بإمكان المكسيك تجنب ترامب.. لكن إلى متى؟

بإمكان المكسيك تجنب ترامب.. لكن إلى متى؟
(أ ب)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨"، بتصرف لمقال البروفيسور المتخصص في شؤون أميركا اللاتينية، جورج ج. كاستانييدا.


قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، إنه يعتزم فرض رسوم جمركية على واردات الولايات المتحدة من المكسيك بنسبة 5 بالمئة، بدءا من العاشر من حزيران/ يونيو الجاري، مما سيزيد أسعار البضائع المكسيكية بشكل تدريجي.

وقد تواجه المكسيك مشكلتين كبيرتين بإعلان ترامب: الأولى هي ما تسمى بـ"أزمة الهجرة" على الحدود الأميركية المكسيكية، والثانية، هي الاتفاقية الأميركية الكندية المكسيكية، التي ستستبدل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا). ويجب على الرئيس المكسيكي، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، معالجة كلتا القضيتين في الوقت ذاته، لكنه غير مستعد بشكل جيد للتعامل معهما.

ترامب يهدد برفع الرسموم الجمركية (أ ب)

اتبع لوبيز أوبرادور منذ وصوله إلى الحكم، إستراتيجية تجنب مواجهة ترامب بأي ثمن. وبعد ساعات من إعلان ترامب عن الرسوم الجمركية، أرسل الأول رسالة ردا على خطاب "أميركا أولا" الخاص بترامب. لكنه أشار، محافظا على ضبط النفس، إلى أنه يفضل الحوار على المواجهة.

ويعود موقفه الفاتر هذا لأمر بسيط جدا، وهو أن لوبيز أوبرادور مصمم على التركيز على جدول أعماله المحلي. وهو ينظر إلى قضايا السياسة الخارجية على أنها عوامل إلهاء عن مسعاه هذا، لكن العلاقات بين المكسيك والولايات المتحدة هي قضية مكسيكية داخلية بامتياز، فالتجارة والهجرة والمخدرات والأمن والاستثمار هي جميعها أولويات على الساحة السياسية الداخلية في المكسيك، مثلها مثل معظم الأمور المتعلقة بأميركا الوسطى. ويبدو أن لوبيز أوبرادور لا يدرك ذلك.

عندما بدأ الرئيس المكسيكي بتقديم المزيد من تأشيرات الدخول الإنسانية للقادمين من أميركا الوسطى في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، لم يستوعب أن معظم هؤلاء المهاجرين القادمين إلى الحدود مع الولايات المتحدة، لا يرغبون بالبقاء في المكسيك.

لوبيز أوبرادور يواصل المهاودة (أ ب)

كما أنه استخف بشكل هائل بهوس ترامب بالهجرة، ظنا منه أن الأمر لا يتخطى كونه دعاية انتخابية (وهو كذلك جزئيا)، ومع تضخم التدفق الهائل للمهاجرين إلى الحدود المكسيكية الأميركية، تفجرت انفعالات ترامب تماما.

للتهديد الذي أطلقه ترامب غرض واحد فقط، وهو إجبار المكسيك على تقليل عدد مهاجري أميركا الوسطى الذين ينتقلون عبر البلاد إلى الولايات المتحدة بأعداد هائلة.

وفي هذا السياق، شدد القائم بأعمال وزير الأمن الداخلي الأميركي، كيفن ماكالينان، الأحد الماضي، على أن هناك ثلاثة مواضيع تريد الولايات المتحدة العمل عليها مع المكسيك.

أولا، سيتحتم على المكسيك توقيع الاتفاق الذي دفعت به إدارة ترامب منذ العام الماضي، والذي يقضي بأن تعلن عن نفسها "دولة عالم ثالث آمنة". وهذا سيعني أن المهاجرين غير المكسيكيين الذين يصلون إلى الحدود المكسيكية الأميركية، لن يحظوا بالمؤهلات لتقديم طلب للجوء في الولايات المتحدة، بحيث لن يُسمح لهم أيضا دخول الولايات المتحدة من أجل المشاركة في جلسات استماع حول ما إذا كانت أوضاعهم تستدعي الحصول على لجوء أم لا، لأن وجودهم في المكسيك سوف يُعتبر "آمنا".

