اليمين المتطرف "التقليدي" الجديد في أوروبا

اليمين المتطرف "التقليدي" الجديد في أوروبا
من انتخابات البرلمان الأوروبي في فرنسا (أ ب)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨"، بتصرف لمقال الكاتب والمؤرخ البريطاني اليساري ديفد رينتون:


تنبع المشكلة الأساسية في محاولة استيعاب نتائج الانتخابات الأوروبية، من مدى اتساع القارة وتنوعها اللذين يصلان إلى حدٍّ تتطابق فيه في كل نزعة سياسية ظاهرة، فمثلا؛ تُشيرُ القراءة الأكثر شيوعا لنتائج الانتخابات التي انتهت الأسبوع الماضي، إلى أنها شهدت انتصارا لليمين المتطرف الذي لطالما شكّل تهديدًا.

ومما لا شك فيه، أنّ نتائج الانتخابات كانت مُرضية للقوميين، إذ إن حزب "رابطة الشمال" الإيطالي وحزب "بريكست" الداعي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ اثنين من بين الأحزاب الثلاثة التي سوف ترسل أكبر عدد من الممثلين إلى البرلمان الجديد في بروكسل، في حين أن حزب "الجبهة الوطنية" الفرنسي بقيادة مارين لوبن، حصل على المرتبة الأولى في فرنسا، ومع ذلك، شهدت بعض الدول ركودا في التصويت لليمين المتطرف أو حتى هبوطًا حادًا في عدد أصواته.

وتقلصت في هذه الدورة، أصوات ثلث القوى اليمينية المتطرفة التي شاركت في انتخابات عام 2014 أيضا، وأكثر حالتين مثيرتين للانتباه، هما حالتا حزب "يوبيك" المجري الذي هبط من 15 مقعدا إلى ستة مقاعد فقط، و"الفجر الذهبي" اليوناني الذي خسر ثلاثة مقاعد بعد أن كان يحظى بتسعة. ومن بين الخاسرين الآخرين كان هناك حزب "من أجل الحرية" الهولندي، والذي تعود خسارته جزئيا إلى توزع الأصوات على مختلف الأحزاب اليمينية المتطرفة في البلاد، وحزب "الشعب" الدنماركي، الذي هبط تمثيله نتيجة لتفاقم تبجح أحزاب المركز في الدنمارك بتزايد مناهضتها العنصرية للهجرة، وحزب "الحرية" النمساوي الذي انخفض بنسبة 3%، ربما أقل مما كان متوقعا في ضوء أزمته الأخيرة.

(أ ب)

وفي الوقت ذاته، لم تتحقق العديد من النتائج الكبيرة التي كانت متوقعة، ففي حين حصل حزب اليمين المتطرف الإسباني "فوكس"، على 10% من أصوات الانتخابات العامة في البلاد في نيسان/ إبريل الماضي، فإن عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأوروبية لم يتجاوز الستة بالمئة. وفي ألمانيا، ظهر نمط مشابه، إذ تقلصت أصوات حزب "البديل من أجل ألمانيا" باثنين بالمئة مقارنة بنتائجه في الانتخابات الفيدرالية عام 2017.

وفي المحصلة، شهدت أصوات اليمن المتطرف ارتفاعا وثباتا، ولم تكن الانتخابات بمثابة نصر مبين بالنسبة له، فالنجاح الكبير للأحزاب اليمنية المتطرفة كان قد حصل بالفعل في السابق، ويرتبط هذا بتغيير في نموذجها التنظيمي، فإذا كان اليمين المتطرف منذ ثلاث سنوات يستخدم تعبئة الشارع والحملات الإلكترونية للمراوغة في افتقاره للدعم المؤسساتي في السياسة أو في وسائل الإعلام التقليدية، فإن أحزابه الأكثر نجاحًا انضمت اليوم إلى التيار السائد، وباتت أحزاب مثل "رابطة الشمال" و"الجبهة الوطنية" وحزب "بريكست"، تُشبه المؤسسات التي يزعم قادتها أنهم يحتقرونها، بشكل متزايد.

