"دولة واحدة ونظامان": مشاكل جمّة

"دولة واحدة ونظامان": مشاكل جمّة
احتجاجات ضد سياسة "دولة واحدة ونظامان" الصينية في هونغ كونغ (أ ب)

 

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب ٤٨"، بتصرُّف:


كشفت الاحتجاجات الضخمة التي اندلعت في هونغ كونغ مؤخرا عن مخاوف جديدة بشأن جدوى سياسة "دولة واحدة ونظامان" التي تتبعها الصين؛ وفي العاشر من حزيران/ يونيو 2019، أعربت وزارة الخارجية الأميركية عن قلقها من أن "استمرار تآكل 'دولة واحدة ونظامان' كإطار عمل، يهدد مكانة هونغ كونغ الخاصة الراسخة منذ فترة طويلة في العلاقات الدولية".

وهدفت سياسة "دول واحدة ونظامان"، التي ابتكرها رئيس جمهورية الصين الشعبية، دنغ شياو بينغ، في أوائل الثمانينيات إلى اندماج سلمي (أو إعادة اندماج، من وجهة نظر بكين) للمناطق التي كانت مستعمرة في السابق، عن طريق منحها وضعية شبه مستقلة مقابل الاعتراف بوجود "صين واحدة" (وهي الصين الشعبية). وهي فكرة وافقت كل من ماكاو وهونغ كونغ رسميا عليها، فيما تستمر تايوان بمقاومتها بشدة، لكنها باتت مشكوك فيها لدى جميع الأطراف.

وتعهد الرئيس الصيني شي جينغ بينغ، في تموز/ يوليو 2017، خلال الاحتفالات بذكرى مرور 20 عاما على تنازل بريطانيا عن سيطرتها على هونغ كونغ للصين في 1997، بـ"التطبيق الثابت لسياسة دولة واحدة ونظامان" في هونغ كونغ. لكن الاحتجاجات التي اندلعت في هونغ كونغ مؤخرا ضد قانون "تسليم المجرمين" المثير للجدل، والذي دفعت به الرئيسة التنفيذية لهونغ كونغ، كاري لام، تُظهر أحدث مثال على انكشاف الاختلاف بين رؤية بكين وهونغ كونغ للنظامين في ظل "الدول الواحدة".

وكان التدقيق الصارم الذي قامت به بكين للمرشحين لمنصب الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ بحلول أواخر عام 2014، قد أدى إلى احتجاجات واسعة قادتها حركة "المظلة" التي تطالب بإجراء اقتراع عام للسكان، وهو هدف طويل الأجل للقانون الأساسي لهونغ كونغ. وتحت الإكراه الواضح من بكين، اتخذت الحكومة المحلية في هونغ كونغ أيضا عددا من الإجراءات التي أثارت غضب السكان بشكل هائل، والتي كان من بينها إقالة المشرعين المنتخبين بسبب مواقفهم المؤيدة للديمقراطية، وسجن قادة الحركات المؤيدة للديمقراطية، وحظر حزب "هونغ كونغ الوطني" بسبب إيمانه بالاستقلال، واستهداف أولئك الذين ينتقدون طريقة تعامل بكين مع هونغ كونغ.

ويؤدي هذا بشكل متزايد إلى تدفق بعض الثقة في تايوان المجاورة لها، والتي تُعتبر الهدف الرئيسي التي سنت بكين من أجله قانون الدولة الواحدة والنظامين. حيث أنه لطالما كان "البر الرئيسي" (أي الصين كما نعرفها اليوم) يطمح إلى "إعادة توحيد سلمي"، أي خضوع تايوان طوعيا له، في مقابل تعهد بكين بأن جزيرة تايوان سوف تحظى بأنظمة قانون وحكومة خاصة بها.

احتجاجات مساندة لتايوان وضد السياسة الصينية في هونغ كونغ (أ ب)

وفي الثاني من كانون الثاني/ يناير الماضي، أحيا الرئيس الصيني الذكرى الـ40 للرسالة الصينية "إلى الإخوة المواطنين في تايوان"، مساويا، ولأول مرة، بين الصين الواحدة وما يسمى بـ"إجماع 1992"، الّذي كان عبارة عن اتفاقية مزعومة بين مسؤولين صينيين وبين الحزب التايواني الحاكم آنذاك (المعارضة اليوم)، "الكومينتانغ"، وتقضي باعتراف تايوان بوجود صين واحدة، شريطة أن يحظى الطرفان بـ"تفسيرات مختلفة" لما تعنيه الصين الواحدة، بعد إتمام الاتفاق.