ثانيا، تُطالب واشنطن المكسيك بشن حملة كبرى ضد ما تُطلق عليه الأولى تسمية "المنظمات الإجرامية العابرة للحدود" التي تُنظم نقل المهاجرين عبر المكسيك. أما القضية الثالثة، فإن الولايات المتحدة تُريد من المكسيك أن تقوم بإغلاق حدودها مع غواتيمالا، أو على الأقل إغلاق برزخ تيهوانتيبيك، الذي يبلغ عرضه أكثر من 160 كيلومترًا، وهو أضيق نقطة حدودية بين المكسيك وغواتيمالا.

لقد منح ترامب المكسيك مهلة 10 أيام للموافقة على شروطه، ولا يجدر بها أن تفعل ذلك. فبالإضافة إلى كون الشروط مُهينة، فلا تستطيع المكسيك أن تتحول إلى جنّة آمنة لمهاجري أميركا الوسطى.

ورصدت إحصائيات وزارة الأمن الداخلي الأميركية، منذ كانون الثاني/ يناير الماضي، احتجاز أكثر من 490 ألف مهاجر على الحدود الأميركية. والذين نُقل منهن نحو ستة آلاف شخص إلى المكسيك في انتظار جلسات الاستماع، فيما يُعرف باسم برنامج "البقاء في المكسيك" [1]، الذي وافق عليه لوبيز أوبرادور بشكل مخز في العام الماضي.

وبموجب اتفاق "دولة عالم ثالث آمنة"، من المرجح أن تُلقي إدارة ترامب بهؤلاء المهاجرين الهاربين من العنف في بلدانهم في المكسيك. وأشارت وزارة الأمن الداخلي الأميركية، إلى أنها تُقدر أن ذلك سيعرض نحو مليون مهاجر للخطر، ما لم يتم اتخاذ إجراءات فورية لحمايتهم.

كما أن إغلاق برزخ تيهوانتيبيك، سيعني مراقبة الهجرة ومنعها على امتداد حدود يبلغ طولها نحو 160 كيلومترًا في الغابات. وإذا ما كانت عواقب رفض شروط ترامب، والتي تصل إلى حد الابتزاز، هي زيادة الرسوم الجمركية على الواردات المكسيكية بنسبة خمسة أو حتى 10 بالمئة، فليكن. لقد هبطت قيمة البيزو المكسيكي بأكثر من 2 بالمئة الأسبوع الماضي؛ وإذا ما أُضيفت ثلاثة بالمئة للتعويض عن الزيادة الأولى، فلن يكون لها أي تأثير تضخمي ويمكن أن تعوض عن تأثير التعريفات الجديدة. كما أن ذلك ليس أمرًا غير تقليدي في التجارة الدولية: الصين تفعل الشيء ذاته في أحيان كثيرة.

وحتى يقوم ترامب بفرض دفعة إضافية من الرسوم الجمركية، فإن حلفاء المكسيك في الولايات المتحدة، قد يتخذون بعض الإجراءات المضادة. والتي قد تشمل تحديات قانونية لسلطة الرئيس في تطبيق هذه التعريفات، والضغوطات التي سيمارسها المصدرون الأميركيون الذين تضرروا من الرسوم الجمركية المفروضة على المكسيك وتندرج تحت دعاية انتخابية وتعويضية، إضافة إلى أنه قد تكون هناك مقاومة سياسية شاملة لقرار ترامب، بما في ذلك من أعضاء إدارته. علاوة على ذلك، فإن تدفقات الهجرة في الصيف قد تتباطأ بسبب حرارة الصيف القاتلة. ومع ذلك، فقد يكون من المستحيل للمكسيك مواجهة رسوم جمركية بقيمة 25 بالمئة.

