كانوا عاجزين عن كسرها، تماما مثل جحافل الشباب الذين اجتاحهم وباء القتل في المنطقة. ولم يسلموا من العنف حتى بعدما انشقوا عن العصابات ظنا منهم أن هذا سيمنعه عنهم، فالنتيجة كانت عكسية، جذب ابتعادهم عنفا أكبر ضدهم.

اعتبر القس داني عدم تعرض فاني للأذى على يد أفراد "إم إس 13"، علامة جيدة، لكن التصعيد المفاجئ كان يقلقه. فقد تأكد من أن حوادث إطلاق النار سوف تزداد باتساق مع عدد الضحايا. وبعد أن وضعت العصابة علامةً على منزل فاني، فإن بريان وفرانكلين والآخرون لن يتمكنوا حتى من التمتّع بأمان لبضع ساعات من الظهيرة عبر الجلوس في فناء منزلها الخلفي.

 لذا، وضع القس خُطة تتسم بالجنون الدبلوماسي، فقد سعى لعقد لقاء بين أعضاء "كازابلانكا" والعصابة التي تُهدد حياتهم، "إم إس 13".

"كانت الحياة جيّدة"

جلس آنر عاري الصّدر أمام شرفة منزله، مراقبا ابنته وهي تلعب في الشارع، وحذر القس "سيكون هذا صعبًا جدًا، لقد خسر هؤلاء الشبان الكثير، ولن يستسلموا الآن".

عمل آنر (26 عاما) في تخزين المنتجات في محل بقالة، وانتابه شعور بالفخر لاستطاعته توفير منزل صغير لعائلته وشراء دراجة نارية. ورغم أنه نشأ مع جميع أفراد "كازابلانكا"، إلا أنه لم يكن عضوًا في العصابة، لكنّ اثنين من أنسبائه كانا عضوين فيها، بما في ذلك فرانكلين.

واحتاج القس لآنر لكي يُقنع أفراد "كازابلانكا" بأن السلام هو السبيل الوحيد، لذا أخذا معهما فرانكلين وجلسوا سوية داخل المنزل. لكن آنر شرح للقس ما الذي يواجهه بالضبط في سعيه للسلام، وهو الوقوف أمام التاريخ الإقطاعي لـ"كازابلانكا".

واتضح أنه في بدايات القرن العشرين، كانت عصابة "الشارع الـ18" تُسيطر على الحي بالكامل، وكان أعضاؤها المحليون يعملون في منزل أبيض، أطلقوا عليه اسم "كازابلانكا".

 لكن الشرطة قامت بعملية في عام 2016، أدت إلى زج قادة العصابة في السجن، ما ترك الحي لقمة سائغة أمام العصابات الأخرى. ودخلت عصابة جديدة إلى حي انضم إليها السكان المحليون، الذين استمروا بالإشارة إلى أنفسهم باسم "كازابلانكا".

لكن العصابة الجديدة كانت وحشية وحقيرة، وقتلت أفرادًا من الحي لمجرد إخفاقهم في تسليم مدفوعات الإتاوات، وحتى عندما تمكن هؤلاء من جمع المبالغ التي فرضتها عليهم العصابة، كان أفرادها يقومون بسرقتهم بالقوة. وشعر أعضاء "كازابلانكا" بالخزي من ممارساتهم، فالأشخاص الذين كبروا معهم كانوا يعانون على أيديهم.

(نيويورك تايمز)

وثار الشبان على العصابة بعد أن تلقوا مساعدة إحدى فصائل "الشارع الـ18". وبعد أن تغلبوا على العصابة بعد مرور شهر، انضموا مجددا لـ"الشارع الـ18"، لكن التهديدات والسرقات والعنف استمرت. وفقدت "كازابلانكا" بعض شبانها لمجرد تبديل إساءة عصابة ما بعصابة أخرى، بحسب آنر.

لذا، تمردوا مرّة أخرى وانتصروا على "الشارع الـ18"، وطرَدَوا أفراده من الحي بعد شهر من سفك الدماء.

وقال آنر "لقد تحول الشبان إلى مجموعة معادية للعصابات، وكانت الحياة جيدة: توقفت السرقات؛ انتهى الابتزاز؛ وتلاشى العنف المُمارس ضد سكان الحي. ومن ثم، جاءت الشرطة".

وخلال صيف عام 2017، اعتقلت الشرطة خمسة أفراد من أعضاء "كازابلانكا"، فيما هرب آخرون، ودُمرت الرتب القيادية، تاركة الأعضاء الأقل قوة في الشارع، والشبان الصغار لوحدهم.

وسرد آنر للقس ردود الأفعال المتوقعة لأعضاء "كازابلانكا" الناجين من الموت والشرطة، تجاه سيطرة محتملة لـ"إم إس 13" على الحي (بمعاهدة سلام)، وقال إن شقيق فرانكلين الأكبر لن يقبل ذلك أبدا، فقد أطلق النار على العصابة في الماضي، ورفض حتى الجلوس مع القس.

أومأ فرانكلين مؤيّدًا كلام آنر، وقال، وهو حاملٌ بندقية بيده، إن شقيقه يقول إن "الهدنة الوحيدة التي يحتاجها هي التي يحملها على خصره (قطعة السلاح)".

وقال أنر إن الآخرين قد يوافقون على خطة القس للتهدئة، لكن الأعضاء الأكبر سنا يستطيعون كسر أي اتفاق بعد خروجهم من السجن.

أدرك القس داني أنه يواجه مجموعة بلا قيادة ولا يمكن التنبؤ بأفعال أفرادها، يحكمها شبان كانت غرائزهم في الحفاظ على الذات تُصارع تظاهرهم الدائم بالشجاعة.

لذا، قال بحزم "إن لم يتغير شيء ما، فستحدث مذبحة قبل نهاية العام"، لكن آنر علّق ساخرا "أقلت نهاية العام؟ أظن أنك تقصد قبل نهاية الأسبوع".

في تلك اللحظة، صدر صوت اصطدام صخرة بسطح آنر، وهرول أفراد المجموعة إلى الخارج، فيما أومأ فرانكلين إليهم ليحافظوا على هدوئهم، وقال هامسا "’إم إس 13’ في الحي".

كان الشارع طويلًا وضيقًا، ويمتد لأكثر من 30 مترًا، مثل ميدان للرماية. واتصل القس بالشرطة، خوفا من مسلحي "إم إس 13".

وأُخلي الشارع من الناس باستثناء امرأة في منتصف العمر كانت تمشي ببطء في الشارع بمفردها، وبعد أن عبرته تنهد آنر بارتياح. فقد كانت شقيقة أحد قادة "إم إس 13"، أي أنها على الأرجح مُراقبة.

وتساءل القس بغضب وكأنه أضاع فرصة ثمينة لتوه: "أهي مراقبة، أهذه الامرأة مراقبة؟"، وأضاف أنه لو علم أنها مراقبة منذ البداية، لكان عرّف عن نفسه أمامها لتخفيف حدّة التوتر، معتبرا أنه لا يُشكل تهديدا لأحد لكونه رجل دين.

لكن بدلَ أن يحدث ذلك، انتظروا، جميعًا، على شرفة آنر، راجين ألا يبدأ رجال العصابة بإطلاق النيران. وبعد مرور نصف ساعة، ركض القس نحو سيارته وضغط على الدواسة بكل ما لديه من قوة، إلى أن خرج من الحي.

ووصلت الشرطة عندما اقترب القس من الخروج من الحي. وقام القس الذي اندهش من وصول الشرطة، بإنزال نافذة السيارة الأمامية من أجل إطلاعهم على تفاصيل ما يحدث.

وقبل أن ينطق بحرف واحد، أمره عناصر الشرطة بالترجل من سيارته، وظن القس أنها مزحة إلى أن سمع إصرار الضابط في صراخه. وقال معترضا "لكنني أنا من اتصل بكم".

أجرى أفراد الشرطة بضع مكالمات قبل السماح للقس بالذهاب.

أمسك بمقود السيارة ولفه بغضب، وقال متمتما: "وأنتم تتساءلون لماذا يتعين علينا حل مشاكلنا بأنفسنا".

