ليست الديمقراطية هدف الولايات المتحدة.. دعم انقلاب بوليفيا يُثبت ذلك

ليست الديمقراطية هدف الولايات المتحدة.. دعم انقلاب بوليفيا يُثبت ذلك
الاحتجاجات البوليفية (أ.ب.)

في ما يلي ترجمةٌ خاصّة بـ"عرب 48"، بتصرُّف للكاتب آلان ماكلويد هو مساهم في "مينت برس نيوز"، وأكاديمي وكاتب في مجلة النزاهة والدقة في إعداد التقارير". نُشر كتابه "الأخبار السيئة من فنزويلا: عشرون عامًا من الأخبار المزيفة والإبلاغ الخاطئ" في نيسان/ أبريل الماضي.


"استقال" الرئيس البوليفي، إيفو موراليس، تحت تهديد السلاح، الأحد الماضي، بعدما طالبه جنرالات الجيش علانية، بالاستقالة، رغم فوزه المنطقي بالانتخابات قبل بضعة أسابيع.

وضجت الأيام الـ21 التي تلت يوم الانتخابات، بمظاهرات عنيفة وأخرى مضادة لها، بين معارض ومناصر لموراليس. علما بأنه في الانتخابات الرئاسية التي جربت 20 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نجح موراليس بتأمين عدد كاف من الأصوات ليفوز دون الحاجة إلى جولة ثانية ضد أشد منافسيه، كارلوس ميسا.

موراليس (أ ب)

ومع ذلك، زعم ميسا أن الانتخابات زُوّرت، مدعيا أن موراليس لم يحصل على حصة التصويت المطلوبة لضمان فوزه. ورددت منظمة "الدول الأميركية" ("أو إيه إس")، والإدارة الأميركية، هذا الادعاء، رغم أن كلتاهما لم تقدما أي دلائل على التزوير المزعوم.

ودعا موراليس "أو إيه إس"، لمراجعة الانتخابات، لثقته التامة بقانونيتها. وبالفعل، أظهر تقرير أصدره "مركز أبحاث السياسات الاقتصادية" ومقره واشنطن، أن مجموع الأصوات "يتسق" مع تلك المعلن عنها، ولم توجد أية أدلة تجزم بحصول مخالفات على الإطلاق. لكن على الرغم من ذلك، قامت المعارضة المحلية المدعومة من الولايات المتحدة بالهجوم على الرئيس وحكومته.

هيجان اليمين

حذر الباحثان السياسيان الشهيران، نوعم تشومسكي، وفيجاي براشاد، السبت الماضي، من "تخمر انقلاب ضد الحكومة المنتخبة" في بوليفيا، معبران عن قلقهما من تسلل العنف "الفاشي" إلى البلاد.

وفي مدينة سانتا كروز، التي تُعد معقل النخبة البيضاء الغنية المعارضة لموراليس، أُحرق مكتب السلطة الانتخابية. وبالتوازي مع ذلك، اختطف أفراد ينتمون لجماعات معارضة، عمدة بلدة فينتو، باتريشيا آرس، وقصوا شعرها على الملأ، ودهنوا جسدها باللون الأحمر، وجروها علانية في الشوارع، معتدين عليها بالضرب، ليجبروها على مغادرة منصبها.

كما أُجبر رئيس مجلس النواب في بوليفيا، فيكتور بوردا، على الاستقالة بعد أن هاجمت قوات الانقلاب منزله واختطفت شقيقه.

وبمجرد تنحي موراليس، أمرت الشرطة، بالقبض عليه، فيما نهب مخربون منزله. بينما قامت المعارضة المحافظة، وبسعادة تامة، بإحراق علم السكان الأصلانيين الذين يشكلون غالبية سكان بوليفيا، معبرين عن أمل واضح بأن يُترجم الانقلاب بعودة حكم النخبة البيضاء التي هيمنت على السلطة منذ زمن الغزاة الكونكيستدور.