وقبل خطاب شي الأخير، كانت بكين تسمح بانتشار رسالة حزب "الكومينتانغ"، لكنه تخلى عن هذا التوجه بوضوح خلال خطابه. وبالإضافة إلى ذلك، أكد شي، كما فعل جميع القادة الصينيين منذ دنغ، على أهمية وجود دولة واحدة ونظامين كنموذج حي وحيد لقابلية وجود علاقات عبر المضيق.

لكن القبول بـ"إجماع عام 1992" كان احتمالًا هشًا لتايوان أصلا، خاصة في عهد الرئيسة تساي إنغ ون، التي ردت على خطاب شي بخطاب مضاد قالت فيه: "إننا لم نقبل قط بإجماع 1992، ولن تقبل تايوان على الإطلاق بدولة واحدة ونظامين". وبعد أن انتُخبت تساي عام 2016 كمرشحة للحزب "الديمقراطي التقدمي" الذي يميل لفكرة الاستقلال، أثبتت أنها رئيسة براغماتية للغاية، حيث أنها لا تسعى للاستقلال ولا للتخلي عن سيادة تايوان للصين، بينما تقوي علاقاتها بالولايات المتحدة.

وتشجعت الآن لمواصلة نهجها هذا، في أعقاب فوزها الأساسي على رئيس الوزراء السابق، المرشح المؤيد للاستقلال وليام لاي. وتنتظر تساي لمنافسة مرشح "الكومينتانغ"، الذي من المحتمل أن يكون أكثر ميلًا إلى الصين، في انتخابات كانون الثاني/ يناير عام 2020. وكانت الفرصة سانحة أمام بكين لتعزيز فرص "الكومينتانغ" للفوز في الانتخابات المُقبلة، بعد فوزه الساحق في الانتخابات المحلية في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لكن شي، اختار بدلاً من ذلك، التشديد مرّة أخرى على مقترحي "إجماع عام 1992"، و"دولة واحدة ونظامان"، اللذين لا يتمتع كلاهما بأي شعبية تقريبا في تايوان. ولا يزال من غير الواضح كيف سيقوم كومينتانغ بمواجهة هاتين القضيتين، لكن الحزب رفض بالفعل خطاب شي.

لقد كانت ماكاو، قصّة النجاح الوحيدة في هذه السياسة، وهي مستعمرة برتغالية سابقة سُلمت لبكين عام 1999. وبالطبع، حذر الأكاديميون من الرقابة المتزايدة نتيجة لاندماج ماكاو في إطار "دولة واحدة ونظامان"، ومن قمع الشرطة عام 2014، لمحاولة ناشطين مؤيدين للديمقراطية، الدفع باتجاه استفتاء عام حول إعادة انتخاب الرئيس التنفيذي، فرناندو تشوي، والذي كان يذهب باتجاه دور ثانية دون معارضة تذكر. وفي الغالب، تُعتبر مقاومة سكان ماكاو لسياسة "دولة واحدة ونظامان"، قليلة نسبيا. والأهم من ذلك، أن النظام القضائي في ماكاو يبدو غير مضطرب.

وقد يكون الدافع الرئيسي لماكاو، هو الاهتمام المحدود نسبيا بالحفاظ على بيئة أعمال دولية مواتية، تستند إلى قوانين على النمط الغربي، نظرًا لتركيزها الأساسي على صناعة الألعاب وانتشار الكازينوهات في الجزيرة. أما الدافع لآخر، فقد يكون بأن سكان المنطقة يولون الأولوية للتنمية الاقتصادية التي يمكن أن تجلبها الصين إلى ماكاو بدلًا من الحفاظ على حرياتهم المدنية. وأما الإجابة التاريخية، فهي أنه في أعقاب الاحتجاجات الضخمة التي هزت المستعمرة البرتغالية عام 1966، وافق البرتغاليون، قبل فترة طويلة من تسليمها للصين، على دمج عناصر الحزب الشيوعي الصيني في حكم ماكاو، تاركين للجزيرة القليل من المقاومة.