"آخر خطوة متاحة أمامي"

تباطأت سيارة القس عند ناصية إحدى الشوارع غير المعبدة التي تفصل "إم إس 13" عن "كازابلانكا"، متجاوزًا مبنى مهجورًا، حيث كانت الخطوط العريضة للشبان مرئية في توهج أطراف السجائر.

وتوجه رجل موشوم الذراعين والرقبة إلى شباك سيارة القس داني، قائلا: "ماذا تريد؟"، أجابه القس: "أريد سامويل، يعرف أحدنا الآخر".

فبعد مرور بضع ساعات فقط على مغادرته منزل آنر، تلقى القس مكالمة هاتفية مرعبة، ومفادها أن مسلحين اجتاحوا منطقة "كازابلانكا"، وبدأوا بطرد العائلات من منازلها، والاستيلاء على الحي بالقوة.

ولم يستطع الانتظار لفترة أطول، لذلك، اتبع القس داني تكتيكه المعتاد: الارتجال. وذهب إلى منطقة "إم إس 13"، على أمل أن يضع نفسه تحت رحمة سامويل، قائد فرع العصابة في هذه المنطقة، قبل أن يتعرض أي شخص للقتل.

وقال "هذه آخر خطوة متاحة أمامي".

تمعن القس بالكثير من المباني المكفهرّة والمظلمة بأنفاس ثقيلة متقطعة ساعدته على طمأنة نفسه. فرغم أُلفته الخطر، فإن الأمر مختلف هذه المرة، فسامويل شخصية مهمة وليس مجرد جندي مزاجي الطبع. وحتى طلب مقابلته قد يثير الشكوك حول الشخص الراغب بذلك، وليس من المحبذ إغضاب المجرمين الخطرين.

 اتخذ الرجل الموشوم خطوة إلى الوراء وتفقد الشارع مرة أخرى، وبعد أن لم ير ما يدعو للربية، أشار إلى منزل بلون الخوخ، وقال للقس "هناك".

قاد القس سيارته بجانب زاوية مضاءة جيدًا، حيث كانت امرأتان تدخنان مع رجل نحيف يرتدي قميصًا وسروال جينز، لقد كان الرجل سامويل.

أوقف القس سيارته وسط الشارع وخرج منها فيما لا يزال الباب مفتوح.

عذر سامويل نفسه من الحديث مع النساء وأطفأ سيجارته. كان يبدو أنه في الثلاثينيات من عمره وشعره قصير، وتظهر على وجهه علامات السكينة والراحة كمَن تعود على السيطرة.

وتوجه سامويل إلى القس داني وعانقه قائلا: "كيف حالك؟"، ليجيبه الأول: "لست على أفضل حال يا أخي".

لقد اعتاد القس على التريث عند طلب المساعدة من أي شخص، مستخدما أسلوبا بطيئًا لإقناعهم، فقد كان في قلبه رجل استعراضي. لكنه لم يفعل ذلك بلقائه مع سامويل، فقاده التوتر ومفاجأة لقاء الأخير، للدخول في صلب الموضوع.

وقال: "أريد أن أطلب منك خدمة شخصية".

ورفع سامويل حاجبيه مجيبا كرجل سياسي: "إن استطعت فعل ما تريد، سأفعله".

وأردف القس قائلا: "أعلم أنكم تريدون الانتقال إلى منطقة ’كازابلانكا’، لكنّني أطلب منك، بل أرجوك ألا تفعلوا ذلك بعنف، أرجوكم لا تقتلوا أحدا".

وأصغى سامويل دون انفعال ودون أن يقول شيئا.

القس "لست بصف أي عصابة، أرغب بحماية الأرواح فقط، ولي قريبة تسكن هناك، وأخشى أن تُصاب هي والآخرون بأي أذى".

قاطعه سامويل: "لقد سيطرنا على المنطقة بالفعل، لقد أصبحت لنا".

ولم يدرِ القس ما إذا كان سامويل يقصد السيطرة الحرفية على الحي أم كان يتكلم مجازيا، فقد علم أنه برغم تقدم "إم إس 13" السريع، إلا أنها لم تُسيطر على الحي بأكمله، حتّى ساعته.

(نيويورك تايمز)

وقال: "لكنّ أشخاصًا هناك يطردون العائلات من منازلها في هذه اللحظة، علمت ذلك من بعض أفراد المجتمع".

ارتكى سامويل على سيارة القس، لكنه سرعان ما تراجع بعد أن لاحظ اتساخها وتغطية التراب لها، وقال "من غير المعقول أن يكون هؤلاء تابعين لنا، ليس لدينا أي شخص هناك الآن، ما الذي أخبروك إياه بالضبط؟"

اتصل القس بآنر وسأله: "ما الذي يحدث عندكم الآن؟"؛ وأجاب آنر أن رجالا مقنعين دخلوا الحي بدراجاتهم النارية، وطردوا عائلة من منزلها.

وقال سامويل محركا رأسه نفيا "لم نُرسل الدراجات النارية إلى تلك المنطقة".

وصحح آنر نفسه، وقال إن الرجال وصلوا على دراجات هوائية لا نارية، لكنه أكد على أنهم كانوا يطردون الناس من منازلهم.

واستمر القس بطرح الأسئلة على آنر، طالبا منه تفاصيل إضافية عن غير قصد، ما أدى إلى شعور الأول بالريبة.

وحاول القس بذل قصارى جهده لشرح الموقع المحدد لسامويل، بناءً على الإجابات الغامضة التي تمكن الحصول عليها من آنر.

سامويل "لا، لا يمكن لهذا أن يكون صحيحا، إن المكان الذي تتحدث عنه هو متجر يتبع لامرأة عجوز تبيع فيه الحطب؟".

ورسم سامويل خريطة على زجاج السيارة الخلفي، مستعينا بالتراب الذي يغطيه، ليساعده القس بخط شوارع ومعالم المكان.

سامويل "أعتقد أن المكان الذي يصفه موجود هنا، وهو غير تابع لمنطقة كازابلانكا".

وجفل القس، فسامويل على حق، أي ما كان يحدث، فإنه ليس بمنطقة "كازابلانكا".

لكن سامويل، اعتبر الأمر غير مهم، فبالنسبة له، الجميع علم مدى ضعف "كازابلانكا"، وكان قد أمر بالفعل، ملازمه الذي يُدعى "الوحش"، بالسيطرة على الحي.

وقال إن الأشخاص الذين طردوا العائلات من منازلها في هذه الليلة، لم يكونوا من رجاله، لكنه أكد أنهم سيدخلون قريبا.

ثم طلب سامويل من القس أن يرسم الموقع الدقيق لمنزل فاني، متعهدا "لا تقلق بشأن أحبائك، لن نؤذيهم"؛ فتساءل القس: "وماذا عن أعضاء كازابلانكا؟ هل ستعفيهم أيضا؟".

وأجابه سامويل: "كما أخبرتك، المنطقة أصبحت ملكنا، وإذا ما تمكنّا من تجنّب العنف، سنفعل ذلك، لكن ذلك متعلق بهم"، وأشعل سيجارة أخرى، وتوجه إلى داخل أحد المباني المهجورة.

"نجني أموالنا من بيع المخدرات"

أخذ "الوحش" القس داني إلى فناء خلفي وقف فيه أكثر من عشرة جنود تابعين لـ"إم إس 13" بشكل دائري، تحيطهم سحابة من دخان الماريحوانا. ووقف وسطهم صبي لا يزيد عمره عن 10 سنوات، يدخن سيجارة، أيضا.

لقد مر يومان منذ لقاء القس بسامويل، وها هو يعود الآن إلى منطقة "إم إس 13"، ليقابل أعداء "كازابلانكا".

عرّف القس عن نفسه أمام الشبان، وكان من بينهم المسلح الذي أطلق النار في الحي قبل بضعة أيام، مرتديا القبعة السوداء ذاتها، كما وقف الرجال الذين داهموا منزل فاني، أيضًا.