الولايات المتحدة تشيد بالانقلاب

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بلاغا رسميا، الإثنين الماضي، ليس فقط لتأييد الانقلاب، ولكن لقول جملة واحدة: "لقد فعلناها". ويوضح نص البيان أن "استقالة الرئيس البوليفي، إيفو موراليس، أمس، تُعد لحظة مهمة للديمقراطية في نصف الكرة الأرضية الغربي"، بزعم أن الأحداث بوليفيا (في إشارة إلى الانقلاب) "تحافظ على الديمقراطية".

وبالإضافة إلى أن البيان الرسمي الصادر عن الإدارة الأميركية، أرسل تهديدا واضحا بضرورة إسقاط المزيد من الأنظمة، والتي حددتها الولايات المتحدة مسبقا، فبحسب نص البيان: "ترسل هذه الأحداث إشارة قوية إلى الأنظمة غير الشرعية في فنزويلا ونيكاراغوا، بأن الديمقراطية وإرادة الشعب سوف تسودان دائمًا. نحن الآن على بعد خطوة واحدة نصف قارة غربي ديمقراطي ومزدهر وحر".

واحتفى وزير الخارجية، مايك بومبيو، باستقالة موراليس، زاعما أن بوليفيا "ستضمن الآن انتخابات عادلة وحرة". أما أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد والسفير الأميركي السابق في روسيا، مايكل ماكفول، فقد كان أكثر ساعدة بالنبأ، مغردا عبر حسابه في "تويتر": "لقد هرب موراليس، ممتاز!".

(أ ب)

لطالما عارضت الولايات المتحدة أجندات موراليس، وتوجهه "نحو الاشتراكية" الساعية إلى تأميم موارد بوليفيا، بهدف مساعدة المواطنين وتحصيل نوعًا من البحبوحة الاقتصادية؛ لكنها ساهمت بانتخابه لأول مرّة عن دون قصد، فقُبيل انتخابات عام 2006، أصدرت السفارة الأميركية في العاصمة البوليفية، لاباز، بيانا قالت فيه إنها لن تقبل حكومة برئاسة موراليس تحت أي ظرف. لكن هذا التدخل الهائل والصريح في الانتخابات، جاء بنتائج عكسية، حيث ارتفع عدد الأصوات المؤيدة له بشكل هائل.

ومع أن إدارة ترامب تلمح إلى أن هذا الانقلاب لن يكون الأخير في المنطقة، إلا أن قضية بوليفيا هي الأحدث في سلسلة طويلة من الانقلابات التي دعمتها الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية.

وفي هذا السياق، قال المؤرخ والموظف السابق في وزارة الخارجية الأميركية، وليام بلوم، إن الولايات المتحدة أطاحت بأكثر من 50 حكومة منذ عام 1945، معظمها في المنطقة التي تعتبرها "فناءها الخلفي".

وعلى سبيل المثال، دعمت الولايات المتحدة، الانقلاب على حكومة هندوراس اليسارية برئاسة مانويل زيلايا في العام 2009، ومنعت صدور أي رد فعل إقليمي أو دولي. وتباهت هيلاري كلينتون في وقت لاحق، بأنه خلال عملها وزيرة للخارجية، قامت بإنهاء مسألة زيلايا للأبد.

ومنذ انقلاب عام 2009، تحكم هندوراس طغمة عسكرية يمينية ديكتاتورية، تعامل السكان بوحشية، متسببة بهجرة جماعية وحركة لجوء واسعة إلى أميركا الشمالية، ما يعتبر أحد العوامل الرئيسية المسببة لما يُسمى بـ"أزمة قافلة اللاجئين" على الحدود المكسيكية الأميركية، والتي لا يتم التطرق إليها عادة.

