راقبوا كتالونيا عن كثب... خريطة إسبانيا قد تتغيّر

راقبوا كتالونيا عن كثب... خريطة إسبانيا قد تتغيّر
علم كتالونيا خلال التظاهرات (أ ب)

في ما يلي ترجمةٌ خاصّة بـ"عرب ٤٨"، بتصرُّف:


تشهد إسبانيا في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، الانتخابات العامة الثانية لعام 2019، بعد فشل حزب "العمال الاشتراكي الإسباني" (بسوي) في التوصل إلى ائتلاف حكومي مع التحالف الانتخابي اليساري "يونيداس بوديموس" (متحدون نستطيع).

وبينما ألقى كل حزب اللوم على الآخر لفشل المحادثات، فإن الحقيقة تبقى أن حزب "بوميدوس" هو الوحيد الذي كان مهتما حقا بإنشاء ائتلاف حاكم تقدمي، حيث قبل بشروط مُهينة في رهانه على محاولته لتولي وزارات في حكومة بقيادة "بسوي".

ولم يحظَ النهج الذي اتّبعه قادة "بوميدوس" للتكتل حول بابلو إغلاسياس، بدعم إجماعي، مطلقا. وأصمّت القيادة آذانها عن اليسار الراديكالي (بما في ذلك كل من حزبي "اليسار الموحد" و"معادي الرأسمالية")، بالإضافة إلى أنصار الرجل الثاني السابق في الحزب، إنيغو إريجون، الذين فضلوا جميعًا الحفاظ على دور "بوديموس" المعارض، حتى أثناء إعادة انتخاب بيدرو سانشيز من الحزب الاشتراكي، لرئاسة الوزراء.

وهو خيار فضّله، أيضًا، أكبر حزب كتالاني مؤيد للاستقلال، وهو حزب اليسار وسط "يسار كتالونيا الجمهوري"، فقد قدم دعما غير مشروط لاتفاق كهذا، وهو موقف انتُقد على نطاق واسع في كتالونيا، لسببين أساسيين، وهما محاكمة إسبانيا للقادة المحليين الذين نظموا استفتاء الاستقلال في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، ورفض سانشيز اتخاذ دور الوسيط (بين إسبانيا والإقليم) في طريق تفاوضي للخروج من الصراع الكتالاني.

ومن وجهة نظر كاتالانية، فإن التعبير الأكثر وضوحا لانحناء "بوديموس" لحزب "العمال الاشتراكي الإسباني"، جاء في أيلول/ سبتمبر الماضي، عندما صرح قائد الحزب الأول إغلاسياس، أن حزبه على استعداد نظري، لدعم الدولة الإسبانية في تدخلها بالمؤسسات الكتالانية، حال دخوله في ائتلاف حكومي مع سانشز. وهذا يعني منح "بسوي" ضوءًا أخضر، لتفكيك البرلمان الكتالاني وحكومة الإقليم، باستخدام البند 155 من الدستور الإسباني.

من الاحتجاجات (أ ب)
من الاحتجاجات (أ ب)

وعصفت الصراعات حول هذه المسألة بانتخابات نيسان/ أبريل الماضي، كما في المحادثات التي تلتها، وعلى هذا النمط، فإن الانتخابات المُقبلة ستكون بمثابة إعادة إحياء لهذه المسألة من جديد. إلا أن الأمر المختلف ربما، هو أنها ستُجرى في لحظة بالغة التوتر، خصوصًا مع إدانة المحكمة العليا الإسبانية لقادة حركة الاستقلال، الإثنين الماضي.

ومع تصاعد قمع حركة استقلال كتالونيا، فإن اليسار الإسباني يجد نفسه في قيد إستراتيجي.

المحاكمة

يرجع هذا الوضع الصعب، بشكل خاص، إلى المحاكمة الأخيرة لقادة كاتالانيين مؤيدين للاستقلال، التي أفضت عن إصدار عقوبات سجن قاسية في حقهم. فبعد بدء المحاكمة في وقت مبكر من عام 2019، اشتد هذا الاعتداء القضائي في 24 أيلول/ سبتمبر الماضي، عندما أمرت المحكمة الوطنية الإسبانية باحتجاز تسعة ناشطين من "لجان الدفاع عن الجمهورية الكاتالانية"، وهي منظمات شعبية ظهرت قبل عامين للدفاع عن أكشاك الاقتراع خلال استفتاء الاستقلال في كتالونيا في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2017. وحفزت هذه اللجان تعبئة شعبية مستمرة خلال عملية الاقتراع تلك، وخاصّة خلال الإضراب العام الذي تلاه بعد يومين.