لكن القس، حدّق بـ"الوحش" الذي أمر الرجال بالاستيلاء على الحي.

اعتاد القس على استخدام طُرقٍ ملتوية لإيضاح مبتغاه كلّما اضطر أو أراد التحدث مع مجموعة، وتضمن ذلك الإكثار من المديح، ومشاركة بعض المعلومات، والتبشير بأمثال من الإنجيل، واعتمد عرضه هذا على تقييمه الفوري لما قد يقتنع به الحشد.

وقال للشبان لافتا انتباههم ومحفزا شعورهم بالفخر: "أنتم مجموعة هيكلية ومنضبطة ولديها موارد، سيكون من الصعب على أعضاء كازابلانكا قتالكم، وهم يعرفون ذلك".

لقد أصبح "الوحش" الملازم الأول لسامويل، في الـ26 ومن عمره. وكان في السابق يكافح من أجل العيش عبر العمل في البناء، لكن العصابة عرضت عليه وظيفة ومجتمعا وملجأ.

كما أنها علمته الانضباط، وهو أسمى قيمة في العصابة، ويعني عدم الكذب على العصابة؛ وعدم استخدام المخدرات ما عدا الماريحوانا، والامتناع عن القتل إلا بموافقة القيادة، أو في حالات الدفاع عن النفس.

(نيويورك تايمز)

وشرح "الوحش" عن تجربته في العصابة قائلا "إن قتلك لأحد ما لا يرقيك لمناصب عليا في العصابة. فالمهم هو طريقة تفكيرك، وذكاؤك".

تكلم "الوحش" وكأنه مسؤول حكومي صغير الشأن يستشهد بأقوال مأثورة ويقدم الوعود بكل سهولة: الأمن يأتي في المرتبة الأولى، واحترام السكان، وعدم التجنيد القسري، ومنع الابتزاز.

لقد كان خطابًا مفاجئًا يصدر عن عضو في عصابة ترعب الناس من أميركا الوسطى وحتى الولايات المتحدة.

وأضاف "الوحش":  "نجني أموالنا من بيع المخدرات، لذا فنحن لا نسرق الأشخاص الذين يسكنون في مناطقنا، نحن بحاجتهم".

بدا كل شيء مدعاة للتفاؤل بالنسبة للقس، بل أنه بالغ بالتفاؤل قليلا، ففي نهاية الأمر، لم تكن هناك أي طريقة لمعرفة ما إذا كانت خُطبة "الوحش" حقيقية، ورغم "جمالية" الخطاب الذي ألقاه، لا تزال هذه العصابة عبارة عن مجموعة من القتلة بغض النظر عن السلام الذي تحدثوا عنه.

ومع ذلك، أراد القس أن يغادر مع ضمانات ملموسة. واستمرت المحادثة لأكثر من ساعة قبل أن يدفع خطته أخيرًا.

وقال القس كما لو أن الفكرة خطرت في باله للتو "أتعلم أن مقابلة أحدهم (كازابلانكا) قد تُساعدكم. أقصد، إذا كانت المجموعتين على استعداد للقاء".

"مشلولة بالخوف"

مرتدية ملابس أنيقة لهذه المناسبة، وواضعة أحمر الشفاه فاتح اللون على شفتيها، سألت القس أثناء اصطحابه له بالسيارة، ممازحة، عما إذا كان يأخذها لحتفها.

القس: "لا تكوني غبية يا فاني، أحاول إنقاذ حياتك".

لقد كانا في طريقهما إلى منزل شقيقه خارج الحي، من أجل أن يشرح لها مجريات لقائه بأفراد عصابة "إم إس 13". فقد قال: "فاني لا تُصغي لحديثي عندما تكون في المنزل، تكون مشلولة بالخوف".

لليوم الثالث على التوالي، ارتدى القس الملابس ذاتها، وبان على وجهه التعب جرّاء قلّة النوم، فبين مواساة فاني والحفاظ على عدم سقوط "كازابلانكا"، لم يتمكن من فعل أي شيء آخر تقريبا، حتى لعائلته.

