عرب كوبا المخفيّون

عرب كوبا المخفيّون
فصل للرقص العربي للبنات في مقر الاتحاد العربي في كوبا (Alex Ray)

في ما يلي ترجمةٌ خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف


وسط ألحان آلات النفخ النحاسية والإيقاعات المختلفة، التي تُسمع أصداؤها على امتداد شارع باسيو ديل باردو، الرئيسي، في العاصمة الكوبية، هفانا، يُسمع صوت آخر أيضا؛ صيحات الزغاريد الاحتفالية المدوية.

تصدر هذه الزغاريد، عن درس للرقص العربي الذي تقدمه إليكسيا سيلفيا رودريغز، في مقر مبنى الاتحاد العربي في كوبا.

يتميز المبنى المكون من طابقين، عن المباني المحيطة به، بالحروف العربية واللوحات الفرعونية الباهتة التي تزخرف واجهته، وفي الطابق الأوسط العلوي، تتمايل 12 بنتا تتراوح أعمارهن بين الثامنة والثانية عشر عاما، على ألحان عربية وكوبية، بين الأوشحة الملونة، فيشاركن في دورة صيفية يقدمها الاتحاد العربي في كوبا، الذي أُسس قبل 40 عاما، ليمثل الشتات العربي والمنحدرين من أصول شرق أوسطية.

وتقول رودريغيز، التي درست في مدرسة ليتز ألفونسو للرقص في هافانا: "نرقص رقصا عبارة عن مزيج من رقص الفلامنغو والرقص العربي، والذي يحظى بشعبية كبيرة لدى شركات الرقص الكوبية. ليس لدي تراث عربي... لكنني أحب هذا النمط".

أثَّر المطبخ العربي على الطعام الكوبي (ALEX RAY)

كيف وصل العالم العربي إلى كوبا؟

قد يكون التاريخ العربي في كوبا، من عمر الدولة بحد ذاتها، فقد استولى كريستوفر كولومبوس على الجزيرة، لصالح إسبانيا عندما رست سفنه فيها في 28 تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1492، أي بعد عدّة أشهر من سقوط غرناطة، آخر مملكة إسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية، على يد جيوش النظام الملكي المسيحي.

وخلال القرون السبعة التي سبقت هذه اللحظة، رسّخت الثقافة الإسلامية نفسها في الأندلس، وكانت اللغة العربية، والمأكولات والرقص، عناصرَ لا يمكن فصلها عن الثقافة الإسبانية، وهذا تسبب في وصولها أيضا إلى البحر الكاريبي مع سفن كولومبوس.

ولا يزال من الممكن مشاهدة وضوح التأثير العربي على الثقافة الكوبية بعد مرور خمسة قرون على انهيار غرناطة، إذا ما تم البحث عنه بشكل جيّد.

وتتراوح الأمثلة على ذلك، بدءا من "أروز مورو" (الأرز المغاربي)، الطبق الرئيسي من الأرز والفاصوليا السوداء، إلى المداخل الطويلة التي تفتح على فناءات داخلية عالية السقف تعرض الفن المعماري المدجن الذي يذكر بالمدن العربية القديمة، وهو الفن الذي يُطلق عليه الإسبان "موداجار"، وهو فن هجين يجمع بين الفن المعماري الإسلامي الأندلسي ونظيريه؛ الإسباني المسيحي، واليهودي الموريسكي.

من بين الطلاب في جامعة هافانا لاجؤون سوريون ويمنيون (Wiki / Anton Zelenov)

وتظهر الأصول العربية أيضا في القمصان الكوبية الشهيرة باسم "غواييرا"، والتي تحتوي على صفين من الطيات في مقدمة القميص ومؤخرته.

وقبل أن يصل فيدل كاسترو إلى السلطة عام 1959، كان العرب بارزين لدورهم في صناعة النسيج، فقد صمم الخياط اللبناني سعيد سلمان حسين، قمصان الـ"غواييرا"، وجعلها عصرية، بسبب امتلاكه متجرا للملابس في سانتا كلارا خلال ثلاثينيات القرن العشرين.

