هل استطاع "علاء الدين" الجديد مواجهة العنصرية الهولوودية؟

هل استطاع "علاء الدين" الجديد مواجهة العنصرية الهولوودية؟
من الفيلم (صورة رسميّة)

في ما يلي ترجمة خاصة لـ"عرب ٤٨"، بتصرّف:


رغم إشادة النقاد بفيلم الرسوم المتحركة "علاء الدين"، الذي عُرضَ عام 1992، وشعبيته الواسعة عند المشاهدين، إلا أن مشاكل تنميطيّة غاية في الجديّة شابت أحداثه.

وأرادت شركة الإنتاج العملاقة "ديزني" أن تتفادى تكرير الأخطاء ذاتها، في النسخة الحية من فيلم "علاء الدين" الجديد الذي صدر في 24 أيّار/ مايو 2019، ولتحقيق ذلك، تشاورت الشركة مع مجلس استشاري اجتماعي مؤلف من باحثين ومُبدعين وناشطين، شرق أوسطيين وشرق آسيويين ومسلمين.

وطُلب مني الانضمام إلى المجموعة نظرا لخبرتي في كيفية عرض وسائل الإعلام الأميركية للعرب والمسلمين.

وتعكس مساعي "ديزني"، إحدى أكبر شركات الإنتاج الأميركية، الرامية للاستعانة بآراء المجتمع، التزام هوليوود المتنامي بإرساء مفاهيم التعددية.

لكن برغم نجاح "علاء الدين" الجديد، في تصحيح بعض مشاكل التنميط و"التبييض" الهوليودي التاريخي للشرق أوسطيين، فإنه لا يزال يتطلب الكثير لتخطي هذه المفاهيم.

عفاريت سحرية وشيوخ فاسقون

في كتابه الشهير "الاستشراق" لعام 1978، ناقش أستاذ الأدب، إدوارد سعيد، فكرة سعي الثقافات الغربية إلى تنميط الشرق الأوسط تاريخيا، لتبرير ممارسة السيطرة عليه.

وللاستشراق في هوليوود تاريخ طويل، حيث أن أفلامها الأولى، مثل "الشيخ" و"ليالٍ عربية"، صوّرت الشرق الأوسط على أنه أرض متجانسة وفانتازية مشوقة، مكونة من صحراء سحرية تمتلئ بالعفاريت والسجاجيد الطائرة والرجال الأغنياء الذين يسكنون قصورا مُترفة تعج بالحريم.

ومع أن هذه التصورات للشرق الأوسط كانت في غاية السذاجة ويمكن القول إنها كانت غير مؤذية، لكنها سطحت الفوارق بين ثقافات المنطقة، بينما صوّرت الشرق الأوسط على أنه مكان متخلف يحتاج إلى التحضّر الغربي.

ومن ثم جاءت سلسلة من الصراعات والحروب في الشرق الأوسط، كالحرب العربية الإسرائيلية (النكسة) عام 1967، وحظر النفط العربي عام 1973، وأزمة الرهائن الإيرانية، وحرب الخليج. وتلاشت فكرة الشرق الأوسط المثير في الإعلام الأميركي، ليحل محله وصم المنطقة بالعنف والإرهاب.

وكشف الباحث في مجال الإعلام، جاك جي شاهين، بعد مراقبته لمئات الأفلام من إنتاج هوليوود على مدار نصف القرن الماضي، أنها ربطت الإسلام بأفكار مثل "الحرب المقدسة" و"الإرهاب"، بينما يتم تصوير المسلمين على أنهم إما "دخلاء وغرباء عنيفون"، أو "شيوخ نفط فاسقون يسعون لاستخدام الأسلحة النووية".

اللحظات المُخجلة في فيلم "علاء الدين" الأصلي

في ظل هذه الخلفية، لم يشكّل إنتاج "ديزني" لفيلم "علاء الدين" الاستشراقي عام 1992، مفاجأة.

وتصف الأغنية الافتتاحية للفيلم الشرق الأوسط على أنه المكان "حيث يقطعون أذنيك إن لم يحبوا مظهرك الخارجي" مضيفة أن الحياة فيه "همجية، لكن مهلا، إنه الوطن".

وعندما احتجت اللجنة العربية الأميركية لمناهضة التمييز العنصري، على فحوى الأغنية، قامت "ديزني" بحذف جملة قطع الآذان من نسخ شرائط الفيديو المسوقة للمنازل ولكنها تركت وصف "الهمجي".

بين الكرتون والتمثيل (صورة من صفحة الفيلم على فيسبوك)
بين الكرتون والتمثيل

هذا غير طرق تصوير شخصيات الفيلم. كما لاحظ كثيرون، فإن الشخصية العربية الشريرة كانت قبيحة المظهر وتتكلم الإنجليزية بلكنة أجنبية، بينما كان العرب "الطيبون"، كـ"علاء الدين" و"ياسمين"، يمتلكون ملامح أوروبية ويتحدثون بلهجة أميركية بيضاء.

كما أن الفيلم كرس تقليد إزالة الفوارق بين ثقافات الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال، كان يُفترض بأن "ياسمين" من مدينة "أغرابا" المتخيلة، والتي أُطلق عليها هذا الاسم بدل بغداد بسبب حرب الخليج الثانية التي دفعت المنتجين إلى ابتكار اسم آخر، كان لديها نمر هندي باسم "راجا" (وكأن العرب والهنود ينتمون للثقافة ذاتها).

تقدم مشكوك به في "إزالة" الصور النمطية

بعد هجومات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، صدرت مجموعة من الأفلام التي أعادت صياغة الأنماط الإرهابية القديمة. ولكن بشكل مفاجئ، ظهر بعض التمثيل الإيجابي للشخصيات الشرق أوسطية والإسلامية.

في عام 2012، نشرتُ كتابا بعنوان "العرب والمسلمون في الإعلام: العِرق والتمثيل بعد 9/11". وفصّلت من خلاله الإستراتيجيات التي اتبعها المؤلفون والمنتجون بعد تفجيرات عام 2001، لموازنة الصور النمطية.

وكانت الطريقة الأكثر شيوعًا، هي عرض صورة الوطني الأميركي المنحدر من أصول شرق أوسطية، أو المسلم، في مقابل صورة "الإرهابي". وعلى سبيل المثال، طبقت الدراما التليفزيونية "الوطن" (هوملاند)، هذا التوجه حيث قُتلت شخصية "فارا شيرازي"، المحللة الإيرانية الأميركية المسلمة العاملة في وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه"، على يد إرهابي مسلم، ما يدل على أن المسلمين الأميركيين "الجيدين" مستعدون للموت من أجل الولايات المتحدة.

لكن هذه الإستراتيجية لم تغيّر حقيقة أن الشرق أوسطيين والمسلمين، صُّوروا في الغالب على أنهم مصدر تهديد للغرب. ولا يمكن أن تساهم إضافة شخصية شرق أوسطية "جيّدة"، بشكل جدي، في القضاء على الأفكار النمطية، عندما تظهر معظم الشخصيات القادمة من هذا الجزء من العالم في قصص حول الإرهاب.

ونشأت إستراتيجيّة أخرى خلال هذه الفترة، والتي تمثلت بإعادة النظرة الاستشراقية القديمة، للشرق الأوسط المُثير والرومانسي. وربما افترض الكتاب والمنتجون أن ربط الشرق الأوسط بالإثارة قد يكون بمثابة ارتقاء عن وصمه بالإرهاب.

وعلى سبيل المثال، يسرد فيلم "هيدالغو" قصة راعي أبقار أميركي (كاوبوي)، يُسافر إلى الصحراء العربية عام 1891، من أجل الاشتراك في سباق خيول. وفي نمط استشراقي كلاسيكي، يُنقذ البطل ابنة الشيخ الثري، من ابن عمه القوي والشرير الباحث عن السلطة.

ويستعرض فيلم "فيكتوريا وعبدول" (اختصار لاسم عبد الكريم) الصداقة غير العادية بين الملكة فيكتوريا وخادمها الهندي المسلم، عبد الكريم. وفيما ينتقد الفيلم العنصرية ومعاداة الإسلام الإنجليزية في القرن التاسع عشر، فإنه، أيضًا، يُصغر عبدول ويجعله يبدو مثيرا.

ومع ذلك، استمرت بعض المشاكل الصارخة في الظهور على الشاشات. وقام جيك جيلنهال بدور رائد في فيلم "أمير بلاد فارس: رمال الزمن" (2010)، بينما مثل كل من كريستيان بيل، وجويل إدجيرتون، في فيلم "الخروج: الآلهة والملوك" (2014) كشخصيات مصرية، وجميعهم ممثلون بيض البشرة.

لماذا تولى ممثلون بيض هذه الأدوار؟

عند مواجهة المنتج ريدلي سكوت، بهذا السؤال، صرح تصريحه سيّئ السمعة، بأنه لا يستطيع "القول إن الممثل الرئيسي يُدعى محمد كذا وكذا من كذا وكذا. لن أحصل على تمويل".

هل قطع "علاء الدين" الجديد شوطا كبيرا في هذا المجال؟

ربما طلبت "ديزني" معونة مستشارين مثلي من أجل عدم ممارسة الأخطاء القديمة ذاتها.

بالتأكيد، هناك تقدم ملحوظ في النسخة الحية من "علاء الدين".

يلعب دور "علاء الدين"، الممثل المصري الكندي، مينا مسعود، ونظرًا لندرة حصول الممثلين المنحدرين من أصول شرق أوسطية على أدوار رئيسية في الأفلام، لا يمكن تجاهل أهمية دور مسعود. وعلى الرغم من حقيقة أنه، تم تعتيم لون بشرة بعض الممثلين البيض لتميل إلى السمرة أثناء التصوير، إلا أن "ديزني" وضعت ممثلين من أصول شرق أوسطية في معظم الأدوار الرئيسية.

لكن منح الممثلة البريطانية هندية الأصل، نعومي سكوت، دور "ياسمين" مثيرٌ للجدل؛ فقد كان الكثيرون يأملون في رؤية ممثلة عربية أو شرق أوسطية في هذا الدور وتساءلوا عما إذا كان اختيار شخص من أصل هندي سيعيد تعزيز مفاهيم التبادل "الشرقي" (تشابه الحضارات). لكن الفيلم، أيضا، يشير إلى أن والدة "ياسمين" تأتي من أرض أخرى.

وتكمن المشكلة الأكبر في "علاء الدين" الجديد، وهي أنه يكرس ظاهرة العودة إلى الاستشراق السحري، وكأن ذلك يُعد تحسنا جدير الملاحظة عن نمط وصم المنطقة بالإرهاب. وفي الحقيقة، إن خطوة استبدال العنصرية بالإثارة المبتذلة، هي ليست خطوة شجاعة بالضبط.

ولكي أكون منصفة، يتميز "علاء الدين" عن "هيدالغو" وغيره من الأفلام الاستشراقية التي تتناول سحرية الشرق الأوسط، بأنه لا يدور حول تجارب بطل الرواية الأبيض.

ولكن، ولمرة أخرى، كان "الأخيار" يتكلمون اللغة الإنجليزية بلهجة أميركية، بينما كان معظم الذين تحدثوا بلكنه غير أميركية، يمثلون دور "الأشرار" حتى وإن لم يكن جميعهم كذلك. وسيواجه الجمهور اليوم كما واجه في عام 1992، صعوبة في تحديد مميزات الثقافات الشرق الأوسطية المختلفة، بشكل يتجاوز منطق "الشرق" المُعمم. ويظهر الرقص الشرقي والرقص الهندي المستوحى من أفلام بوليوود، والعمائم والكوفيات، واللهجات الإيرانية والعربية، بشكل متبادل.

نعومي سكوت في دور ياسمينا (صورة رسميّة)
نعومي سكوت في دور ياسمينا (صورة رسميّة)

وكما لا تنجز التعديلات "الإيجابية" المتمثلة بشخصية المسلم "الجيد" في قصة عن الإرهاب، تغييرات جدية على الصورة النمطية السائدة، فإنه ما من تأثير كبير للتعديلات الإيجابية في قصة عن الشرق المثير. يتطلب التصوير التعددي، تجاوز هذه الاستعارات البالية، وتوسيع أنواع القصص التي تُسرد.

بالطبع، فإن فيلم "علاء الدين" الجديد، يسرد قصّة خيالية، لذا، قد تبدو مسألة دقّة التوصيفات أمرا مُبالغ به. كما أن الفيلم مُضحك جدا، ويتألق فيه كل من مينا مسعود ونعومي سكوت وويل سميث في أدوارهم. لكن على مدار القرن المنصرم، أنتجت هوليوود أكثر من 900 فيلم يُنمّط العرب والمسلمين، بأنماط قاسية تأجيجية تؤثر على الرأي العام والسياسيات.

وإذا كان هناك 900 فيلم لا تصوّر العرب والإيرانيين والمسلمين على أنهم إرهابيون، أو بشكل استشراقي مُثير، فإن فيلم "علاء الدين" كان سيعتبر "تسلية محضة".

وإلى أن يتم ذلك، سيعين علينا انتظار جنيّ يُخرج تصوّرات أكثر تلونا وتنوعا من المصباح.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية