الجغرافيا الجديدة للدبلوماسية العالميّة

الجغرافيا الجديدة للدبلوماسية العالميّة
(أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بـ"عرب 48"


مع تعاظم قوّة الصين التي أصبحت لاعبًا مركزيًا في السياسات العالمية، قام مشرعون ومحللون أميركيون وآخرون حول العالم، بتتبع طريقها إلى التفوق المحتمل على عدّة جبهات؛ حجم اقتصادها، ومدى عمق علاقاتها الاستثمارية والتجارية، وميزانيتها وقدراتها العسكرية، لكن منذ بداية العام الحالي، تفوقت الصين على الولايات المتحدة، في مقياس لا يتمتع بتقدير كبير لكنه في غاية الأهمية على مستوى التأثير العالمي، وهو مدى تشابك علاقاتها الدبلوماسية.

وبعد أن حافظت واشنطن على مدار العقود الماضية، على أكبر شبكة علاقات دبلوماسية في العالم، جاءت الصين لتأخذ مكانها اليوم، ممتلكة 276 بعثة دبلوماسية، تشمل السفارات، والقنصليات، والبعثات الدائمة لدى منظمات دولية، بينما تملك الولايات المتحدة 273 بعثة، بانخفاض بعثة واحدة منذ عام 2017، ويمكن لهذا التغيير أن يمثل نقطة تحول في منافسة القوتين العظمتين.

ومنذ أن أصبحت الصين أكثر استعدادًا لعرض قوتها العالمية، يبدو أنها لم تعتد تهتم لتعليمات زعيمها السابق، دنغ شياو بينغ، الذي قال "خبئ قوتك، وانتظر الوقت المناسب"، فقد استثمرت في دبلوماسية نشطة وبعيدة المدى، وفي هذه الأثناء، شهدت واشنطن تحولا داخليًا واستثمار موارد أكبر في قطاعات أخرى، وبينما تمتعت الولايات المتحدة ذات مرة بأولوية دبلوماسية عالمية، فقد تحولت المساحة الدبلوماسية اليوم، إلى لعبة أكثر تكافؤا.

ترامب والرئيس الصيني في لقاء سابق (أ ب)

كيف تفوز الصين بكل شيء؟

كان صعود الصين إلى الصدارة العالمية سريعًا، وبحسب رصد مؤشر الدبلوماسية العالمية التابع لمعهد "لوي للشبكات الدبلوماسية"، الذي يتتبع التطورات الدبلوماسية في أنحاء العالم، فإن بكين تخلفت عن واشنطن بـ23 بعثة دبلوماسية عام 2011. لكن وبحلول عام 2016، تقلص هذا الفارق إلى ثمانية بعثات لتصبح في المرتبة الثالثة خلف الولايات المتحدة وفرنسا. وفي عام 2017، ارتفعت مكانتها إلى المركز الثاني، متجاوزة فرنسا، قبل الانتقال إلى المركز الأول هذا العام، ويضع مؤشر هذا العام الصين في المرتبة الأولى متفوقة على 60 شبكة دبلوماسية كبرى أخرى.

توضيحية من (الأرشيف)

وافتتحت بكين خمس سفارات جديدة في العامين الماضيين، في بوركينا فاسو، والجمهورية الدومينيكية، والسلفادور، وغامبيا، وساو تومي وبرينسيبي، وليس اختيار هذه الدول عشوائيًا، ففي أعقاب ممارستها لحملة مستمرة يشار إليها عادةً باسم "دبلوماسية دفتر الشيكات" (الدعم الاقتصادي مقابل العلاقات الدبلوماسية)، نجحت الصين في انتزاع حفنة من شركاء تايوان (عدوتها اللدودة) الدبلوماسيين المتبقين.

وفي الآونة الأخيرة، قطعت دولتان في منطقة جزر المحيط الهادئ المتنازع عليها بشدة، وهما كيريباتي وجزر سليمان، العلاقات الدبلوماسية مع تايوان محولتان علاقاتهما نحو الصين، مما قلل من عدد الدول التي تعترف بتايوان من 22 في 2016 إلى 15 دولة فقط اليوم (والتي تشمل غواتيمالا وهندوراس ومدينة الفاتيكان). وبالنسبة لبكين، فقد عززت هذه الاستراتيجية العزلة السياسية المتزايدة لتايوان وزادت من قدرة الصين على النهوض بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. وباختصار، يُعد هذا بمثابة وضعية رابحة لجميع الأطراف، عدا أن الصين تفوز بكل شيء.