الاستقطاب

لا يعني هذا إنكارَ نجاحِ اليمين المتطرف باستقطاب المجال السياسي من حوله، وفي الواقع، استطاعت أحزاب المركز في العديد من البلدان، تعزيز قوّتها الانتخابية، وتحديدا من خلال تقديم نفسها، على أنها الحل الأمثل لتحدي تمرد اليمين المتطرف، ففي بولندا، فاز حزب "ائتلاف أوروبي جديد" بنسبة 38% من الأصوات، وهو ما لا يكفي للتغلب على حزب "العدالة والقانون" المهيمن، لكنها نتيجة تُقربه منه. وفي فرنسا، يمكن لائتلاف الرئيس إيمانويل ماكرون، "الجمهورية إلى الأمام"، أن يشكر حزب "الجبهة الوطنية" (يمين متطرف) على دوره في تحفيز الناخبين الليبراليين على الخروج، وإن كان ذلك ببعض من الريبة، والتصويت لائتلاف الرئيس وضد لوبن. وكانت نية هؤلاء ترمي لمجابهة "الجبهة الوطنية"، مشرفة أكثر من مساعي حزب الخصخصة الذي استفاد من هذه الغاية (حزب ماكرون).

ويمكن قول أمورٍ مشابهة حول النتائج التي حصلت عليها الأحزاب البريطانية في الانتخابات، إذ إن "الديمقراطيين الليبراليين" انتعشوا قليلا ليحصلوا على 19% من مجمل الأصوات البريطانية، ولا يزال يُذكر الحزب على نطاق واسع لدوره الكارثي في التحالف التقشفي مع "المحافظين" الذي امتد منذ عام 2010 وحتى عام 2015، مع المحافظين، في مرحلة بلغت قمة السياسات النيوليبرالية في بريطانيا.

(أ ب)

ومع ذلك، فمن الواضح أن كثيرا من الناخبين اليساريين، أو أولئك الذين يميلون إلى أحزاب المركز، أخذوا بعين الاعتبار أنه بالنظر إلى فرص فوز حزب "بريكست" الكبيرة، فإن حصول بديل آخر رافض لبريكست على أعلى نسبة من الأصوات سيشوه فوز الأول، ولسوء الحظ، إذا كانت السياسة البريطانية تنتقل إلى دورة جديدة يتم فيها التنافس على السلطة بين أحزاب تُعلن بشكل صريح موقفها ضد أو مع خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي، فلن يكون لدى نايجل فاراج، خصم أكثر ترحيبًا من الديمقراطيين الليبراليين. إن خنوع هؤلاء للأغنياء وازدرائهم للذين أدنى منهم، يعني أن ليبراليتهم الاجتماعية غامضة، لكنهم مستعدون لإسقاط أي من هذه المبادئ في أول شعور بالسلطة.

وشهدت الانتخابات أيضا نجاحا لـ"الخُضر"، بسبب معارضتهم لبريكسيت والاستياء العام من الاشتراكيين الذين اختاروا التحالف مع يمين المركز، إذ ارتفعت نسبة التصويت لهم بـ11% في بريطانيا. وفي ألمانيا، صوت الناخبون للتحالف "الأخضر" المعني بالمواضيع البيئية، بنفس القدر الذي صوتوا به للحزب "الديمقراطي الاجتماعي"، و "حزب اليسار"، مجتمعين. كما فاز البيئيون بمقاعد في فنلندا وفرنسا وإيرلندا والبرتغال.

يدافع الليبراليون والخضر عن الاتحاد الأوروبي، لكن اليمين المتطرف استهدف الاتحاد الأوروبي باعتباره "المؤسسة" التي يحاربها، وبذلك قد استخدم تكتيكات متنوعة في مسعاه هذا، ففي الولايات المتحدة والهند والبرازيل؛ نما اليمين على مدار الأعوام الثلاثة الماضية من خلال استغلال سلسلة من التحالفات الدولية، والإنترنت بشكل أساسي.

ووبدا اليمين قادرا على تبادل الأفكار والأموال عبر الحدود، مع وجود أمثال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب ومساعده السابق وكبير مستشاريه للشؤون الإستراتيجية، ستيف بانون، (وكذلك حكومتي روسيا وإسرائيل) في الساحة السياسية العالمية، والذين يتولون دور الرعاة العالميين حتى للأحزاب الصغرى المؤمنة بالفوقية العرقية البيضاء.

(أ ب)

في المقابل، تبنى اليمين السائد أفكارا من المفاهيم اليمينية المتطرفة، فقد قبل مثلا، المزاعم بأن المسلمين يشكلون تهديدًا حضاريًا للغرب وأن الهجرة تعني، بحكم تعريفها، إخضاع العرق الأبيض.

وتشير نتائج الانتخابات الأوروبية، إلى أن القوى اليمينية المتطرفة الأسرع نموا، هي تلك التي تبتعد عن الفاشية الكلاسيكية، وتتشابه أحزاب مثل "يوبيك" و "الفجر الذهبي" مع الفاشية الكلاسيكية بشكل كبير، إذ إن كليهما يملك جيشا خاصا، كما أنهما استخدما العنف ضد المهاجرين والخصوم السياسيين، لكن قوتيهما تضعضعتا على مدار الأعوام الماضية، وفي حالة "يوبيك" المجري، فإن ضعفه نبع من حقيقة أن الاستبداديين الحاكمين للبلاد، يتبعون أساليب أكثر نجاعة منه. لقد انتقلت النزعة المحافظة المجرية بالفعل إلى أقصى اليمين، وازداد "الضغط" من أجل تقليص ظاهرة الفاشيين الصريحين.

أما في حالة "الفجر الذهبي" اليوناني، فإن هبوط تأييده يأتي جزئيا من دفع التعبئة المناهضة للفاشية القضاء إلى محاكمة قادة الحزب، لكن، أيضًا، لأنه واجه تحديا من حزب "الديمقراطية الجديدة" اليمين مركز، فالأخير، انتقل إلى تبني شعارات مثل تلك التي يُعبر عنها ترامب، والتي تتعهد بـ"سحق" الخصوم اليساريين، وشن الحرب ضد المهاجرين، ومعاداة قوانين عدالة جنسانية كحق التحول الجنسي. ودخل "الديمقراطية الجديدة" في حالة تُشبه أحزاب كثيرة موجودة في الدول الأخرى، وأصبح حزبا انتخابي يزدهر في المساحة الواسعة ما بين المحافظة والفاشية.

لقد استفاد اليمين المتطرف غير الأوروبي، منذ عام 2016، من التغذية الأيديولوجية التي قدمها له اليمين السائد. يمكن رؤية شيء من هذه السيرورة في انتخابات الاتحاد الأوروبي الأخيرة، ففي بريطانيا، كان المحافظون هم الذين هيئوا الظروف لنشوء حزب "بريكست"؛ أولا من خلال الدعوة إلى استفتاء عام 2016 حول عضوية الاتحاد الأوروبي، ثم بالفشل في الاتفاق على شكل من أشكال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي يقبله حتى غالبية المحافظين، ثم في المراحل النهائية من الحملة الانتخابية للاتحاد الأوروبي نفسها، عندما شجع عدد من النواب المحافظين في البرلمان البريطاني، الدعم الشعبي لحزب "بريكست"، وأخبروا الصحافيين أنه يجب على حزبهم التفاوض على نوع من التحالف معه.

التنظيم بالطريقة القديمة

وبنفس الطريقة، إذا كان من السهل رؤية ارتفاع اليمين المتطرف في معيار الابتكارية، فهناك أيضًا نقاط التقاء بينه وبين أنماط قديمة من سياسات اليمين المتطرف، فعلى عكس الأحداث الصاخبة التي وقعت قبل عامين، عندما بُنيت نجاحات اليمين حول التعاون الدولي والتنظيم عبر الإنترنت، كانت القوى التي حققت أكبر نجاح في الانتخابات الأوروبية عام 2019، هي القوى التي اعتمدت بشكل أقل على دعم وسائل التواصل الاجتماعي والتي تصرفت مثل الأحزاب قديمة الطراز.

وبالطبع، على الرغم من التغطية الواسعة لصحيفة "ذي غارديان" الليبرالية والتحذيرات من التأثير الهائل الذي من المفترض أن عبقرية ستيف بانون، الشريرة، ستحدثه على الانتخابات الأوروبية، فإن الواقع يُشير إلى أن تأثيره كان ضئيلا أو معدوما، بل إن منظمته "الحركة" تعثرت، والحزب اليميني الأوروبي الوحيد الذي دعمه بشكل صريح، هو "حزب الشعب" البلجيكي، الذي حظي بأقل من 2% من الأصوات، ولم يصل منه أعضاء للبرلمان الأوروبي، وحتى بانون، سافر برحلة يائسة تلو الأخرى، لعدة دول أوروبية، زاعما أن له الفضل في نجاح الآخرين.

وهذا واضح، أيضًا، حتى في الدولة التي تسعى فيها "الحركة" إلى تأسيس "مدرستها الدولية"، حيث يحتل مشروع "رابطة الشمال" مساحة اليمين السائدة بشكل متزايد، وعلى الرغم من نجاحه الكبير في الانتخابات الإيطالية في آذار/ مارس 2018، (إذ ارتفع عدد أصواته من 4 إلى 17%)، لم يتمكن حزب ماتيو سالفيني، من الوصول إلى منصبه إلا بالتحالف مع حركة "الخمس نجوم" المتغيرة أيديولوجيًا، ومع ذلك لم يعد الحزب في هذه المرحلة من التنظيم، ومنذ ذلك الحين تفوق على "الخمس نجوم" ونجح في إثارة أصوات الناخبين الذين كانوا يدعمون في السابق حزب الرئيس السابق، سيلفيو برلسكوني، "فورزا إيطاليا"، ما أدى إلى إنشاء فروع محلية لحزب محافظ وطني عبر إيطاليا.

(أ ب)

ووُضع النموذجين التنظيميين، بشكل مباشر ومعاكس في بريطانيا، حيث اضطر حزب نايجل فاراج، "بريكست"، إلى التغلب على حزبه السابق "استقلال بريطانيا"، وبالطبع، بدا الأخير في وضع جيد جدا في معايير وجهة النظر التنظيمية، إذ كان له اسم معروف بين البريطانيين، فقد حصد ملايين الأصوات في انتخابات الاتحاد الأوروبي عام 2014، والانتخابات العامة الداخلية عام 2015، وحظي بدعم شخصيات يتابعها الملايين في مواقع التواصل الاجتماعي مثل اليميني المتطرف تومي روبنسون، قبل أن تُغلق إدارة "فيسبوك" جميع حساباته (بسبب العنصرية والأخبار الزائفة)، أو مثل اليميني كارل بنجامين، مرشح "استقلال بريطانيا" عن جنوب غربي بريطانيا، الذي كان يتابع الملايين سخريته من الاغتصاب على موقع "يوتيوب".

وخلال عامَي 2017 و 2018 ، شارك روبنسون وقائد UKIP جيرارد باتن، في بعض الاحتجاجات العامة، والتي تُعدّ بعضها، إحدى أكبر الاحتجاجات التي نظمها البريطانيون اليمينيون المتطرفون.

وكانت المناورة التي قام بها فراج تكمن تحديدا في تصوير "استقلال بريطانيا" على أنه تخطى الحدود (الحمراء)، بحجة أن تحالف الحزب مع أمثال روبنسون أظهر أنه قد تطرف كثيرا وعَبَر الخط إلى التطرف الصريح، ما يعني، أن حزب "بريكست" سعى إلى التفاخر بعد عنصريته مستغلا خطاب النأي بالنفس عن اليمين المتطرف، وقد انعكس نجاح هذه الحجة في النتائج التي حققها الطرفان في نهاية المطاف، فبالإضافة إلى حصوله على المركز الأول على المستوى الوطني، فاز حزب فراج بعشرة أضعاف أصوات حلفائه السابقين في "استقلال بريطانيا"، بل لم يفز الأخير بأي مقعد في البرلمان الأوروبي، بينما فاز تومي روبنسون (الذي كان مستقلًا في شمال غربي بريطانيا) بنسبة 2 % فقط وفقد رصيده، وبالنسبة لرجل لطالما فضل الشارع على البرلمان، فإن هذه المغامرة في السياسة الانتخابية كانت بمثابة مهانة.

تشير الاختلافات بين عامَي 2016 و2017، وبين اليوم، إلى أن هناك مرحلة مختلفة من النجاح اليميني المتطرف، فقبل ثلاثة أعوام، كان اليمين المتطرف في الصدارة؛ فقد كان بحاجة إلى أن يرقى إلى استغلال النماذج والأساليب السياسية الجديدة من أجل تقديم نفسه كبديل ضد المؤسسة، وزادت علاقته مع سياسيي الشارع من جاذبيته، حتى عندما كانت هذه الشخصيات تعبر عن الفاشية بطريقة واضحة، أما اليوم وعلى النقيض من ذلك، ففي حين حقق اليمين المتطرف فوزه في الماضي، فإنه يمرّ اليوم بفترة ترسيخ. وأصبحت أجزاؤه الجامحة مصدر إحراج لسياسييه.

اعتاد جيل مختلف من المثقفين، المتجذّرين في اليسار، الحديث عن حرب الموقف: ليس "حرب المناورة" التكتيكية، بل معركة أفكار طويلة قد لا تُحدد نتائجها لعقود. والآن، يستعد اليمين المتطرف، لمعركة كهذه، مُبعِدا نفسه عن مظهره الأكثر تطرفًا بينما يسعى إلى اختراق التيار المحافظ. يجب على منهاضي الفاشية أن يجهزوا أنفسهم بالمثل: إذا كان أقصى اليمين سيُجبر على التراجع عن القواعد التي يحتلها الآن، فسيكون هذا العمل لسنوات عديدة.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية