ماذا بعد بولتون؟

ماذا بعد بولتون؟
ترك بولتون البيت الأبيض بطريقة مهينة (أ ب)

في ما يلي ترجمةٌ خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف:


إن تغطية الأحداث المتتابعة في واشنطن في عصر إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مجهود مضنٍ وكئيب، لكن الثلاثاء كان يوما نادرا للشعور بالبهجة. إنّه اليوم الذي أُقيل فيه مستشار الأمن القومي، جون بولتون، من منصبه.

وعلى جميع الأميركيين، وملايين الناس حول العالم، أن يعتبروا أنفسهم محظوظين جدا لأن بولتون فشل أثناء 17 شهرا أمضاها في البيت الأبيض، بتحقيق ما يسعى إليه دائما، وهو شن الحروب. وهذا ليس لأنه لم يحاول القيام بذلك، ففنزويلا وإيران وكوريا الشمالية، خير أمثلة على ذلك. لكنه، ولأسباب مختلفة، لم ينجح في مجهوده. والآن، غادر هذا الرجل المعروف بفكره أحادي البعد حول الشؤون الدولية، البيت الأبيض، بعدما تعامل مع الدبلوماسية على أنها أداة السُذّج، معتبرًا أن القوة العسكرية هي الأداة الوحيدة لحل الخلافات السياسية.

ولنأمل أن يقضي بقية أيامه دون أن يفعل أي شيء أسوأ من الحصول على راتب جيد من "مجاهدي خلق"، المجموعة المتطرفة الانشقاقية الإيرانية الإرهابية، التي تضغط بقوة في واشنطن على القوة العسكرية الأميركية لإسقاط الحكومة في طهران وتنصيبها مكان السلطة القائمة اليوم.

تمنحنا مغادرة بولتون الفرصة للتفكير بمن أو ماذا سيخلفه في أعلى مراتب صناع السياسات الخارجية في إدارة ترامب. الإجابة على ذلك أقل وضوحا مما يجب أن تكون، لأن الحزب الجمهوري وطريقة التفكير المؤسساتية في العاصمة، أصبحت أكثر اندفاعا نحو مسائل السياسات الداخلية، مما كانت عليه في العقود التي خلت، ووجود ترامب هو أحد المسببات الرئيسية لذلك.

ولملاحظة كيفية حدوث ذلك، من المهم استيعاب طريقة التفكير في السياسات الخارجية قبل حملة ترامب الانتخابية عام 2016.

بوش خلال حرب العراق (أ ب)
بوش خلال حرب العراق (أ ب)

تتخذ الخلافات حول السياسة الخارجية في العاصمة، ثلاثة أبعاد مختلفة؛ الأول، المعركة الدائرة بين الواقعيين و"المبدئيين"؛ والثاني، العدائيون في مواجهة المرتدعين؛ أما الثالث، فهو الصراع بين الأحادية والتعاون المتعدد الأطراف. والمحافظون الجدد الذين يحظون باهتمام إعلامي بالغ، ينتمون لفئة أحاديي التوجه العدائيين والمبدئيين، فهم يؤمنون بأن استخدام الجيش من شأنه نشر القيم الأميركية حول العالم، وأن القيام بهذه الخطوة يُفيد كل شخص حسن النوايا على الكوكب. ومن الواضح أن هذا ما فضلوا اتباعه في العراق عام 2003، لكن المحافظين الجدد، استخدموا المنطق ذاته في تبرير ودعم مجموعة واسعة من السياسات العدائية الأخرى على مدار الأعوام الماضية.

لكن الأمميين الليبراليين الذين انتقدوا عدم تدخل الرئيس الأسبق، بيل كلينتون، لإيقاف الإبادة الجماعية في رواندا، والذين دفعوه إلى اتخاذ موقف ضد تصرفات صربيا في يوغوسلافيا سابقا، والذين وافقوا على شن الحرب على العراق، والذين أقنعوا الرئيس السابق، باراك أوباما، بالإطاحة بحكومة معمر القذافي في ليبيا، وهم أشخاص مثل هيلاري كلينتون، وسوزان رايس، وسامانثا باور. وهم، أيضًا، يبرّرون العدوانية بالمبدئية (عدوانيون مبدئيون)، ولا يختلفون بالجوهر مع المحافظين الجدد، إلا في ميلهم إلى العمل بالتنسيق مع الحلفاء، من خلال منظمات كبيرة متعددة الأطراف، كالأمم المتحدة كخيار أول، والناتو كخيار أقل رواجا.

ولا ينتمي بولتون لكلا المعسكرين، فهو يؤمن بأنه لا مكان للقيم الأخلاقية في صياغة وتطبيق السياسات الخارجية. فهو يهتم فقط بتطوير المصالح الأميركية كما يفهمها، باستخدام القوة أو التهديد بالقوة. وهذا يجعله واقعيًا أحاديًا شديد العدوانية.

وكان من السهل نسب بولتون للجمهوريين الجدد خلال حكم جورج بوش الابن، لأن السنوات التي تلت هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، كانت بمثابة فترة ازدهار لتكرار المعاني بتصريحات مختلفة، والتي أقنع أشخاص أذكياء، بطريقة أو بأخرى، أنفسهم بأن جميع الأمور الجيدة تتسق مع بعضها البعض. وهو توجه انسجم من خلاله السعي الأميركي لإيصال "الخير" عن طريق فوهات البنادق، بشكل مثالي، مع مصالح الغرب ككل، ومصلحة إسرائيل، و"مصلحة" المسلمين في الشرق الأوسط، وشرقي آسيا، وجميع أنحاء العالم. وذلك بالطبع، باستثناء "بعض الإرهابيين العدميين البغيضين الذين سيتم القضاء عليهم قريبًا بالقنابل الأميركية الفاضلة".

وكما وصفها بوش في خطاب تنصيبه الثاني: "أصبحت المصالح الحيوية لأميركا، ومعتقداتنا العميقة، أمرا واحدا". وفي ضوء هذه الملاحظات المبتذلة التي تهدف إلى طمأنة الجمهور فقط، كان من الصعب تحديد الفرق بين الواقعيين العدوانيين مثل بولتون وديك تشيني، والأخلاقيين العدوانيين مثل المحافظين الجدد بول وولفويتز وروبرت كاغان.

ومنذ شن الحرب على العراق، وحتى فترة حكم أوباما برمّتها تقريبا، حافظ الجمهوريون على شيء شبيه بجبهة متحدة داعمة للعدوانية على نطاق واسع. ولقد كان الأخلاقيون الأحاديون العدوانيون، يقفون جنبا إلى جنب مع نظرائهم الواقعيين إلى حد كبير.

[استمرّ ذلك] على الأقل، حتى جاء ترامب، فقد زعزع وحش العقارات والبرامج التلفزيونية هذا، الحزب الجمهوري من جذوره، وعلى عدّة أصعدة، لكن الملف الذي حظي بأكبر قدر من خلخلة الاستقرار، هو السياسة الخارجية.

وترامب هو الرجل الذي وقف على المنصة أمام جماهير الجمهوريين، في مناظرة خلال الانتخابات التمهيدية، مواجها 12 منافسا يُكررون ديباجات داعمة للعدوانية بشكل مُفرط، وكانت لديه القدرة على وصم الحرب على العراق بأنها خطأ فظيع. وسُمعت في الخلفية، تنهدات ناخبي الحزب بعد تصريحه، وبعض التهليل. ففي النهاية، وأخيرا، كان هناك شخص على استعداد للإقرار بحقيقة كانت واضحة للجميع، وهي أن بوش ارتكب خطأ فاضحا في غزو العراق، وأن رفض الحزب الجمهوري الإقرار بذلك، يضمن تكرار هذه الأخطاء مرة أخرى.

لكن هذا لا يعني أن ترامب، كمرشح رئاسي، كان على دراية بما يفعله أو ما يريده من السياسة الخارجية. فلم يعلم، ولا يزال كذلك، أي شيء حول العالم خارج الولايات لمتحدة. فهو يعتبر، وبشكل مرضي، أن كل شيء يتمحور حوله، وينظر إلى الحياة كمنافسة لا نهاية لها تفتقر للرحمة بين المنافسين. ويرتاب بشدة من أولئك الذين يدّعون أنهم يتحركون من منطلق نكران الذات. وتفكيره منصب على الصفقات، والمفاوضات الصفرية.

ومع ذلك، وبغرابة بالغة، تجعل هذه السمات التي تتمتع بها شخصية ترامب، هذا الرئيس، واقعيا ساذجا بشكل غريزي، وإن كان شخصا يفضل ضبط النفس العسكري بدلًا من العدوان. فليس لديه أي مصلحة على الإطلاق في استخدام القوة العسكرية الأميركية لنشر الديمقراطية، أو المشاركة في بناء دولة ما، أو حتى دعم "النظام الدولي الليبرالي". وهذا يعني أنه لا ينتمي للمحافظين الجدد، لكنه لا يهتم بنفس القدر، بالسماح لمصالحنا الوطنية أن تورطنا في صراعات خارجية تجذبنا لسنوات أو عقود قادمة. وهو ما يعني أنه ليس واقعيا عدوانيا على غرار بولتون (شأنه شأن جميع الجمهوريين تقريبا، لكن ما يميز ترامب، هو أنه غير مستعد لتقديم الاعتذار على توجهه أُحادي الجانب).

ترامب دغدغ مشاعر الجمهوريين: حرب العراق خطأ  (أ ب)
ترامب دغدغ مشاعر الجمهوريين: حرب العراق خطأ  (أ ب)

إن الواقعية غير المكتملة التي تتسم بها شخصية ترامب، مثل ضبط النفس النسبي، مرة أخرى، غريزية بحتة. وهذا، إلى جانب مزاج الرئيس غير المنتظم، يجعله غير مستقر وغير متوقع. وعند إضافة المزيد من العداء الهائل إلى الواقعية المقيدة بين أعضاء مؤسسة السياسة الخارجية المؤلفة من الحزبين في واشنطن، إلى ذلك، يُمكننا أن نبدأ استيعاب مصدر تحركات إدارة ترامب المتوقفة على المسرح العالمي. لا يعرف ترامب ما يكفي حتى يكون لديه شعور بدائي بمن يجب أن يوظف (أو تجنب توظيفه) لمساعدته على تفعيل السياسات التي تدفعه دوافعه الداخلية إلى تفضيلها.

لقد كان تعيين بولتون خيارا كارثيا، لنأمل أن يكون بمقدرة ترامب تعيين خلفٍ أفضل منه. ومن بين الأكاديميين، من الجيد أن ينظر الرئيس إلى مايكل ديش، الباحث البارز الذي فكر مليا في السياسة الخارجية الأميركية المتعثرة في العقود الأخيرة وكيفية تصحيحها. عندما يتعلق الأمر بالعسكريين الذين يفضلهم ترامب في كثير من الأحيان لمنصب مستشار السياسة الخارجية، يمكن أن يأتي بمن هو أسوأ من الاستثمار في دوغلاس ماكجريجور، العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي الذي أصبح ناقدًا قويًا للسياسات الأميركية منذ 11 أيلول/ سبتمبر 2001. هناك خيار قوي آخر وهو أندرو باسيفيتش، العقيد المتقاعد والمؤرخ البارع والنقدي، الذي تنتقد كتابته، بشدّة، السياسة الخارجية الأميركية الأخيرة، خاصة في الشرق الأوسط الكبير.

بالنسبة لأولئك الذين يهتمون بمستقبل السياسة الخارجية للولايات المتحدة، من المحتمل أن يكون القرار بشأن من وماذا بعد بولتون من بين الأكثر أهمية في إدارة ترامب.


الكاتب هو كبير المراسلين في موقع "ذا وييك".