وبعد اعتقال هؤلاء الناشطين، أطلقت السلطات سراح اثنين منهم فقط في انتظار المحاكمة، فيما حبست السلطات الإسبانية السبعة المتبقين بتهمتي "التنظيم الإرهابي"، وامتلاك كميات من "المواد التفجيرية". وفي الحقيقة، عُثر بحوزتهم على مواد كيميائية عادية مستخدمة في أماكن العمل والمنازل، لأغراض التنظيف؛ ووُجهت إليهم الاتهامات على الرغم من أن حملات العصيان المدني، وتعبئة المجتمع الكاتلاني لدعم الاستقلال، المستمرة منذ عام 2012، لم تتخللها أعمال عنف قط. وإذا تخلل هذا الصراع عنف، فإنه بالتأكيد قادم من الطرف الآخر، السلطة.

وندد محامو الناشطين المسجونين (ويبلغ عددهم ستة عشر شخصًا، بمن فيهم أعضاء سابقون في الحكومة الكاتالانية) بالمعاملة المهينة للسجناء، التي وصلت إلى حد التعذيب، فعلى سبيل المثال، استمرت التحقيقات في إحدى المرات إلى عشرين ساعة متواصلة.

وهذا يمثل عودة "الدولة العميقة" الاستبدادية، مثيرا ذكريات أليمة من الحرب القذرة التي بلغت ذروتها في بلاد الباسك في الثمانينيات.

واستجاب المجتمع الكتالاني، بسرعةٍ، للقرار، محتشدا بعشرات الآلاف في شوارع وميادين المدن والبلدات الأساسية، مطالبا بإطلاق سراح غير مشروط للمعتقلين السياسيين. وأجمعت الأحزاب المؤيدة للاستقلال، على إدانة الاعتقالات والدعوة إلى إطلاق سراح جميع الذين سُجنوا.

وعلى النقيض من ذلك، حاولت قوى إسبانيا الاتحادية، خلق حالة من القلق من خلال مقارنة هذا الصراع السلمي تماما، بصراعات منخفضة الحدّة، كتلك التي شهدها العالم، مثل النضال من أجل استقلال إقليم الباسك، أو شمالي إيرلندا. وتأمل إسبانيا من خلال هذه المقارنات، أن تصور نفسها، في مغالطة بهلوانية، على أن مسعاها "خيّر"، ويصب في مواجهة "التهديد العنيف".

وفي السياق ذاته، ضخّمت وسائل الإعلام من التهديد "الإرهابي" المُفترض، أملا بترويج سردية غير حقيقية للمجتمع الإسباني، تتمحور حول "الخطر الكاتالاني". وتهدف بذلك، أيضًا، إلى إجبار الفاعلين السياسيين، على اتخاذ مواقف معادية لهذا "الخطر" المفترض. وعبر إجبار رموز كاتالانية على تعريف نفسها ضمن معارضة تنأى بنفسها عن "عنف" غير موجود، يتم التلميح بشكل خفي إلى احتمالية وجود تهديد مماثل.

ونجم عن تلك الإستراتيجية، أيضًا، توجه كافة القوى السياسية الإسبانية، إلى التلويح بالقومية الإسبانية، كوسيلة للحصول على أصوات الناخبين. مع أن التاريخ يُثبت أن المستفيدين الوحيدين من الترويج للقومية الإسبانية، هم الأحزاب المؤسساتية اليمينية. وحدها الدولة العميقة والقضاء والمدعي العام، يعرفون الدور الذي سيضطلعون به في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. ولكن عندما تدخل هذه الجهات الفاعلة إلى المشهد، فإن ذلك لن يكون أمرا جيدا بالنسبة للدول الهامشية، أو الحركات الاجتماعية، أو اليسار بشكل عام.

انتخابات الإعادة في كتالونيا

لقد كان متوقعا في كتالونيا، على نطاق واسع، أن تؤدي المفاوضات التي أعقبت الانتخابات العامة الأخيرة لإسبانيا في نيسان/ أبريل الماضي، إلى طريق مسدود بالطبع، وتكرار الانتخابات المقرر إجراؤها الشهر المقبل. لكن رغم أن أكبر حزبين مؤيدين للاستقلال، اتخذا مواقف مختلفة خلال المفاوضات في الصيف الماضي، إلا أن مواقفهما تستند في جوهرها إلى المبادئ الأساسية ذاتها.

واتخذ حزب اليمين وسط للرئيس السابق للإقليم التابع لإسبانيا، كارلس بوتشدون، موقفا "أكثر تشددا" على ما يبدو، متحفظا تجاه أي ائتلاف، في حين بدا "يسار كتالونيا الجمهوري" أكثر تذللا وانفتاحا على دعم ائتلاف حكومي دون وضع شروط. ومع ذلك، في الواقع، كان كلاهما مستعدًا لدعم حكومة ائتلافية بين "بسوي" و"بوديموس"، والتي كانت ستتيح لهما إمكانيات أخرى للتفاوض.

من الاحتجاجات المستمرّة رغم عنف السلطات الإسبانيّة (أ ب)
من الاحتجاجات المستمرّة رغم عنف السلطات الإسبانيّة (أ ب)

وهذا كان واضحا بشدّة في الأسابيع الأخيرة للمفاوضات بين حزبي "بسوي" و"بوديموس"، قبل فشلها. وهنا أصبح دور "يسار كتالونيا الجمهوري" أكثر ميلا للاعتدال وانفتاحا لدعم ائتلاف حكومي، مركزا إستراتيجيّته على دعم حكومة تقدمية قد تصدر عفوا موقعا من الملك، بحق الأسرى السياسيين الكاتلانيين، أو التفاوض على منحهم العفو العام، دون وصم ما ارتكبوه بـ"الجرم".

وأُحبط هذا الأمل مع توجه كتالونيا كباقي أقاليم إسبانيا إلى انتخابات جديدة في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. لكن الوضع السياسي قد تغير، كما هو الحال في أي مكان آخر. وينطبق هذا بشكل خاصّ على اليسار المؤيد للاستقلال في كتالونيا، حيث قام بخطوة غير مسبوقة على الساحة الانتخابية الإسبانية.

فقد اتخذ أبرز الأحزاب اليسارية الكتالانية "الترشيح الشعبي الموحد" (كاب)، موقفا ممتنعا في جميع الانتخابات الإسبانية السابقة، معتبرا أنها غريبة على السياق السياسي الكاتالاني الذي ينشط فيه. ومع ذلك، قام آخرون من اليسار المؤيد للاستقلال بخطوة تاريخية أولى في السياسة الانتخابية الإسبانية في 28 نيسان/ أبريل الماضي، عندما دخل حزب "حرّروا الشعب"، في شراكة مع حزب "نحن البديل" الذي يقوده نائب سابق في "بوديموس"، و"حزب القراصنة". لكن "جبهتهم الجمهورية" فشلت بالحصول على مقاعد في الكونغرس الإسباني، مما أدى إلى تغيير كبير في النهج داخل اليسار المؤيد للاستقلال.

وفي 20 أيلول/ سبتمبر، أي بعد عدّة أيام من إعلان موعد انتخابات الإعادة، أكد مقال للمحامي خافيير مونجي، وهو عضو سابق في "كاب"، على ضرورة المشاركة في الانتخابات، مع خطة تركز فقط على تقرير المصير، والعفو للسجناء، وتعجيز الكونغرس الإسباني من الحكم بنجاعة. وأدى ذلك إلى عاصفة من الجدل على الإنترنت، وصل إلى حد إصدار "إندافانت"، لبيان شديد اللهجة يدين هذه الخطوة، وهي إحدى القوى الأكثر معاداة للمشاركة الانتخابية، داعية إلى مقاطعة الانتخابات الإسبانية.

وأجبرت هذه التطورات "كاب"، على فتح نقاش أوسع داخل الحزب، والذي اختتم في نهاية المطاف في اجتماع المجلس السياسي الوطني الذي سمح بإجراء محاولة أولى لخوض الانتخابات الإسبانية. وكما هو الحال عادة في "كاب"، فقد أظهر النقاش مستوى عاليًا من المشاركة الشعبية ولحظات من التوتر الشديد.

ويُعد خوض "كاب" لانتخابات الدولة الإسبانية للمرة الأولى، خطوة قد تهز المجال السياسي المهتاج بالفعل، في اليسار الكاتالاني. وتشير الاستطلاعات الأولى إلى أن الحزب سيفوز بين مقعد وخمسة مقاعد في الكونغرس الإسباني. ويشمل مرشحوه في برشلونة أعضاء في القيادة الوطنية (والنائبين السابقين) ميرايا فيهي، وألبرت بوتران وإوليا ريغونت.

ليس يسارا حقا

تُشارك قوة جديدة أخرى في الانتخابات المقبلة، وهي حزب "ماس بايس"، الذي أسسه الرجل الثاني السابق في "بوديموس"، إنيجو إريخون، الذي أحرز بالفعل بعض التقدم في الانتخابات البلدية والإقليمية التي جرت في أيار/ مايو الماضي في منطقة مدريد. حتى أن بعض المتهكمين يقولون إن بابلو إغليسياس (رئيس "بوديموس") لم يستسلم لمطالب زعيم "بسوي" (ورئيس الوزراء الحالي)، بيدرو سانشيز، في محادثات الائتلاف لأنه لم يرغب في منح إريخون، الوقت لحشد قواته وبناء تحالفات في مختلف مناطق إسبانيا.

وبنى إريخون قائمتها الخاصة بالكونغرس، على تحالفات مع "كومبورومس"، وهو تحالف انتخابي يطالب بسيادة ذاتية لإقليم فالنسيا، والداعمون القادمون من منطقة إريخون، والانقسامات بين كوادر "بوديموس" في بقية إسبانيا.

وتمكن حزب إريخون في مرسية فقط، من استمالة أعضاء البرلمان السابقين في "بوديموس"، إلا أن وجوده في بعض المقاطعات الأندلسية قد أثار الصراع، فقد بدا من المحتمل أن يحافظ "أديلانتي الأندلس" على استقلاليته ويحصل على دعم كامل من المجال السياسي الذي كان يمثله في السابق "بوديموس". وأثار ترشيح إريخون، أيضا، صراعا في مقاطعة برشلونة، حيث كان يفتقر إلى ما يكفي من التواقيع حتى يقف قبل ساعات قليلة من الموعد النهائي. هنا، اشتبك مع الاتجاه الفضفاض الذي يمثله العمدة آدا كولاو، التي تعتبر أن انتخاب "ماس بايس"، "خيانة" لوحدة حيزها السياسي.

ومع خطاب مليء بالملاحظات المبتذلة، والمنطق المؤيد للنظام، يقدم حزب إريخون الجديد نسخة يسارية على شاكلة جماليات خطاب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، التي تستند إلى دلالات لا طائل منها، قد تكون بمثابة حصان طروادة، عند دخولها إلى المواضيع الحساسة والأفكار المتناقضة. وعلى سبيل المثال، حتى عندما أثار إريخون، اقتراحًا مثل أسبوع عمل لا يقل عن 32 ساعة، شملت خطته، أيضًا، إمكانية إزالة القيود عن مناوبات العمال الثابتة (أي التي يُفترض بها أن تحمي الأمان الاقتصادي للعمال).

وفي الوقت نفسه، سعى إريخون، كذلك، لتصوير نفسه على أنه يساري، فعندما اتُهم بالفشل في تحديد برنامج سياسي واضح، سارع إلى رفض مثل هذه الادعاءات من خلال تقديم قائمة من المطالب التي نسخها بشكل مباشر عن رئيس حزب العمال البريطاني، جيريمي كوربين؛ مثل الدعوة لأسبوع عمل لا يتعدى أربعة أيام، أو المطالبة بإرساء نظام اقتصادي أخضر كالذي تطالب به عضو الكونغرس الأميركية، ألكساندريا أوكازيو كورتيز.

سجون الدولة

بعد أسبوع من الإشاعات، شهد 14 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، إدانة رسمية للقيادة الكتالانية التي تُحاكم منذ وقت سابق من العام الحالي. وقضت المحكمة بسجن نائب رئيس الإقليم السابق، أوريول جونكيراس، لمدة 13 عاما، بينما أُصدرت أحكام بـ12 عاما من السجن بحق ثلاثة مستشارين، هم راؤول روميفا، وجوردي تورول، ودولورز باسا.

القادة الكتاليونيون المحاكمون (أ ب)
القادة الكتاليونيون المحاكمون (أ ب)

وأُدين جميعهم بالتحريض وإساءة استخدام الأموال العامة (في دورهم لتنظيم الاستفتاء من أجل الاستقلال عام 2017)؛ بينما حُكم على اثنين آخرين (جوزيف رول وجواكيم فورن) في هذه التهمة بالسجن لمدة عشرة أعوام ونصف العام.

وحُكم على رئيس البرلمان السابق، كارمي فوركاديل، بالسجن لمدة أحد عشر عامًا ونصف العام بتهمة التحريض على الفتنة، وتلقى زعيما المجتمع المدني جوردي سانشيز وجوردي كويكسارت، تسع سنوات على الجريمة ذاتها.

وسرعان ما أشعل هذا القرار احتجاجات واسعة. ومنذ عدة أسابيع، تجمعت حركات الاستقلال الشعبية حول منصة مجهولة تسمى "تسونامي الديموقراطية" والتي تعمل عبر تطبيق "تليغرام"، ويزيد عدد المنضمين إليها عن 250 ألف إنسان، وهي مسؤولة عن قيادة موجة عصيان مدني غير عنيف على امتداد كتالونيا.

وبالطبع، فإن "تسونامي الديمقراطية" ردت على الفور مع انتشار أخبار الحكم يوم الإثنين الماضي، ودعت إلى احتلال مطار خوسيب تاراديلاس في برشلونة، ويقدر أنه شارك في الاحتجاج نحو 25 ألف شخص، ساروا على الطريق السريع من برشلونة وأغلقوا المدخل الرئيسي لمدينة. أدى قمع الشرطة الذي يهدف إلى فتح طرق الوصول إلى المطار إلى معركة ضارية، خلفت عشرات الجرحى؛ حتى أن أحد المتظاهرين فقد عينه.

ودعت الحركة إلى أسبوع من التعبئة على الأقل، يهدف إلى نمو كثافة المحتجين عبر الامتداد الإقليمي لكتالونيا خلال الأيام المقبلة. في الوقت نفسه، انتشرت الحواجز، وبدأت لجان الدفاع عن الجمهورية دورها من جديد، كما فعلت في لحظة استفتاء عام 2017.

وقد تولد مشاركة قوات الشرطة الكاتلانية مع الإسبانية لقمع الاحتجاجات سخطا تجاه الأحزاب الرئيسية المؤيدة للاستقلال، وتحويل جزء من الرأي المؤيد للاستقلال نحو قوى ياسرية مثل "كاب".

لكن احتمال التمرد الكاتالوني، الذي سيمتد عبر الأسابيع والأشهر المقبلة، قد يؤدي، أيضًا، إلى تبعات غير متوقعة في السياسة الإسبانية في الفترة التي تسبق الانتخابات العامة العاشر من كانون الثاني/ نوفمبر المقبل. فقد يزعزع تكتل الأصوات القومية الإسبانية، وهو الأمر الذي يفيد اليمين دائمًا. وفي سعي سانشيز (رئيس "بسوي")، إلى منع انحياز شعبي إلى اليمين، يتجه إلى تبني إلى أكثر الخطابات قومية، في محاولة "لإنقاذ إسبانيا". وتعرض الدولة الإسبانية مرة أخرى أزمة نظام عميقة، والتي وصفها الوزير الراحل عن "بسوي" ألفريدو بيريز، على النحو التالي: "من المقبول ضرب الديمقراطية إذا كان ذلك يعني الحفاظ على الوحدة الوطنية".

لنجعل إسبانيا عظيمة مرّة أخرى

في الواقع، استحوذ إطار القومية الإسبانية على الحملة الانتخابية بأكملها: فاختار كل حزب، يمنيا كان أم يساريا، شعارا انتخابيا يحتوي على كلمة "إسبانيا"، ما عدا أحزاب مثل "بوديموس"، وغيرها من المناطق المهمشة.

وهذا يدل، أيضًا، على أهمية المسألة الوطنية في الحالة الإسبانية الراهنة، ولا سيما الأزمة الكاتالانية. هل يستطيع اليسار الخروج من تأطير قومي بحت؟ يبدو أن هذا أمر صعب بالفعل، ففي النهاية، عندما تصبح القومية قوة فاعلة، فإنها عادة ما تترك بصماتها على كل شيء.

الملك الإسباني  مقلوبًا (أ ب)
الملك الإسباني  مقلوبًا (أ ب)

لكن ليس كل شيء في المشهد سوداوي، فقد شهدت الأيام التي انقضت منذ صدور حكم يوم الإثنين اشتباكات حادة، ودخل الشعب الكاتالاني في خلاف غير مسبوق مع الحكومة المؤيدة للاستقلال، ما يرجح تصاعد ثورة واسعة النطاق. ويحمل المتظاهرون في الشوارع، أجندتهم الخاصة، وهي العفو عن السجناء، وحق تقرير المصير، ومغادرة الشرطة والقوات العسكرية الإسبانية، ونهاية القمع، واستقالة الحكومة الكاتالانية.

وبعد ثلاثة أيام من المواجهات في برشلونة والمدن الرئيسية الأخرى، تم دعم الإضراب العام يوم الجمعة الذي دعت إليه النقابات الموالية لكاتالانية من قبل جميع القوى المؤيدة للاستقلال.

بعد التعبئة المنتصرة في الإكوادور والاحتجاجات المستمرة في هونغ كونغ، يمكن أن تثبت كتالونيا أنها محط تركيز جديد للنزاع، في هذه الحالة على أراضي القارة القديمة نفسها. في الأسابيع التي سبقت ذهاب إسبانيا إلى صناديق الاقتراع في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر، هذا هو الوضع الذي يمكن أن يفيد قوى اليسار الكاتالوني - طالما أنهم قادرون على توجيه روح التمرد.