وفي عام 2002، رعت الولايات المتحدة وشاركت بالانقلاب على رئيس فنزويلا، هيوغو تشافيز، الذي نجح لفترة قصيرة، ليفشل في مواجهة الدعم الجماهيري الواسع الذي قدمه الشعب الفنزويلي للرئيس، رافضين تقبّل ما آلت إليه أحوال البلاد، مشجعين الوحدات العسكرية المؤيدة لتشافيز، بإعادة الاستيلاء على القصر الرئاسي.

لكن هاييتي لم تكن محظوظة كفنزويلا، فقد أُطيح بالرئيس جان برتران أريستيد، مرتين، بانقلابين عسكريين مدعومين من الولايات المتحدة، عامي 1991 و2004، ليحصل شعبه على حكومة عميلة فاسدة، حولت البلاد إلى مصنع ضخم للعمالة الرخيصة للشركات الغربية حتى اليوم.

وأدى هذا التدخل المستمر إلى انتشار الجملة الساخرة الدارجة في أميركا اللاتينية، بأن "الولايات المتحدة أكثر الأماكن أمانا في العالم، لأنها الدولة الوحيدة التي لا توجد فيها سفارة أميركية".

حُكم معاد للاستعمار

خلال الأعوام الـ13 التي أمضتها حركة "نحو الاشتراكية" في حكم بوليفيا، نجحت بدفع البلاد نحو التقجم، بنهج ثوري، حيث قامت بتأميم الموارد الرئيسية، وضخ العائدات في البرامج الاجتماعية التي تعالج أكثر القضايا إلحاحا بالنسبة للسكان. وخفض الفقر بنسبة 42 في المئة، والفقر المدقع بنسبة 60 في المئة، إضافة إلى خفض البطالة إلى النصف. كما ازداد الالتحاق بالمدارس، وتم توفير الكهرباء على نطاق واسع، وبنت الحكومة أكثر من 150 ألف وحدة سكنية مخصصة للإسكان العام، وأسست معاشا حكوميا مجانيا لجميع من تجاوزت أعمارهم الـ60 عاما، كمخصصات للشيخوخة.

ومع ذلك، فقد تصرف موراليس على نحو مثير للجدل عندما خسر في استفتاء عام أُجري لإنهاء حدود المدّة الرئاسية. ورغم نتيجة الاستفتاء، قضت المحكمة العليا أنه يمكن أن يبقى على أي حال. كما واجه انتقادات من دعاة حماية البيئة لمواصلة نموذج بوليفيا الاقتصادي للصناعات الاستخراجية.

الإعلام الشركاتي يخفي الحقائق

توجد كلمة واضحة ومباشرة لوصف قيام قادة الجيش باستخدام المنصات الإعلامية في بلادهم، للمطالبة باستقالة رئيس منتخب، بينما يقوم حلفاؤهم باحتجاز وتعذيب مسؤولين حكوميين، وهي "انقلاب"؛ لكن وسائل الإعلام الشركاتية الغربية، تواصل رفضها إطلاق وصف "انقلاب" على الأحداث في بوليفيا، مصورّة، وبشكل جماعي، ما حدث على أنه "استقالة" موراليس.

ولم تشير معظمها حتى، إلى تصرفات قادة الجيش. فـ"سي بي إس نيوز" مثلا، زعمت أن موراليس "استقال" نتيجة "تزوير الانتخابات والاحتجاجات". أما "نيويورك تايمز" فقد شددت على أنه "تنحى" في أعقاب "أسابيع من المظاهرات العارمة التي أطلقها الشعب الغاضب، احتجاجا على تقويض الديمقراطية". وأعربت عن راحتها بأن "القبضة المهيمنة على السلطة، أُضعفت، وأخيرا، في بوليفيا"، مانحة المساحة لأحد المعلقين لعرض ادعاءه بأن الأحداث الأخيرة "تمثل انتهاء الطغيان".

وهكذا، قدمت وسائل الإعلام الإطاحة العسكرية بزعيم منتخب ديمقراطيا، على أنها زوال مرغوب ومرحب به لـ"ديكتاتورية شاملة" و "استعادة للديمقراطية"، بدلاً من وصف الأحداث على حقيقتها النقيضة تماما لما تم عرضه، مستخدمة بذلك مهارة اختيار الكلمات المنمقة.

استنكار الانقلاب

في المقابل، كان هناك رفض صريح لما حدث في بوليفيا لدى اليسار الغربي. وعلى سبيل المثال، قالت النائبة الأميركية، إلهان عمر، التي أعلنت مؤخرا دعمها للسيناتور بيرني ساندرز، في الانتخابات الرئاسية المُقبلة، مشيدة بـ"تعهداته" لمحاربة الإمبريالية الغربية، في تغريدة على "توتير": "هناك كلمة تصف طرد رئيس دولة من قبل الجيش. وهي انقلاب. يجب أن نعارض العنف السياسي في بوليفيا بشكل لا لبس فيه. البوليفيون يستحقون انتخابات حرة ونزيهة".

وعبر ساندرز نفسه عن "قلقه الشديد"، من الانقلاب على زعيم التقى به في الفاتيكان وأثنى عليه بشدة. أما زعيم حزب العمل البريطاني جيريمي كوربين، فقد كان أكثر صراحة، مدعيا أنه "مذعور" مما حدث، حيث قال في تغريدة: "إن رؤية إيفو موراليس، الذي جلب مع حركته القوية، تقدما اجتماعيا كبيرا، مُجبر على مغادرة منصبه من قبل الجيش، يبث في نفسي الرعب.
أُدين هذا الانقلاب على الشعب البوليفي، وأقف معهم من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال".

ووصف نوعم تشومسكي، وفيجاي براشاد، الأحداث بأنها انقلاب آخر في أميركا اللاتينية، مدعوم من الولايات المتحدة.

وكتبا في بيان مشترك: "إن الانقلاب تقوده الأوليغارشية البوليفية، التي غضبت بسبب الخسارة الانتخابية الرابعة لأحزابها من حركة ‘نحو الاشتراكية‘. والأوليغارشية مدعومة بالكامل من قبل الإدارة الأميركية، التي كانت حريصة منذ زمن طويل على طرد موراليس وحركته من السلطة. ولأكثر من عقد من الزمن، أوضح مركز العمليات بالسفارة الأميركية في لاباز بوضوح، أنه يملك خطتين، الأولى، الانقلاب؛ والثانية، اغتيال موراليس. هذا انتهاك خطير لميثاق الأمم المتحدة وجميع الالتزامات الدولية. نقف ضد الانقلاب ومع الشعب البوليفي".

المستقبل

قدمت الحكومة المكسيكية اللجوء السياسي لموراليس. ومن غير الواضح ما إذا كان الشعب البوليفي سيقبل التغيرات الجديدة، لكن الأمر الواضح هو أن إدارة ترامب تتبع خطًا أكثر عدوانية من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، فيما يتعلق بتغيير الأنظمة.

أولئك الذين يتابعون أميركا اللاتينية يأملون ألا يكون هذا هو زمن العودة إلى الأيام المظلمة للحروب القذرة والانقلابات.

يذكر أن موراليس الذي جاء إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية عام 2006، هو أول رئيس أصلاني لشعب بوليفيا الذي يتكون من أغلبية أصلانية ساحقة، بعد أن حُكمت البلاد على يد الأوروبيين وأسلافهم منذ الاستعمار الإسباني.

ونجح حزبه "حركة نحو الاشتراكية" أثناء وجوده في منصبه، تقليل الفقر بنسبة 42 بالمئة والفقر المدقع بنسبة 60 بالمئة، وخفض البطالة إلى النصف، وأجرى عدد من برامج الأشغال العامة المثيرة للإعجاب.

ورأى موراليس نفسه كجزء من موجة مفككة الاستعمار في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، ورفض النيوليبرالية، وأمم الموارد الرئيسية للبلاد، وأنفق العائدات على الصحة والتعليم، والغذاء بأسعار معقولة للسكان.