ومن تداعي الإمبراطورية العثمانية، وصولا إلى الحرب السورية الحديثة، هاجر المهاجرون العرب مثل حسين، إلى كوبا بحثًا عن حياة أفضل.

وقال سامر، الطالب السوري الذي يدرس في جامعة هافانا، والذي طلب عدم استخدام اسمه الحقيقي لأنه يهرب من التجنيد الإلزامي في سورية: "أفضل قتل نفسي على المشاركة في تلك الحرب. لقد ذهب أشقائي جميعًا إلى أوروبا، لكن بالنسبة لي، كانت كوبا إحدى الخيارات الوحيدة المتاحة أمامي".

وذكر سامر أنه يعرف عدّة شبّان سوريين آخرين، هاربون من التجنيد الإلزامي، وحاصلون على تأشيرة بقاء طويلة الأمد في كوبا، كما أنه تعرف أيضا على طالب يمني في جامعته، قدّم طلب لجوء.

نصب تذكاري للاجئين شرقيين في هافانا (wiki)

وأثناء تجوله في شوارع هافانا، يقارن سامر الحياة في سورية أثناء الحصار الاقتصادي، بكوبا المُقاطعة، ويقول إن "السوريين ليسوا معتادين على الوقوف في طوابير مثل الكوبيين. وتسبب نقص البنزين في سورية في وقت سابق من هذا العام بحالة من الفوضى، لكن هنا اعتادوا على الوقوف في طوابير من أجل الحصول على أي شيء".

ويواجه سامر الصعوبات اليومية التي يواجهها جميع الكوبيين، ويقول إن "بعض المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والفاصولياء، والقهوة، تُعد رخيصة الثمن، لكن هناك أمور أخرى مثل المكالمات الهاتفية والإنترنت والطعام الجيد، أغلى من الأسعار في سورية".

الهجرة الجماعية إلى كوبا

يُعدُّ "البيت العربي" الفخم، الذي شُيّد في القرن السابع عشر، ذروة الثقافة العربية الملموسة في هافانا القديمة، فهو يحتوي على متحف للتراث العربي ويضم غرفة للصلاة للمسلمين، كانت حتى فترى قريبة المصلى الوحيد في المدينة، إلى أن شيدت حكومتا تركيا والسعودية مصلى جديدًا، ومسجدا بين عامَي 2015 و2017.

وتشمل معالمه العربية نافورة داخلية، وبلاطا في غاية التعقيد، وطاووسا أُطلق عليه اسم علي، يتجول يوميا في المبنى.

كما يحتوي على مكتب مدير المتحف، المؤرخ ريغوبيرتو مينينديز، الذي وصف الوجود العربي في كوبا على أنه "ذو تأثير كبير، وشكّله التضامن الذي مارسته كوبا مع مختلف الشعوب العربية في نضالها من أجل الاستقلال والعدالة".

وقال إن "هناك ما يصل إلى 50 ألفا من أحفاد المهاجرين العرب في كوبا اليوم، واستطعت تمييز نحو 1000 صيغة من الأسماء العربية التي تحولت لللاتينية بين الأسر الكوبية".

وأضاف: "كان الاستيعاب أسهل كثيرًا من بلدان أميركا اللاتينية الأخرى لأن الحكومة الكوبية لم تكنّ كراهية للأجانب وكانت بحاجة للهجرة في أوائل القرن العشرين".

وحدثت أكبر هجرة عربية بين عامَي 1860 و1920، وكان معظم المهاجرين من مسيحيي لبنان وفلسطين وسورية الحديثة الفارين من الاضطرابات في الإمبراطورية العثمانية.

وعلى مر الأجيال، أصبحت الألقاب العربية أقرب إلى اللاتينية، فمثلا تحول اسم درويش إلى دريتسي، ووهبي، إلى وييبي. وتُعرف النساء أحيانًا باسم "لا موريسكا" (المرأة المغاربية).