لكن مسألة اتفاقية التجارة لا تزال أكثر تعقيدًا. فقد قامت كل من المكسيك وكندا بإرسال بنود الاتفاقية الثلاثية الجديدة مع الولايات المتحدة، إلى سلطاتها التشريعية في انتظار التصديق عليها، منذ فترة وجيزة. وهو اتفاق لا معنى له دون المصادقة الأميركية. وهذه العملية تتطلب أغلبية بسيطة في كلا المجلسين، النواب والشيوخ، والنافذة السياسية والانتخابية التي يُمكن للدولتين استخدامها لإقناع الديمقراطيين بالتصويت لصالحهما صغيرة وتتقلص باستمرار. ويخشى معظم المراقبين أنه إذا لم تأخذ رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، الاتفاقية إلى قاعة المجلس بحلول أواخر آب/ أغسطس، للمصادقة عليها، فسيتم تأجيل أي مداولات فعليًا إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية عام 2020. وبالنظر إلى العداء الحالي بين الديمقراطيين في مجلس النواب والبيت الأبيض، فمن الصعب معرفة ما يمكن أن تكسبه بيلوسي من خلال استرضاء ترامب.

وإذا لم تصادق الإدارة الأميركية على الاتفاقية خلال الفترة القريبة المقبلة، فإن الضرر الذي ستتكبده المكسيك هائل، لأن ذلك سوف يثير حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين الذين يشعرون اليوم بالقلق إزاء بعض سياسيات لوبيز أوبرادور الاقتصادية. سيكون هذا صحيحًا بشكل خاص إذا انسحب ترامب من اتفاقية "نافتا" الحالية، وهو أمر هدد بفعله في مناسبات مختلفة. ولم يتبق للوبيز أوبرادور، سوى المناورات السياسية للأسف.

وقد يكون رهان الرئيس المكسيكي الأفضل، حتى وإن كان بعيدا كل البعد عن المثالية، أن يطلب من ترامب ورئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، أن يأجلا الاتفاقية التجارية الثلاثية الجديدة إلى ما بعد انتخابات 2020، لتجنب تسييسها، واستمرار العمل بـ"نافتا" حتى ذلك الحين. حيث أنه غير مهيأ للتعامل مع اتفاق كان يتعارض معه طوال حياته المهنية. فلسنوات كان يشكّك في اتفاقيات "نافتا" وسائر الاتفاقيات التجارية الحرة بشكل عام. ومع ذلك، ابتداءً من العام الماضي، أصبح مؤيدًا متحمسًا للاتفاقية الجديدة، دون إدراك العقبات التي ستواجهها في كونغرس الولايات المتحدة. إن قلة حزمه تضعف موقف حكومته.

تمر المكسيك والولايات المتحدة الآن، بإحدى أكثر اللحظات توترا في علاقاتهما منذ عقود، وهو ما كان متوقعًا على نطاق واسع. ولقد فشلت سياسة الإصرار على تجنب مواجهة ترامب مهما يكن ومهما حدث، التي اتبعها لوبيز أوبرادور. ولا يوجد أمامه اليوم سوى خيارات قليلة وبدائل محدودة، لكن الحكومة المكسيكية، على الأرجح، ستواصل الركوع باستمرار للإدارة في واشنطن، التي ستواصل الاعتراض والتصعيد رغم أي خضوع مكسيكي.

[1] برنامج "البقاء في المكسيك" – هو برنامج أطلقته الولايات المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر 2018، والذي تقوم السلطات بموجبه بإجبار المهاجرين غير المكسيكيين الذين قُبلوا للتقديم لجلسات الاستماع، بانتظار معالجة طلبات تقديم اللجوء، والتي قد تمتد لأشهر طويلة، في المكسيك، ما قد يعرضهم للخطر. 

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية