جيش احتلال... لكنه خُضري

جيش احتلال... لكنه خُضري
أحد جنود الاحتلال بالضفة الغربية المحتلة (أ ب أ)

في ما يلي ترجمةٌ خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف للكاتب، آلان ماكلويد، وهو أكاديمي وكاتب تقارير في موقعي "مينت برس نيوز" و"فيررنس آن أكيورسي إن ريبورتينغ"، ونشر كتابه "الأخبار السيئة من فنزويلا: عشرون عامًا من الأخبار المزيفة والإبلاغ الخاطئ" في نسيان/ أبريل الماضي.


بات معظمنا اليوم واعيا بأننا نتلقى باستمرار، منشورات دعائية تستهدفنا بشكل خاص على مواقع التواصل الاجتماعي، بناء على اهتماماتنا وأماكن تواجدنا وعاداتنا، ورغم ذلك، فهناك عدد متزايد من المنشورات مدفوعة الأجر، التي تستهدف الخضريين (أصحاب الحميات الغذائية النباتية تماما)، على تطبيقات مختلفة مثل "تويتر" و"فيسبوك"، لنشر الدعاية الإسرائيلية حول جيشها.

وتأتي معظم هذه المنشورات على شكل فيديوهات يشرح من خلالها الجنود، مستخدمين اللغة الإنجليزية، عن مدى استيعاب الجيش الإسرائيلي لنمط الحياة القائم على النباتات ومدى سهولة أن يكون الجندي في المنظومة، نباتيًا.

وتخبرنا السلطات الإسرائيلية (في هذه المنشورات الدعائية)، أنها جنّة للتسامح والانفتاح، إذ إنه يُمكن لجنودها أن يخدموا بلادهم بحسب مبادئهم الأخلاقية الخاصة، كالمحافظة على حمية غذائية خالية من المنتجات الحيوانية، أو ارتداء ملابس خالية من الجلود أو الصوف، أو غيرها مما يؤخذ من الحيوانات.

وأصبح في الجيش الإسرائيلي اليوم، نحو عشرة آلاف جندي خُضري، وهو رقم يرتفع باستمرار. وفي الوقت ذاته، باتت تل أبيب تروج لنفسها على أنها "عاصمة الخضرية في العالم".

ومع ذلك، ورغم انفتاح المجتمع الإسرائيلي على أفكار "تقدمية" مثل الخُضرية، وتقبل المثلية الجنسية، إلا أن هذا التسامح لا يمتد إلى الفلسطينيين الأصلانيين في البلاد، ولا لملايين اللاجئين الذين طُردوا من أرضهم عام 1948.

وفي الحقيقة، تصفها الولايات المتحدة بأنها تفرض نظام فصل عنصري (أبارتهايد)، على الفلسطينيين الذين يعيشون في البلاد، وبخاصة في المناطق المحتلة عام 1967، الذين يضطرون إلى استخدام الطرق والمدارس الرديئة، والمحرومون من منازلهم ومن جميع أنواع الحقوق المدنية والإنسانية الأساسية.

جنود للاحتلال في الضفة الغربية المحتلة (أ ب أ) 

لذا، في حين أن ملابس الجنود الإسرائيليين قد تكون "خالية من القسوة"، فإن الظلم الأبدي الذي تمارسه بالتأكيد ليس كذلك. وبالمناسبة، فإن الإسرائيليين يؤيدون بشكل كبير مثل هذه الإجراءات، إذ يؤيد نحو 50 بالمئة منهم التطهير العرقي الفوري والكامل للسكان الفلسطينيين المتبقين على أرضهم، وفقا لاستطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث، عام 2016.

الفصل العنصري لا يُمكن أن يؤيد الخُضرية

هناك تناقض جوهري بين الخُضرية ونظام الفصل العنصري، فالأولى تُعد في صميمها، أيديولوجية تتسم بالتعاطف الراديكالي مع جميع الكائنات الحية، وعدم تعنيفها. ويشرح موقع "ليف كايندلي" الخُضري الإلكتروني، تعريف طريقة الحياة هذه على أنها تتلخص بـ"أن نعيش بطريقة تظهر تقديرًا لإنسانيتنا وموطننا، وأولئك الذين نُشاركه معهم"، ولست بحاجة أصلا للإشارة إلى أن ذلك يتناقض كليا مع نهج الحكومات الإسرائيلية المتُعاقبة منذ عام 1948، وتعهد إسرائيل الدائم بأن تكون دولة ترتكز على الفوقية العرقية اليهودية. لذا، ففي هذه الدولة التي تهتم إلى الحيوانات أكثر مما تكترث بالسكان الأصلانيين في البلاد، يُمكنك أن تتحول للنظام الغذائي النباتي، لكن ليس بوسعك دعم حقوق الفلسطينيين.

ومع ذلك، تستمر إسرائيل باستخدام تحول الآلاف من جنودها إلى رفض استهلاك المنتجات الحيوانية، كدليل على أنها دولة تقدمية وعصرية. وبشكل غير مفاجئ، تردد وسائل الإعلام الغربية التقليدية كما الشركاتية، هذه الادعاءات باستمرار.

وعلى سبيل المثال، تسرد هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، قصة الجندية الإسرائيلية، دانييلا يوئلي، التي، وبكامل الأخلاقية، كانت ربما سوف "لن تتجند في وحدة قتالية، لو لم يكن الجيش قادرا على توفير ظروف تضمن عدم إلحاق الأذى بالكائنات الحية، إذ أنها لم تكن لتتمكن من توفير طعامها"، لكن الأمر الذي لم يكشف عنه مقال الـ" بي بي سي"، ما إذا كان الفلسطينيون يستحقون مرتبة البشر، بالنسبة لدانييلا.

والأفدح من ذلك، هو كيف بلعت منصات نباتية وخُضرية، كثيرة حول العالم، هذا الطُعم، فقد أشارت "فيغ نيوز"، إلى كيفية سير الجنود الإسرائيليين إلى الحرب مرتدين أحذية خالية من الجلود، ويحظون بخيارات غذائية نباتية وفيرة. فيما لفتت "ليف كايندلي" إلى كون نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، خُضريا، وكيف قام المكتب بتعيين أول ضابط خُضري به.

في الجيش الإسرائيلي اليوم، نحو عشرة آلاف جندي خُضري

أما "بي إي تي إيه"، اتجهت إلى تقديم النصيحة للجيش السويسري ليحذو حذو الجيش الإسرائيلي. لكن المقلق بشكل خاص هو أنه لم يُذكر في أي من المقالات أعلاه، أي انتقاد للجيش الإسرائيلي أو للحكومة أو أفعالها، ما أدى إلى تضخيم الدعاية الإسرائيلية بشكل فعال في جميع أنحاء العالم.

وتنمو اليوم الخُضرية بتسارع كبير في الدول الغربية، خصوصا مع دعمها من قبل مشاهير مثل توبي ماغواير، وإميلي ديشانيل، وزاك إيفرون. وبالنسبة للأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاما، فإن رُبعهم نباتيون أو أكثر صرامة في حميتهم الغذائية، بحسب تقرير أعدته مجلة "ذي أوكونميست" عام 2019، تحت عنوان "عام الخُضري"، ومع ذلك، فإن اجترار المواد الإعلامية الصادرة عن الجيش الإسرائيلي، دون أدنى توجه نقدي، يعرض منطقة الشرق الأوسط على أنها مجرد صراع بين الإسرائيليين "الليبراليين التقدميين"، وبين العرب "المسلمين المُتخلفين".

لكن هذا التأطير مضلل بشكل خاص لعدة أسباب؛ أولا، إن معظم الأطعمة النباتية الإسرائيلية الأكثر شهرة كالفلافل، والحمص والمُتبل، وغيرها هي ببساطة أطعمة استولت عليها إسرائيل من المطبخ الفلسطيني، وتكمن المفارقة الكبرى بأن إحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تظهر أن الإسرائيليين يستهلكون فعليًا أكبر عدد من الطيور في العالم نسبة للفرد، إذ يتناولها 80 بالمئة من السكان يوميًا. وبالمجمل، يأكل الإسرائيليون أكثر من 200 رطل من اللحم كل عام، أي ما يزيد عما يأكله الأميركيون المشهورون بتناول اللحوم.

جنود للاحتلال في الضفة الغربية المحتلة (أ ب أ)

إضافة إلى ذلك، وكما تقول رابطة فلسطينية تُعنى بالحيوانات، فإنه بينما يتبنى ثلاثة بالمئة من الإسرائيليين اليهود الحمية الغذائية الخُضرية، فإن النسبة لدى الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية، هي ضعف ذلك. لذلك، فإن هذه السردية تتفكك حتى عند إجراء بحث متواضع.

من التبييض باسم الخُضرية إلى التبييض باسم المثلية

مستخدمة النمط ذاته، تُقدم إسرائيل نفسها كملاذ لقبول مجتمع الميم في منطقة تتسم بالتعصب، فبعد فوزها بمسابقة الأغنية الأوروبية (يويروفيجن) العام الماضي، استضافت إسرائيل المسابقة في وقت سابق من العام الحالي، وهو احتفال على مستوى القارة، يحتفي بالموسيقى والثقافة، على الرغم من أنها ليست دولة أوروبية.

ورأت الحكومة الإسرائيلية أن انتصارها في المسابقة، هو بمثابة انتصار دبلوماسي ضخم، إذ أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عن المغنية الفائزو، نيتع برازيلاي، "أفضل سفيرة" للبلاد، وفي اليوم ذاته، ذبح الجيش الإسرائيلي ما لا يقل عن 58 فلسطينيا. ورغم التردد الكبير من فكرة استضافة إسرائيل للمنافسة هذا العام، مع رفض بعض الفنانين المشاركة، فإن العرض استمر كما كان مخططا له في تل أبيب، محققا فوزا إضافيا للحكومة الإسرائيلية.

من التبييض باسم الخُضرية إلى التبييض باسم المثلية!

وفي حين أن إسرائيل تتمتع بتسامح نسبي مع مجتمع الميم، وتحتضن الخُضريين، فإن التقدمية العامة التي تنطوي عليها لا تمتد إلى نطاق السياسة، حيث تستمر البلاد في التزاحم أكثر فأكثر يمينًا. وهكذا، في الدولة اليهودية، يمكن لسائقات الجرافات تدمير القرى الفلسطينية، ويمكن لقادة الدبابات الخُضريين أن يهرسوا أطفالا صغارًا مُقعدين، ويمكن للطيارين المتحولين جنسيا، أن يفجروا حفلات زفاف.

وتكمن الخدعة التي يحاول الجيش الإسرائيلي تسويقها، بإقناع أكبر عدد من سكان العالم بالتركيز على شموليتها الليبرالية (المحدودة) وتجاهل سياستها العسكرية الأشبه بالإبادة الجماعية، ويبدو أنها تنجح بذلك.