متظاهرو هونغ كونغ يستلهمون فلسفة المواجهة من بروس لي

متظاهرو هونغ كونغ يستلهمون فلسفة المواجهة من بروس لي
ثمثال لبروس ليي في هونغ كونغ (Pixabay)

في ما يلي ترجمة خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف:


تسبب إضراب شامل على مستوى مدينة هونغ كونغ، والذي أُجريت فيه سلسلة من الأنشطة المناهِضة للشرطة، في الخامس من آب/ أغسطس الجاري، بإغلاق جزء كبير من المدينة التي تُعد مركزا ماليا عالميا، لتدخل الاحتجاجات أسبوعها التاسع، وأُلغيت على إثر ذلك، أكثر من 150 رحلة طيران من هونغ كونغ، وشُلَّت حركة قطارات المترو بشكل كامل، وأغلقت البنوك الكبرى فروعها، وتلقت البورصة ضربة قاسية.

وكانت أعداد كبيرة من المتظاهرين الذين ارتدوا الملابس السوداء، من فئة المراهقين، أو الشباب في العشرينات من أعمارهم. كيف استطاع هؤلاء شلَّ مدينة بهذا الحجم؟

حرّكت مؤسسة تُطلق على نفسها اسم "جبهة حقوق الإنسان المدنية"، المتحالفة مع جميع الحركات الديمقراطية في هونغ كونغ، بما يشمل عشرات الأحزاب السياسية، والمؤسسات غير الحكومية، مظاهرات ضخمة على امتداد المدينة، منذ بِدء الحركة الاحتجاجية، وشارك في إحداها مليونا شخص في الآن ذاته.

أصحاب الملابس السوداء (أ ب)

لكن المجموعات التي تصدرت المظاهرات، من متظاهري الخط الأمامي، تبنت تكتيكات وإستراتيجيات للتعبير عن معارضتها بطرق تُشبه حرب العصابات، بدلا من التجمعات المنظمة مُسبقا. تتلخص الفلسفة الأساسية التي تُحرك تصرفات هؤلاء الشبان ذوي الملابس السوداء، بعبارة "كن كالماء" المستوحاة من الفكرة التي طرحها الممثل المتمرس بالفنون القتالية، بروس لي، في إحدى أفلامه، والتي يشرح فيها طريقة التغلب على ما يبدو أنه خوف لا يُقهر، والتي قالها على النحو التالي: "أفرغ عقلك، كن بلا شكل، وبلا صيغة، كالماء... فالماء إما يتدفق أو يصطدم. كن ماءً يا صديقي". 

وطور المتظاهرون المفهوم إلى أبعد من ذلك، إذ إنهم طرحوا شعارًا يحمل أربعة مبادئ: "كن صلبا كالثلج، وكن سائلا مثل الماء، وتجمع/ تكثف مثل الندى، وتبعثر/ تفرق مثل الضباب".

يُقرُّ أصحاب الملابس السوداء، بأن الناس يبالغون في تصورهم على أنهم أبطال يقاتلون من أجل الحرية، ولقد سمعت أكثر من فرد منهم يقول: "نحن جميعًا خائفون، ولكن إذا كان ذلك السبب لألا نفعل شيئًا، فإن مستقبلنا سيتحطم".

ولقد ترسخ مفهوم بروس لي، في قلوبهم، ودرسوا الطُرق التي استخدمها المدنيون في إسطنبول، والقاهرة، وأماكن أخرى من العالم، للحدَّ من تأثير الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل.

وشكّل بعضهم مجموعات صغيرة، يغطي أفرادها وجوههم بأقنعة، ويحملون معهم إشارة مرور مخروطية الشكل، "طوروها" منزليا، ليضعوها على قنابل الغاز المسيل للدموع، ومن ثم يسكبون الماء من فتحة في طرفها، لإبطال تأثيرها الكيميائي، بينما يقومون باستخدام المظلات لحجب وجوههم عن كاميرات الشرطة.

وقد وجد آخرون التطبيق الأمثل لإطفاء عبوات الغاز عن طريق قطع إمدادات الأوكسجين عنها، مستخدمين أغطية أواني الطهي (الطناجر).

وشارك أصحاب الملابس السوداء، مقاطع فيديو عبر حساباتهم في موقع "يوتيوب"، وسائر مواقع التواصل الاجتماعي، توثق المظاهرات التي اندلعت أثناء حركة "احتلوا وول ستريت" الاحتجاجية في الولايات المتحدة، واحتجاجات الربيع العربي، واحتجاجات منتزه غيزي بتركيا، وتلك التي قامت بها حركة "السترات الصفراء" في باريس، مؤخرا، ليلهموا المتظاهرين في طرق مكافحة شرطة هونغ كونغ، أو لنشر توثيق بصري لما يُمكن أن تبدو الحملات الأمنية التي تشنها قوات الأمن ضد المتظاهرين.

وامتزجت نصوص مثل تلك التي كتبها الزعيم الشيوعي الصيني، ماو تسي تونغ، بعنوان "حرب الشوارع"، والتي تصف تكتيكات ساحة المعركة غير المتناسقة التي نفذتها الأجنحة المسلحة في الحزب الشيوعي الصيني ضد القوات اليابانية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، بفكرة "كن كالماء" لتحريك العشرات، بل المئات، من الناس من منطقة إلى أخرى بكفاءة عالية. وتُتخذ القرارات المتعلقة بالإيقاف والتخطيط للإجراءات بشكل فوري، مع مراعاة التخطيط الجغرافي للطرق، وطرق الخروج التي يقترحها السكان المحليون.

ويعي المتظاهرون الذين درسوا تكتيكات ماو، المفارقة في استخدام كلمات القائد الصيني العظيم، فيما يقومون بتطبيقها في احتجاجاتهم التي اندلعت جزئيا، للرد على تجاوزات بكين المتزايدة والواضحة، في حكم هونغ كونغ، لكن أحد أصحاب السترات السوداء التي كُتب عليها "فن الحرب"، أوضح لي حاجة المرء لاستيعاب عدوه، وإلا واجهَ الهزيمة والخطر الدائمين.

وبالفعل، نجح المتظاهرون في تطبيق الفكرتين، وبحلول وقت متأخر من بعد يوم الإثنين، في الخامس من آب/ أغسطس، تمكن أصحاب الملابس السوداء من احتلال المناطق العامة في ستة مقاطعات على الأقل، بشكل مؤقت، وكذلك جزء من مطار هونغ كونغ، وكان الهدف المفترض للمتظاهرين في معظم الحالات، أن يحافظوا على تواجد مؤقت، مع تحديد تكتيكات الانسحاب واحتلال مواقع جديدة عن طريق تدفق المعلومات حول حركة الشرطة، المنشورة في منتدى عبر الإنترنت يسمى LIHKG أو التواصل عبر تطبيقات المراسلة.

وتكمن الفكرة في ذلك، بإجبار الشرطة على محاولة مواكبة مجموعات متنقلة من المتظاهرين الذين لا يحملون متاعا ثقيلا، ما قد يقلل من طاقة ومعنويات قوات الأمن من خلال تكرار التحركات طوال الوقت، وتقليل عدد عمليات الاعتقال، فقد اعتُقل المئات منذ بدأ الاحتجاجات.

ويوجه أصحاب الملابس السوداء، الشتائم للشرطة بشكل مستمر، ويصفونهم بالفاسدين، أو بالكلاب أو بأنهم ينتمون لعصابة الثالوث الصيني، وبالمقابل، يدعي أفراد الشرطة بأن المتظاهرين عديمو الجدوى ويصفونهم بالقمامة والصراصير، وقد يكون ذلك بسبب ملابسهم السوداء وتحركهم بأسراب. 

وتواجه شرطة هونغ كونغ حاليا استياء كبيرًا ومعارضة من الجمهور. وفي الأيام القليلة الماضية، قام عناصرها عن طريق الخطأ بالقبض على أجانب لا علاقة لهم بالاحتجاجات، واختنق المسنون في منازلهم بسبب إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع بشكل عشوائي، ولاحقوا المتظاهرين في المجمعات السكنية، مهاجمين كلّ من كان خارج منزله، رافضين حتى أوامر الضابط القائد بالتراجع.

(أ ب)

ومع ذلك، كان غياب الشرطة واضحا، كلما ظهرت مجموعة من الرجال المسلحين الذين ارتدوا القمصان البيضاء (وهم أفراد عصابات هاجموا المتظاهرين). وفي يوم الإثنين ذاته، قام أحد أفراد هذه المجموعات المسلحة، بضرب المتظاهرين بأعمدة من الخيزران؛ وعلى بعد 20 كيلومترا عن موقعه، خرجت عصابة أخرى مسلحة بالشفرات والهراوات متعطشين للدماء، ما أدى إلى ضرب الناس وطعنهم.

وفي محاولة لفهم كيف أصبحت الشرطة قوة لها أجندتها الخاصة المنفصلة عن المجتمعات في كل مناطق المدينة، وعلى استعداد للتعاون مع "بلطجيين" من "العالم السُفلي"، كما يُزعم، سعى بعض أصحاب الملابس السوداء إلى الحصول على إجابات من كتب مثل "أصول الشمولية" و"التأثير الشيطاني- كيف يتحول الأشخاص الجيدين إلى أشرار".

ويشبه محتجو هونغ كونغ، في ظاهرهم، مجموعات التكتلات السوداء اللامركزية (بلاك بلوك)، حيث تخفي الأقنعة والأغطية هويات الأفراد، لكنهم امتنعوا عن إلحاق أضرار بالممتلكات، والتي تُشكل تقليدا لدى هذا النوع من المجموعات في أوروبا، رأينا آخرها في باريس، وحتى أثناء المصادمات التي دارت في مراكز التسوق، كان متظاهرو هونغ كونغ حذرين، وعندما اقتحموا مقر هونغ كونغ التشريعي، كانت هناك لافتات وُضعت لتذكير جميع المتظاهرين الذين دخلوا بأنه يُمنع المس بالكتب والأشياء الثقافية، ولا بد من الحفاظ عليها، وأنه لن يكون هناك تساهل مع سارقيها.

وعندما حوصرت مراكز الشرطة، من قبل المتظاهرين، وأُتلفت بعض محتوياتها، أشار أحد المنتديات عبر الإنترنت إلى مركز بعينه يصنف على أنه مبنى تاريخي وموقع تراثي، ليتراجع المتظاهرون على الفور.

ولعبت القرارات المماثلة التي تندرج تحت شعور عام لدى المتظاهرين باحترام الثقافات التي تُعرف هونغ كونغ كمدينة لها تاريخ طويل، دورا مهما في الدعم الشعبي لأصحاب الملابس السوداء الّلذين يُعتبرون رأس الحربة في المظاهرات. وإذا كانت المظلة رمزا للحركة الداعمة للديمقراطية التي غيرت جميع الحسابات السياسية في هونغ كونغ منذ ما يقرب خمس سنوات، فإن القبعة الصلبة (الواقية)، والنظارات الواقية، وقناع الغاز، هي أشياء أصبحت مثالا على إعصار المعارضة الحالي، المتفشي في جميع أنحاء المدينة. حتى أن بعض المتاجر باتت تبيع هذه الأدوات الثلاث في حزم، وبسعر التكلفة أحيانا.

ويلتزم أصحاب الملابس السوداء، بإجراءات واسعة النطاق، تبدأ من تعطيل حركات المرور وتنتهي بردود الفعل الأكثر راديكالية. وعلى سبيل المثال، فإن العلم الصيني أُزيل أكثر من مرّة من أحد المعالم الأساسية في المدينة، الأمر الذي دفع بالرئيس التنفيذي السابق للمدينة، بعرض مكافئة تبلغ 127 ألف دولار لكل من يدلي بمعلومات تؤدي إلى محاكمة الأشخاص الضالعين بإلقاء العلم.

(أ ب)

وفي أماكن أخرى، قامت مجموعات صغيرة بإلقاء الحجارة وأشياء أخرى باتجاه أماكن يقيم فيها ضباط في الشرطة، ما أثار انتقادات. وألقى البعض الزجاجات الحارقة أيضا، في مصف السيارات التابع لمركز الشرطة، ومع ذلك، يتمثل أحد الركائز الأساسية للاحتجاجات في عدم ترك أي شخص في ساحة المعركة، وبأن يدعم المتظاهرون بعضهم البعض بغض النظر عن النتائج، بينما يقومون بإلغاء التكتيكات التي قد تخلق مواقف هم بغنى عنها.

وحتى الآن، لا يزال هذا المبدأ قائما، ويبدو أن أًصحاب الملابس السوداء اكتسبوا دعما إضافيا من أبناء المدينة، كما أن ولاءهم لبعضهم البعض منقطعُ النظير.

وفي الأماكن العامة، ولا سيّما في أنفاق القطارات، لا يعتمد المتظاهرون على نقل المعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي فحسب، بل أيضا عبر خدمة "إير دروب" الخاصة بأجهزة "آبل" التي تتيح نقل الملفات من جهاز إلى آخر، مما يبقي المواطن على اطلاع على آخر التطورات بطريقة مباشرة.

وانطلاقا من إدراكهم لأهمية التواصل مع الناس، وصل أصحاب الملابس السوداء إلى حد عقد مؤتمرهم الإعلامي الأول، الثلاثاء الماضي، لـ"موازنة احتكار الحكومة" لنشر المعلومات، وحتى عندما واجهوا أسئلة الصحافة، فإنهم عبروا عن فلسفتهم (المستوحاة من بروس لي)، لتصبح أحد الشعارات التي تُعرف كل متظاهر يرتدي الملابس السوداء. وردا على سؤال حول كيف يمكنهم الرد في حال تدخل جيش التحرير الشعبي الصيني، قال أحدهم: "بالطبع نحن خائفون. ولكن إذا حدث ذلك، فأنا متأكد من أن كل أبناء هونغ كونغ سيعرفون كيفية الرد، وسيكونون كالماء، وسننام في منازلنا".

وبين تأملات مُعلم الكونغفو المعاصر، والمقاتل الذي بات خبيرا إستراتيجيا في المعارك القديمة، والمفكرين المعاصرين، تتواجد رؤية أصحاب الملابس السوداء، الواضحة، وهم نتاج مدينة ترفض التلاشي تحت الحكم الشيوعي. وأصبح الغضب المتدفق في الشوارع كل نهاية أسبوع، الأمر الطبيعي، لا العكس، ومع اشتباكات تجري عدة مرات طوال بقية الأسبوع.

المتظاهرون يقتحمون مقر البرلمان (أ ب)

وبالنسبة لأولئك الذين في السلطة، فإن الفوز يعني العودة إلى الوضع الراهن السابق، أما أصحاب الملابس السوداء، فإن النتيجة المقبولة لهذه المظاهرات، هي مسألة أكثر تعقيدًا وتكسيرا للوضع السائد، كما يرى معظم سكان هونغ كونغ أيضا.

أما إشارات الحزب الشيوعي الصيني فقد كانت في غاية الوضوح، ونشرت وسائل الإعلام الحكومية شريط فيديو لشرطة شينزين أثناء تدريبات عناصرها، للتعامل مع موقف يشبه ما يجري في شوارع هونغ كونغ.

وحذّر الناطق باسم المكتب الرئيسي في بكين، يانغ غوانغ، الذي يتولى شؤون هونغ كونغ، من "الأيدي السوداء" (القوى الأجنبية) من وراء الاحتجاجات، ودعا أهالي هونغ كونغ إلى الدفاع عن وطنهم. ربما أخطأ يانغ المذكرة: هذا بالضبط ما يفعلونه.