التمثيل... قدرة الإنسان على فقدان ذاته بذات أخرى

التمثيل... قدرة الإنسان على فقدان ذاته بذات أخرى
من مسلسل "شيرلوك" (أ ف ب)

في ما يلي ترجمةٌ خاصّة بـ"عرب ٤٨" لمقال المحرر الرئيسي في مجلة "إيون"، والباحث في علم الأعصاب المعرفي من خلال التدريب، كريستيان جاريت، بتصرُّف:


في تسعينيات القرن الماضي، أمضيت مع أصدقائي ساعات طويلة منغمسين في ألعاب تتضمن تمثيل أدوار مختلفة، في مدرستنا الداخلية البريطانية. وكانت اللعبة الأفضل لإعادة التمثيل، بالنسبة لنا، هي "مصاص الدماء: التنكر". وأذكر جيدا كيف اختبرت نوعا من أنواع الصداع النفسي، بعد إمضاء عدّة ساعات في تمثيل دور هذه الشخصية "الميتة الحيّة" الشريرة العنيفة.

وتطلب الأمر مني، في كلّ مرّة، بعضا من الوقت للتخلص من الشخصية الخيالية، متحقّقا من معنى الأخلاق، حتى لا أواجه مشاكل في العالم الحقيقي.

وإذا كانت أدوار خيالية صغيرة كتلك الّتي تجسدت في محض لعبة، قد أدت في بعض الأحيان إلى تشويش إحساس الشخص بذاته، فما الّذي يخوضه الممثلون المحترفون إذا؟ خصوصا أولئك الذين يُطلق عليه اسم الممثلين "المنهجيين"، لاتباعهم تعاليم المسرحي الروسي الشهير، قسطنطين ستانيسلافسكي، والتي يندمجون من خلالها، بشكل كبير جدا بالأدوار التي يلعبونها؟

توجد أدلّة غير مؤكدة، بالطبع، على أن الممثلين يختبرون امتزاج ذواتهم بالشخصيات المفترضة التي يجسدونها. وعلى سبيل المثال، فقد قال الممثل، بنديكت كومبرباتش، إنه في الوقت الذي استمتع به بلعب دور شخصية معقدة مثل شيرلوك هولمز، إلا أنه اختبر أيضا دافعا قهريا في تصرفاته اليومية، وشرح ذلك بقوله: "أنا أتأثر به. هناك شعور بفقدان الصبر. تقول أمي إنني أُصبح أكثر فظاظة معها عند تصوير (مسلسل) شيرلوك".

وقام الباحث في قسم الدراسات المسرحية والأداء بجامعة سيدني، مارك سيتون، بصياغة مصطلح استفزازي، واصفا الآثار الصعبة التي تحدث أحيانا وتستمر بالتأثير على الممثلين بعد خوضهم تجارب تمثيلية يفقدون فيها أنفسهم بالأدوار الذي يلعبونها، بـ"اضطراب ما بعد الدراما". وكتب في هذا الصدد: "قد يطيل الممثلون في كثير من الأحيان، من عادات الإدمان أو التعلق المرضي المشترك بالشخصيات التي جسدوها، ما قد يكون مدمرا".

لكن بعض المعلقين يشكّكون في هذا الاعتقاد، فعلى سبيل المثال، ادعى صامويل كامبا من جامعة فوردهام في مدينة نيويورك، مؤخرًا، في موقع "إيون"، بأن فكرة الانغماس بالشخصية، مبالغ فيها، وأن الممثلين "لا ينسون حرفيًا من هم، لأن معتقداتهم ورغباتهم الفعلية لا تزال كما هي".

وحتى فترة ليست بالطويلة، كان معظم النقاش حول ما إذا كان الممثلين يفقدون أنفسهم، حرفيا، بالأدوار التي يلعبونها، يدور في فلك التخمينات. لكن ورقتين بحثيتين في مجال العلوم النفسية، صدرتا، في وقت سابق من العام الحالي، تقدمان بعض النتائج والأدلة الدامغة، على أن إحساس الممثلين بأنفسهم، يتغيّر بشكل عميق بحسب الشخصيات التي يلعبونها.

وفي إحدى هاتين الورقتين البحثيّتين، التي نُشرت في دورية "العلوم المفتوحة في المجتمع الملكي"، العلمية، قام فريق باحثين بقيادة، ستيفن براون من جامعة ماكماستر، في أونتاريو، برصد 15 ممثلا كنديا شابا، دُربوا على نهج ستانيسلافسكي، وصوّروا أدمغتهم أثناء تولي الممثلين دوري "روميو" أو "جولبيت" الشهيرين، وفقًا لجنسهم.

وأمضى الممثلون بعض الوقت في تهيئة أنفسهم لمشهد الشرفة، وبعد ذلك، أثناء تركيب الماسح الضوئي للدماغ، عليهم، قدم لهم الباحثون سلسلة من الأسئلة الشخصية، مثل "هل تذهب إلى حفلة لم تُدعى إليها؟" و"هل ستخبر والديك إذا وقعت في الحب؟"، وتلخصت مهمة الممثلين بارتجال ردودهم في عقلهم دون الإفصاح عنها، مع تبني دور إحدى الشخصيتين الخياليتين.

(أ ف ب)

ومن ثم فحص الباحثون النشاط الدماغي لدى كل ممثل أثناء لعب الدور، مقارنة بجلسات مسح ضوئي أخرى سابقة، أجاب فيها الممثلون عن أسئلة مشابهة إما عن أنفسهم، أو نيابة عن شخص يعرفونه جيدًا (صديق أو قريب، وفي هذه الحالة كان عليهم أن يأخذوا منظور الشخص الثالث، أي الإجابة في سرهم باستخدام الضمير الغائب "هو أو هي").

وكان القيام بتجسيد إحدى الشخصيتين، "روميو" أو "جولييت"، مصحوبا بنمط متميز من النشاط الدماغي الذي لم يظهر للباحثين في حالات الأخرى، على الرغم من أنها انطوت أيضا على التفكير في النوايا والعواطف، أو التفكير بمنظور ثالث.

وعلى وجه الخصوص، أظهر التمثيل إخمادا للمناطق الأمامية وتلك التي تقع وسط الدماغ، المسؤولة عن التفكير بالذات (من بين أمور أخرى). وعلق الباحثون على هذه النتيجة، قائلين إنها "قد ترجح أن التمثيل، كظاهرة عصبية إدراكية، يعني طمس المعالجة الذاتية".

وأظهرت نتيجة أخرى، أن التمثيل لم يبطل نشاط المنطقة التي تُسمى "الطلل" من الدماغ، والتي تقع في بالاتجاه الخلفي منه، وعادة ما يُقلل الدماغ نشاطه في تلك المنطقة عندما يدخل الإنسان في حالة تركيز شديدة، كالتأمل مثلا، وتوقع الباحثون أنه ربما يرتبط النشاط المرتفع في منطقة "الطلل" أثناء التمثيل، بتقسيم الموارد المطلوبة لتجسيد دور تمثيلي؛ أي "الوعي المزدوج الذي يتحدث عنه المنظرون".

وفي الواقع، إذا كانت نتائج مسح الدماغ الجديدة هذه تدل على شيء، فهو يكمن بأنها ترجح أن عملية فقدان الذات تحدث بسهولة إلى حد ما.

وتضمنت الدراسة حالة رابعة طلب فيها البحاثون من الممثلين الاستجابة (بعقلهم) بلهجة بريطانية. وطُلب منهم بشكل مباشر، ألا يفترضوا هويّة شخص بريطاني، بل أن يقلدوا اللهجة البريطانية، ما أدى إلى نمط من نشاط دماغي مماثل لتلك التي شوهدت أثناء التمثيل. وقال الباحثون: "حتى عندما لا يتم تصوّر شخصية بشكل واضح، فإن التغييرات الإيمائية من خلال التقليد الشخصي يمكن أن تكون خطوة أولى نحو تجسيد شخصية وتراجع موارد الذات".

وتتوافق النتيجة الأخيرة التي تبين سهولة إضعاف هيمنة ذات، أو تحييدها، أثناء التمثيل، مع نتائج ورقة بحثية أخرى نشرتها دورية "مجلة علم النفس التجريبي: العام" العلمية، والتي أعدها فريق بحثي من كلية دارتموث، وجامعة برينستون، بقيادة الباحثة ميجان ماير.

وفي أبحاث عديدة، طلب الباحثون من المتطوعين تقييم شخصياتهم أو ذكرياتهم أو صفاتهم البدنية أولاً، ومن ثم القيام بنفس المهمة من منظور شخص آخر؛ وعلى سبيل المثال، قد يسجلون حالتهم العاطفية في ذكريات شخصية مختلفة، ثم يصنفون كيف كان صديق أو قريب قد يختبر تلك الأحداث نفسها لو كان مكانهم. أو يقومون بتقييم مقدار الخصائص المختلفة لشخصياتهم، ومدى تطابقها مع شخصيات أصدقائهم.

وبعد اتخاذ وجهة نظر الآخر، الغائب، قيّم المتطوعون أنفسهم مرة أخرى؛ وكان الاستنتاج الثابت هو أن معرفتهم بأنفسهم قد تغيرت الآن، فقد تحول تقييمهم الذاتي ليُصبح أكثر تشابهًا مع تلك التي قدموها لشخص آخر. وعلى سبيل المثال، إذا كانوا قد قالوا في البداية أن سمة "الثقة بالنفس" موجودة لديهم باعتدال، ومن ثم صنفوا شخصية صديق بأنها أكثر ارتباطا بمصطلح "الثقة بالنفس"، وعندما حان دورهم مجددا لتأطير أنفسهم بما يتعلق بهذا المصطلح، أصبحوا أكثر ميلا إلى اعتبار أنفسهم "واثقين بأنفسهم". ومن اللافت للنظر، أن تحوُّل الذات إلى أخرى ظل واضحًا حتى بعد ترك فجوة لمدة 24 ساعة بين اتخاذ منظور شخص آخر، وإعادة تقييم الذات.

لم تتضمن هذه الدراسات تمثيلا واضحا، ولا ممثلين محترفين، ولكن بعد قضاء بعض الوقت في التفكير في شخص آخر، بدى وكأن المتطوعين تغاضوا عن شعورهم بالذات. وقالت ماير وزملاؤها: "عبر مجرد التفكير في شخص آخر، قد نكيّف شخصياتنا حتى تأخذ شكل هذا الشخص". في ضوء هذه النتائج، لا عجب في أن الممثلين، الذين يقضون أحيانا أسابيع أو شهورا أو حتى سنوات منغمسين في دور شخص آخر، قد يتعرضون لتغيير جذري في شعورهم بالذات.

إن فكرة أن إحساسنا بالذات يحظى بخاصية سرعة الزوال هذه، قد يكون أمرا مثيرا للقلق بعض الشيء، خاصة لدى الأشخاص الذين كافحوا من أجل ترسيخ شعور ثابت بهويتهم الشخصية. ومع ذلك، هناك ما يدعو للتفاؤل هنا أيضا، فقد يكون تحدي تحسين أنفسنا، أو على الأقل رؤية أنفسنا بنظرة أكثر ميلا للإيجابية، أسهل قليلاً مما نظن. فعبر لعب دور الشخص الذي نرغب أن نتحول إليه، أو حتى مجرد التفكير وقضاء الوقت مع أشخاص يجسدون نوع السمات التي نود أن نراها في أنفسنا، يمكننا أن نجد أن إحساسنا بالذات تغير بطرق نرغبها.

وكتبت ماير وزملاؤها في نتائج بحثهم: "مع اختيار كل منا، من الذي نصادقه، ومن نحذو حذوه، ومن نتجاهله. يجب علينا أن نجعل هذه القرارات أكثر إدراكا لكيف أنها لا تشكل فقط نسيج شبكاتنا الاجتماعية، بل إحساسنا بذاتنا أيضا".