وتعرضت ابنته لمشكلة في الرئتين اضطرته لاصطحابها إلى المستشفى، وعندما كان يزور حيّه، فعل ذلك من أجل الاطمئنان على زوجته فقط. كما أن الفواتير بدأت بالتراكم فلم يكن القس داني جيدا بالتعامل مع الأمور المالية. فهو يُفضل البقاء في الشارع، وزارة عمله.

والآن، تصدرت سلامة فاني سلم أولوياته.

القس: "فاني، يجب أن تفكري بنفسك وعائلتك، لقد أخبروني أنهم لن يمسّوكِ بأذى".

سالت دموع فاني. لقد ظن القس أن تعهد "إم إس 13" بالإبقاء على حياتها وعدم مسها بأذى، سوف يجعلها تشعر بالسعادة، خصوصا بعد اقتحام أفراد العصابة لمنزلها، لكنها لم تستطع أن تُفكر إلّا بحياة الآخرين الذين لن ينجوا وفقا لهذا الوعد.

فاني: "ماذا كنت ستشعر لو أخبرتك أنني أستطيع إنقاذك، لكن الأطفال الذين عرفتهم منذ نعومة أظافرهم قد يُقتلوا؟ ماذا كنت ستشعر لو أخبرتك أنني أستطيع إنقاذك أنت وحدك؟".

شعر القس بالحيرة من جوابها هذا، بل تعرّض للإهانة، فإنها تُخبره ذلك بعد كل التضحيات التي قدمها.

لقد تحدث القس في أحيان كثيرة، بنبرة ساخرة، عن أن عمله لم يلقى امتنان الناس، وأنه لم يتوقع الثناء في أغلب الأحيان. ومع ذلك، رفض معاتبة فاني له.

قدم لها بعض المناديل لتمسح المسكرة التي انجرفت مع دموعها السائلة على وجهها.

وأخبرها "إذا كان الآخرون في الحي يريدون القتال حتى الموت، فأعتقد أن ذلك خيارهم. إنني أحاول إنقاذ حيوات الآخرين الراغبين بالنجاة".

ورفضت فاني الانضمام إلى القس عندما قرّر، بعد يومين، إطلاع "كازابلانكا" على خطة الهدنة التي اقترحها. وجمع الجميع في منزل آنر، بما في ذلك بعض الأهالي، على أمل مساهمتهم في إقناع الشبان بقبول الخطة.

لقد كان ذلك في ساعات الليل المتأخرة، وسارع براين، بعد عودته من العمل، وشعره كان لا يزال رطبا من الاستحمام، فيما جلس فرانكلين على أريكة مادًا ساقيه.

وقال القس "قالوا إنهم سيعفون عن الجميع حال استطاعوا دخول الحي بسلام"، شارحا شروط "إم إس 13".

امتلك القس "موهبة" عرض الحقائق بأكثر صورة إيجابية. فقد قال أفراد "إم إس 13"، إنهم لا يريدون قتل أحد، لكنهم لم يتعهدوا بإعفاء الجميع، على الأقل ليس بوضوح.

وقاطعه براين، واصفا لقاءاته الأخيرة مع أعضاء "إم إس 13"، متعجبا ومؤكدا على ما قاله القس بحسب السلوك غير العادي الذي اتبعه أفراد العصابة الأخرى معه: "لم يصفروا ولم ينظروا إلي بطريقة عدائية".

وسواء كان التغيير في معاملة أفراد "إم إس 13" لشبان الحي، مرتبطا بمساعي القس أم لا، فإن الاجتماع بدا أنه يسير على نحو جيّد. وفي النهاية، فإن الإيمان الحقيقي لأي قس يرتكز إلى الأمل. وإذا استطاع أن يقنع "كازابلانكا" بأن السلام ممكن، فقد يكون الأمر كذلك.

وبعد انتهاء النقاش، وافق آنر على مقابلة "الوحش"، حيث قال: "هذا أمر لا مفر منه، أعني، أنظروا للاحتمالات التي أمامنا، هناك نحو 50 ألفا منهم في مواجهة ثمانية أشخاص منا فقط".