ولكنّ هناك ساحة معركة مستقبلية قلّما يُناقش أمرها، إلّا أنّها ربما تكون ذات أهمية كبيرة بالنسبة لسياسة "دولة واحدة ونظامان"، في السنوات المقبلة، وهي جزيرة كينمن التي تديرها تايوان، والمعروفة أيضًا باسم كيموي، وهي تقع على مقربة من "البر الرئيسي" للصين، ما يجعلها تميل أكثر إلى الصين من تايوان. فكانت كينمن سباقة إلى إجراء اتفاقية مع الصين عام 2001، شبيهة باتفاقية "الروابط الثلاث" التي أجرتها تايوان عام 2008 مع الصين، حول النقل، والخدمات البريدية، والتجارة. ومؤخّرًا، وافقت كينمن على مساعدة بكين لتطوير البنية التحتية في شكل خط أنابيب لمياه الشرب العذبة من البر الرئيسي.

علاوة على ذلك، أعرب حاكم مقاطعة كينمن المنتخب حديثًا، يانغ تشنغ وو من حزب "الكومينتانغ"، عن دعمه لخطط صينية إضافية لتزويد الجزيرة بالغاز والكهرباء وبناء جسر لربط كينمن بمطار شيامن الصيني في المستقبل. كما يريد يانغ أن يرتفع منسوب السياحة بين كينمن والبر الرئيسي من مليوني مسافر متوقع هذا العام إلى 30 مليون بحلول الوقت الذي تنتهي فيه ولايته في عام 2022. وسافر في كانون الثاني/ يناير، إلى مقاطعة فوجيان لمناقشة هذه المجالات المقترحة للتعاون.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوات بعيدة كل البعد عن دعم سياسة "دولة واحدة ونظامان"، إلا أن قبول يانغ للدور الصيني المتزايد في شؤون كينمن يجب أن يقلق تايبيه (عاصمة تايوان)، فلن تكون هذه هي المرة الأولى التي تكون في كينمن قيادة مؤيدة للصين، فقبل أن يغادر نائب الحكام السابق وو تشيرنج دين، منصبه في آب/ أغسطس الماضي، كان يسعى إلى عدم رفض "دولة واحدة ونظامان"، كما أنه سعى إلى زيادة عدد المقيمين الدائمين الصينيين الذين يعيشون في الإقليم ويشترون عقاراته، واستخدام عملة الرنمينبي الصينية. وادعى وو أيضا أن كينمن يجب أن تُصبح "شبه جزيرة" للصين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن تايوان لا تقدر كينمن، من وجهة نظره.

وتعزّز مثل هذه التعليقات وجهة النظر الصينية الّتي ترى أنّ سياسة "دولة واحدة ونظامان" تحتاج إلى وقت فقط، وربما قليل من الإقناع لتحقيق النجاح في نهاية المطاف. وحتى الأخطاء الصينية التي ارتكبتها الصين سواء في هونغ كونغ أو تايوان، لم تقلل من ميل شي إلى تطبيق هذه السياسة بشروطه الصارمة. ومن غير المعروف ما الذي يدفعه إلى هذه الصرامة، فقد يكون الأمر مرتبطًا بضرورة قيام شي بإثبات قوته داخليًا للحفاظ على السيطرة أو ببساطة نتيجة للثقة المفرطة في قدرات الصين على توسيع الشبكة الإدارية لبكين. وفي كلتا الحالتين، فإن هذه السياسة موجودة لتبقى.

ومع ذلك، يبدو أيضًا أن هذه السياسة التي تتبعها بكين تُبشير بالخير فقط عندما لا يشكل أي طرف تحديا لها، تمامًا كما في ماكاو. وتبقى احتمالات تبني تايوان أو كينمن الخاضعة لسيطرتها، لهذه السياسة، طوعيًّا، قليلة جدا، على الرغم من بعض الحماس المحلي في كينمن. فيما أُجبرت هونغ كونغ على الاندماج في المعادلة، وقد أدى ذلك إلى كارثة على الزعماء الصينيين، الذين حاولوا بشكل أخرق طرح روايات مضادة، مثل إلقاء اللوم على الجهات الأجنبية، بهدف تفسير ما قد تكون أكبر مظاهرات في تاريخ العالم التي تقع تحت أعينهم.

للمضي قدمًا، ينبغي على الولايات المتحدة والغرب ككل مراقبة الأنشطة الصينية ضمن هذا الترتيب والعمل مع سكان هونغ كونغ لكبح جماح بكين. وعليهم أن يدعموا قرار تايوان برفض دولة واحدة ونظامين، وإذا ما تغير ذلك، فعليهم التأكد من أنه قرار صُنع بحرية دون إجبار صيني.