ولا تتمتع الصين باتساع شبكتها الدبلوماسية فحسب، بل بعمقها أيضًا، وفي حين أن بكين وواشنطن تتساويان بعدد السفارات التي لديهما، إلا أنّ الصين تتفوّق على نظيرتها في عدد قنصلياتها، حيث تمتلك 96 قنصلية مقارنة بـ88 قنصلية أميركية حول العالم.

وبينما تعكس السفارات القوة السياسية للدولة، فإن القنصليّات تمثل القوة الاقتصادية ويتماشى تركيز الصين على تعزيز قنصلياتها مع تركيزها المستمر على النهوض بمصالحها من خلال الدبلوماسية الاقتصادية بدل الدبلوماسية التقليدية.

ومن بين 96 قنصلية صينية، تتواجد 41 منها في آسيا و28 في أوروبا. وهذا يسير جنبا إلى جنب مع مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وهو مشروع لتأسيس بنى تحتية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات وتسعى إلى تحسين ربط الصين بهذه المناطق تجاريا.

دبلوماسية محيرة

ويتقلب الوجود الدبلوماسي الأميركي منذ عام 2017، فبعد إغلاق أبواب قنصليتها العامة في سانت بطرسبرغ عام 2018، وسط علاقات متوترة مع الكرملين، خفضت واشنطن من مجموع بعثاتها الدبلوماسية إلى 273، وتستمر وزارة الخارجية الأميركية فارغة حتى الآن؛ فحتى مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس دونالد ترامب، لم يتم شغل سوى 73 بالمئة من المناصب الرئيسيّة في الوزارة، وفقًا لما أوردته صحيفة "واشنطن بوست" مؤخرًا، ومع إضافة رغبة إدارة ترامب في خفض ميزانيات وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية بنسبة تصل إلى 23 بالمئة، إلى ذلك، فإنه ليس من المستغرب أن تبدو الدبلوماسية الأميركية أكثر حيرة بالنسبة للحكومات الأخرى.

ولا يمكن اعتبار تغريدات ترامب على "تويتر"، والبالغ عددها 11000 تغريدة، والتي يهاجم في أكثر من نصفها شخصًا أو أمرا ما، بديلاً عن شبكة دبلوماسية تعمل بشكل صحيح.

لكن ذلك لا يعني أن الدبلوماسية الأميركية متخلفة عن نظيرتها الصينية في كل المجالات، فالتأثير الدبلوماسي لا يأتي فقط من خلال تأسيس وجود كبير وواسع في الخارج، ولكن أيضًا في كون الدولة مضيفة مهمة للبعثات الأجنبية، وبهذا الصدد، تبقى الولايات المتحدة المكان الأكثر شعبية لإنشاء السفارات والقنصليات والحفاظ عليها، وبفارق كبير عن أي دولة أخرى، فهي موطن لحوالي 342 سفارة وقنصلية تنتمي إلى 61 دولة مدرجة في المؤشر المذكور أعلاه.

أما الصين، فتأتي بالمرتبة الثانية مع 256 سفارة وقنصلية فقط، وعندما تضاف البعثات الدائمة إلى المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة إلى المعادلة، تزداد قوة الولايات المتحدة الدبلوماسية.

لكن حكومات أخرى، تقوم على نحو متزايد بإرسال بعثات إلى مدن صينية من الدرجة الثانية والثالثة، وهو شيء يجب مراقبته عن كثب في الأعوام المقبلة، ومع ذلك، سوف يستغرق الأمر تعديلًا جديًا للنظام الدبلوماسيّ العالميّ حتى يتغير الوضع الراهن في هذا المقياس الخاص لصالح الصين في المستقبل القريب.

مؤشر على الطموح القومي

إلى جانب الاصطفافات الجديدة للعلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والصين، أدت الاضطرابات العالمية الأخرى إلى تحولات في الأنشطة الدبلوماسية للحكومات الأخرى، فقد دفعت خطّة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، عددًا من الحكومات الأوروبية إلى إجراء تغييرات في ديبلوماسياتها الخارجية، ومع اقتراب المواعيد النهائية المتتالية لبركسيت، وانتهائها وتحديد مواعيد نهائية أخرى، ومن ثم انتهائها وإعادة إرجائها من جديد، عززت إيرلندا شبكتها الدبلوماسية بثمانية بعثات، مما تسبب في ارتفاعها في ثلاثة مراكز في المؤشر منذ عام 2017، وهي أكبر زيادة لأي دولة في هذا العام، ومع احتمال "طلاق" إيرلندا من أكبر شريك لها في الاستيراد وثاني أكبر شريك في التصدير، ربط وزير خارجيتها علنًا، التوسع الدبلوماسي باستراتيجية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وقد ربطت هولندا، أيضًا، حملتها الدبلوماسية الأخيرة مع اعتبارات لبريكست، مع إرسال سبع بعثات جديدة في غضون عامين ومن المتوقع افتتاح المزيد بحلول 2021.

وعلى النقيض من ذلك، قللت بريطانيا عدد قنصلياتها ومكاتبها الدبلوماسية منذ عام 2016، مُغلقة 11 منها، لتنحدر من المرتبة التاسعة دبلوماسيًا إلى الحادي عشر منذ ثلاثة أعوام وحتى اليوم. وذلك يتناقض مع تعهداتها بافتتاح ثلاثة بعثات جديدة في المحيط الهادئ، و12 بعثة في أماكن أخرى بالعالم حتى عام 2020، في تعارض مع الطموح بإرساء "بريطانيا العالمية".

وانتقلت اليابان إلى المركز الرابع في عام 2019، متجاوزة روسيا لأول مرة، ففي مواجهة توازن القوى المتغيرة في جوارها، بما في ذلك الصين التي تزداد حزمًا، تستثمر طوكيو بهدوء في بصمتها الدبلوماسية منذ ما يقرب من عقد من الزمن، حيث أضافت سبعة بعثات جديدة في دول محوريّة استراتيجيًا مثل كمبوديا والفلبين وسيشيل وفانواتو، ليصل إجمالي عدد بعثات طوكيو إلى 247 بعثة.

فيما عزّزت تركيا شبكتها الدبلوماسية أيضًا، في تماهٍ مع سياستها الخارجية الطموحة بشكل متزايد، واتخاذها خطوات للتنويع من حلفائها بما يتخطى حلف الناتو، فقد أضافت ست بعثات جديدة منذ عام 2017، لتحتل المرتبة السادسة على مؤشر الشبكات الدبلوماسية على الرغم من امتلاكها أقل من نصف الناتج المحلي الإجمالي لروسيا التي تسبقها في المركز الخامس، على الرغم من إصدار تركيا سياسة "آسيا الجديدة" في آب/ أغسطس الماضي، فلم تتركز هذه البعثات في آسيا، فباستثناء سفارة جديدة في لاوس، وجهت تركيا توسعها الدبلوماسي نحو أميركا اللاتينية وأفريقيا.

إن اختيار الدول لمكان توسيع شبكاتها الدبلوماسية، هو أمر دائم الحسبان، فتشير كل من خطوات الصين وإيرلندا واليابان وتركيا، في هذا الصدد، إلى أولوياتها حول المكان التي تريد إرساء وجود لها فيه في المستقبل.

إن الثقل الدبلوماسي الجديد للصين له أهمية خاصة، وفي عهد الرئيس شي جين بينغ، تواصل بكين التفوق على أفضلية الولايات المتحدة، حيث تتصدر عددًا متزايدًا من المقاييس، وليست البصمة الدبلوماسية إلا واحدة منها (وتشمل المقاييس الأخرى الصادرات العالمية، وإنتاج المعادن الأرضية النادرة، والناتج المحلي الإجمالي مقاسة بتكافؤ القوة الشرائية)، إن شبكتها الدبلوماسية البارزة حديثًا هي على الأقل انتصار رمزي للصين، وبينما لا تستطيع الشبكات الدبلوماسية أن توضح كامل التأثير لأي دولة، على الخارج، إلا أنها تشكل مقياسًا قويًا للطموحات القومية.