"لا نريد أيّ مشاكل"

كان آنر يرتدي زي العمل الموحد، وهو قميص ذو ياقة نُقش على جيبه الأيسر العلوي، شعار محل البقالة الذي كان يعمل به. فقد حصل على موافقة رب العامل للغياب لبضعة ساعات، وكان آنر متلهفا للّقاء.

وكعادته عندما يشعر بالتوتر، لم يتوقف آنر عن الثرثرة أثناء جلوسه في المقعد الخلفي لسيارة القس داني. وكان يأمل القس فقط، أن يساعده سيل الكلمات تلك داخل السيارة، على الهدوء عندما يلتقي بـ"الوحش".

ثم فجأة، صمت آنر، ووضع وجهه على نافذة السيارة وحدّق بالأفق.

"لم أصل إلى هذا الشارع منذ سبعة أعوام"، قال آنر عندما عبروا إلى منطقة "إم إس 13"، مندهشا كيف يُمكن لحي صغير كهذا أن يكون منقسمًا بشكل متطرف وقاسيًا كما هو عليه، وكيف ترك الجميع معزولين عن بعضهم البعض.

وصل الرجلان إلى مبنى مع أعمدة صغيرة، كان "الوحش" يجلس في أسفله على كرسي منخفض، يُدخن الماريحوانا. وظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه عندما بحث زائراه عن مكان للجلوس.

وجد آنر صندوقا مكسورا، بينما جلس القس على دلو مقلوب.

وبعد مقدمة موجزة، بدأت الكلمات تتدفق من فم آنر الذي استمر بأسلوبه المتوتر حتى نهاية اللقاء تقريبا، متحدثا عن أبنائه ووظيفته وحياته في الحي، بل أنه ذكر أسماء أعضاء في "إم إس 13" تربطه معرفة شخصية بهم.

(نيويورك تايمز)

آنر "لست متورطًا في أيٍّ من هذه الأمور (الجريمة)، لكني أعرف جميع هؤلاء الشبان".

واصل "الوحش" التدخين، بينما كان أفراد العصابة يتناوبون على اللعب في آلة الكرة والدبابيس داخل المبنى.

وقال آنر، مقتربا بصندوقه المكسور من "الوحش"، "لا نريد أي مشاكل مع إم إس"، وأردف: "لا أريد رؤية العنف، أن أعمل ولدي عائلة ولا أريد خسارة منزلي".

وهز "الوحش" الذي بدا عملاقا أمام آنر، برأسه بإيماءة لطيفة وقال "لا"، وسأله آنر: "ماذا عن الآخرين، بعضهم أطلق النار في السابق على أعضاء ’إم إس’، مدفوعين بالخوف في بعض الأحيان".

وبدأ "الوحش" بالحديث، لكن آنر قاطعه قائلًا "أريد أن أطلب خدمة واحدة فقط، وهي أن تعفو عنهم إن لم يقاوموا أو يحاربوا".

نظر "الوحش" إلى القس، ومن ثم إلى آنر، وقال: "هدفنا ألا نقتل أحدًا، إن لم يقاوموا والتزموا بالبرنامج، فلن نضطر لقتلهم".

استرخى آنر قليلا، وانحسر توتره، وقال: "شكرًا لك يا أخي، أرحتني جدا، لقد كنا جميعًا قلقين جدًا بشأن ما سيحدث، يوميا. كان الأمر أشبه بالعيش في منطقة حرب".

ومرت سيّارتان بجانب اجتماعهم، وحيا سائقاها أعضاء "إم إس 13" المتجمعين، فيما كان الأطفال يلعبون بجوارهم، بكُرات مطاطية صغيرة في أعلى وأسفل الشارع.

وقال "الوحش" متفاخرًا "أنظر حولك، الناس يعيشون بحرية أكبر من أي مكان آخر، هذا ما يُمكن أن تكون عليه ’كازابلانكا’".

"إنهم لا يهتمون"

ظهرت الجثث في إحدى صباحات شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، مشوهة وملفوفة بأكياس قمامة سوداء، ملقاة على الحدود بين "كازابلانكا" و"الشارع الـ18".

وها هو التحذير يتحدث عن نفسه: لقد علمت عصابة "الشارع الـ18"، بأمر الهدنة التي اتفق عليها شبان الحي مع "إم إس 13"، ولم يكن لديها أي نية لقبولها.

بعد بضعة أسابيع، اختفى رينالدو عندما كان يتمشى داخل حدود منطقة "كازابلانكا" بعد أن اختطفه شخص ما.

وعمم برايان وفرانكلين صورته، بحثا عنه، وبعد بضعة أيام، علم القس أن "الشارع 18" اختطفته، ولم تعد جثته أبدا.

وبدأ سلام القس الهش بالانهيار.

لم تدخل "إم إس 13" الحي كما قال "الوحش" وسامويل، لكنها توقفت عن هجماتها ضد "كازابلانكا"، كما تعهد قائدها. لكن "الشارع الـ18"، أكملت ما امتنع خصومها عن فعله.

حاول القس أن يريح أعضاء "كازابلانكا"، لكن لم يكن لديه أي شيء جديد ليقدمه لهم. فعلى الرغم من كل جهوده، البعثات الفردية، والاجتماعات السرية، جُل ما استطاع فعله، كان تبديل عدو بآخر.

وحتى هذا لم يدم، ففي وقت سابق من العام الحالي، تمت ترقية سامويل و"الوحش"، ولم يبق أحد لضمان السلام. واستبدُل "الوحش" ببويودو، الذي استأنف الهجمات على "كازابلانكا"، دون أن يعلم أحد دافعه، ولا حتى القس.

واستمرت العصابات الأخرى بالتفوق على "كازابلانكا" بالسلاح والعتاد والعدد، واستمر الحصار. وفي آذار/ مارس الماضي، أصيب فتى في منطقتها بجروح في تبادل لإطلاق النار. وبعد بضعة أيام، أطلق أعضاء "إم إس 13" النار على آنر بعد عودته من العمل.

وبعد ذلك بأسبوع، قام أحد أفراد العصابة بإطلاق النار على الفاني عندما تصطحب ابنها إلى المنزل.

وأصبحت مهمة القس داني بالغة الصعوبة، وبدأ يردد أن قلبه لم يعد موجودا. وبدت محاولاته لتغيير الحي، الذين لا يُعتبروا شيئا وسط زخم سان بيدرو سولا، أو هندوراس، عقيمة.

(نيويورك تايمز)

وفي حقيقة الأمر، كانت مسؤوليته المنفردة لحفظ السلام، دون مساعدة من الحكومة، انعكاسا لمدى روعة الوضع في الدولة.

وقال القس "إن كلّ ما نراه هنا في الشارع يبدأ بفساد الحكومة. لا يمكنني أن استمر بالقتال ضد هذا الوحش (الحكومة، الدولة). هذه المواضيع لا تهمهم. إنهم لا يهتمون".

قال لنفسه إن هذا سيكون آخر تدخل له، ومع ذلك، لقد انتهت مناورة "كازابلانكا" (بصورة سلمية أو بغيرها)، وتعهد بإيجاد حياة خالية من قتال الوحش، كما وصف الدولة، والتي تمكنه من التعامل مع قضية أقل إحباطًا. حتى أنه لم ينفِ احتمال مغادرة هندوراس.

لكن هذا لم يدم، أيضًا، كان تهكمه مصدرا للأمل مجددا، كما فعل دائما، فبعد أسابيع قليلة من إطلاق "إم إس 13" النيران على فاني، تمكن القس من مقابلة بويودو، الزعيم الجديد في المنطقة. وزالت أوهام القس داني بمغادرة المكان.

وقدم لبويودو نسخة مختصرة من الخطاب الذي أصبح متمرسا به بعد تجربته مرّات عدّة، وتبنّى الدبلوماسية مرّة أخرى.

وقال القس: "أعتقد أنه يمكنني إقناعه بوقف إطلاق النار"، "من المفترض أن نلتقي مرة أخرى قريبًا".


الكاتب رئيس مكتب نيويورك تايمز في المكسيك وأميركا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي، منذ صيف العام 2015.