النافورة والفناء والطاووس (Alex Ray)

ووصل أسلاف الأسترالية نيكول خوري، إلى كوبا خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، والتي سافرت إلى الشرق الأوسط ومنطقة البحر الكاريبي للبحث عن جذور عائلتها.

وقالت: "لقد تأقلم جدي وجيله من العرب، بشكل سريع بالحياة الكوبية، وتمكنوا من تحدث الإسبانية بطلاقة. كانوا يطلقون علينا في ما مضى 'لوس مورس'" وهي التسمية الإسبانية للمغاربة.

وقال المؤرخ مينينديز إن "مثل هذه المصطلحات (التي أُطلقت على العرب) لم تكن مهينة ولكنها كانت تعبرا عن القوة والنبل. والفنان والكاتب الكوبي فياض جاميس، الذي كان والده لبنانيًا، أُطلق عليه اسم ’المورو’ أيضا".

وعمل العديد من المهاجرين العرب، بما في ذلك عائلة خوري، كباعة متجولين وتجار، وفي المصانع المملوكة للولايات المتحدة بعد الاستقلال الكوبي في عام 1902، لكن انخفاض أسعار السكر عالميا، والكساد الكبير، ضربا الاقتصاد الكوبي بشدة، وبحلول الثلاثينيات من القرن العشرين، واجه المهاجرون العرب الذين وصلوا إلى الجزيرة خيبة أمل وشعروا بالعار إذا ما عادوا إلى بلادهم مفلسين.

وغادر كثيرون منهم في ستينيات القرن الماضي عندما أمَّم كاسترو المؤسسات الخاصة، إلى دول أخرى ليست أوطانهم.

وقد هاجرت عائلة خوري على سبيل المثال، إلى الولايات المتحدة وأستراليا، ويعرف مينديز بعض الأشخاص من عائلتي بيضون ورعد (اللبنانيتين)، الذين عادوا إلى يارون في جنوب لبنان لكنهم ما زالوا يُعدّون طعامًا عبارة عن مزيج من المطبخ الكوبي والعربى.

النضال المشترك ضد الاستعمار

يمكن استشعار التأثير العربي على كوبا، في الأدب أيضا، والذي عادة ما يُشير إلى التضامن والحرية بين الشعبين، والفرصة لإنشاء علاقات مع الشرق الأوسط.

وكتب البطل الكوبي خوسيه مارتي، قبل وفاته في عام 1895، في خضم حرب الاستقلال التي خاضها الكوبيون ضد إسبانيا: "بدون التعظيم الزائف أيها العربي، أحيي حريتك، وخيمتك، وخيلك...".

وعبَّرت أعمال كثيرة كتبها، بما في ذلك الأشعار كتلك التي عنونها بـ"العرب" أو "لنكن كالمغاربة"، عن التضامن مع الثورات العربية التي ناضلت ضد الاستعمار في المغرب ومصر، في القرن التاسع عشر. وفي عام 2019، تعد كوبا واحدة من الدول القليلة التي اعترفت باستقلال الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، واستضافت رئيسها.

وعلى نفس المنوال، فإن كتاب الروائي اللبناني، أمين معلوف، الذي ألفه عام 2008 ويتناول تاريخ أسرته؛ تتبَّع هذا النمط من الاحترام المتبادل بين الشعبين، من خلال رسائل كتبها عمه جبرائيل معلوف عام 1912، الذي أشاد بكوبا المستقلة حديثًا باعتبارها أرض الفرص والوعود.

وتزامن انتقال كوبا من الرأسمالية إلى الاشتراكية في ظل كاسترو مع العقود الأخيرة التي شهدت ردّة عن الاستعمار العالمي وإحياء التضامن المناهض للإمبريالية مع الدول العربية من الجزائر إلى سورية.

وحتى قبل أن يصل كاستور إلى السلطة، كانت كوبا الدولة الأميركية اللاتينية الوحيدة التي صوتت ضد تأسيس إسرائيل عام 1947، في الأمم المتحدة، وقال مينينديز إن التصويت يعكس "الصوت الداخلي للعرب الكوبيين"، وتاريخ النضال الكوبي لتقرير المصير ضد الإمبراطورية والاستغلال.

وولد رئيس الاتحاد العربي الكوبي، ألفريدو دريتسي، لأب فلسطيني، ولا يزال مؤيدا للقضية الفلسطينية، لكنه يقول إن الاتحاد يركز على أمور أكثر ابتعادا عن السياسية في الوقت الحالي، مضيفا: "لطالما كنا ضد التمييز، ومرحبين بأي عربي يسعى للتواصل أو دعم كوبا".

ألفريدو يحمل صورة التُقِطت له أثناء زيارة لكاسترو (Alex Ray)

ولا تزال متاجر الكتب القديمة في هافانا مثل "ليبريا فينيسيا" تبيع الملصقات الأصلية للزعيم المصري الراحل، جمال عبد الناصر، وكذلك مقتنيات أخرى بعضها كُتب باللغة العربية، وتمجد صراعات الحرب الباردة الأخرى.

روح النجاة

يقع مطعم "شاورما بيروت" في ضاحية فيدادو العصرية المطلة على البحر، وهو أحد المطاعم القليلة التي تقدم المأكولات الحلال في كوبا، ويديره السوري إلياس حداد، من مواليد قرية مجدل الشمس في الجولان السوري المحتل، نيابة عن مالكه السوري وائل منصور.

وقال حداد إن المطعم يعمل مع جزار يمني مؤهل ويطلب شراء الخبز العربي الخاص به. وتعرض المطعم إلى خسائر في عامه الأول في 2017، لكنه تعافى منذ ذلك الحين.

وأضاف حداد أنه "ما من ضمانات للمصالح الخاصة في كوبا، وهذا ما يجعل إدارتها صعبة إلى حد ما، فبعكس الدول الرأسمالية، فإن التغييرات في القوانين متكررة ولا يمكن التنبؤ بها".

لقد درس حدّاد الهندسة في كوبا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ومن ثم عاد إلى سورية بعد أن قضى 12 عاما من شبابه في كوبا، برفقة زوجته الكوبية، أولغا ليديا، وابنه نيقولا، لكن الحرب السورية دفعت عائلته إلى العودة إلى كوبا، حيث انضموا إلى المجموعة الجديدة من العرب الفارين من الاضطرابات في الشرق الأوسط إلى واحدة من الدول القليلة التي تستقبلهم بسهولة.

وذكر حداد أن بعض اللاجئين السوريين في كوبا، يحصلون على دعم مادي من الأمم المتحدة، وأضاف: "فيما ظن بعضهم أنه بإمكانهم القدوم إلى كوبا ومن ثم ركوب قارب للذهاب للولايات المتحدة. لم يفهموا صعوبة دخول الولايات المتحدة. لقد تزوجت ابنتي من كوبي يعيش في ميامي، ولا زلت لا أستطيع زيارتها".

أجبرت الأوضاع في سورية إلياس حداد وعائلته على العودة إلى كوبا (ALEX RAY)

مع ذلك، هناك قيود قانونية في البلاد، فالقوانين الكوبية التي تشترط على أصحاب الأعمال والشركات الأجنبية أن يكون لديهم شريك كوبي تجعل من الصعب على الأفراد الوافدين الانضمام إلى مؤسسات القطاع الخاص الناشئة أو الملكية الخاصة، لكن روح المبادرة المرنة التي أظهرها أول المهاجرين العرب إلى كوبا ما زالت قائمة. بالنسبة إلى سامر، يأتي الإلهام من بار الكوكتيلات الشهير في العاصمة، "فاجوما"، المملوك من قِبل رجل الأعمال اللبناني، فرانسيس زهار بالشراكة مع الكوبي ليوناردو ليجوين، وقال سامر: "ربما يمكننا (سامر والمراسل) أن نقيم شركة تجارية هنا، ليس الآن لكن في غضون بضع سنوات".