الجدارة.. حكم يتناقض مع العدالة

الجدارة.. حكم يتناقض مع العدالة
توضيحية

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتب في مجال النظريات السياسية والعلوم النفسية، كليفتون مارك:


لقد قال الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، عام 2013: "نصبح صادقين في عقيدتنا عندما تعرف فتاة صغيرة ولدت في فقر مدقع أن لديها نفس فرصة النجاح مثل أي شخص آخر...".

وقال الرئيس الحالي دونالد ترامب، عام 2017: "يجب أن نخلق ملعبا متكافئا للشركات والعمال الأميركيين".

لقد أصبح حكم الجدارة (الميريتوقراطية)، مفهوما اجتماعيا مهيمنا. ودائما ما يعود السياسيون بمختلف تياراتهم الفكرية، إلى الفكرة الرئيسية القائلة إنه يجب توزيع مكافآت الحياة، كالمال، والسلطة، والعمل، والقبول للجامعات، بشكل يتناسب مع مهارة ومجهود الشخص.

وقد تكون الاستعارة الأكثر شيوعا وتعبيرا عن ذلك (في الولايات المتحدة)، هي "ساحة لعب متكافئة"، والتي يُفترض أنها تمكّن اللاعبين فيها، من الارتقاء إلى المستوى الذي يتناسب مع جدارتهم. ويُروّج لحكم الجدارة، على المستوى الأخلاقي كما المفاهيمي، على أنه النظام المعاكس لأنظمة أخرى مثل الأرستقراطية المتوارثة، والتي تُحدد فيها المكانة الاجتماعية للأشخاص بحسب حظهم في الولادة. وفي ظل حكم الجدارة، تُعد الثروة والمزايا المكتسبة بمثابة تعويضات عن الجدارة المُحقة، وليس ربحًا مفاجئًا تصادفيًّا ناجمًا عن الأحداث الخارجية.

ولا يكتفي معظم الناس بالإيمان بأن العالم يجب أن يُدار بحسب حكم الكفاءة فحسب، بل يعتقدون أنه مبني بهذه الطريقة أصلا. وفي بريطانيا مثلا، أظهرت نتائج استطلاع رأي سنوي للمواقف الاجتماعية عام 2009، أن 84 في المئة من المستطلعة آرائهم، قالوا إن العمل الشاق، هو أمر إما "ضروري"، أو "في غاية الأهمية" لعملية التطور الفردي.

وفي عام 2016، وجد استطلاع لـ"مؤسسة بروكينغس" الأميركية، أن 69 في المئة من الأميركيين، يؤمنون بأن الناس يُكافَؤون على ذكائهم ومهاراتهم. ويعتقد المجيبون (على أسئلة الاستطلاعين) في كلا البلدين، أن العوامل الخارجية، مثل الحظ والنشوء في عائلة ثرية، أقل أهمية بكثير من العمل الشاق (في مسيرة النجاح). وفي حين أن هذه الأفكار جلية في الولايات المتحدة وبريطانيا، فإنها تحظى بشعبية في جميع أنحاء العالم أيضا.

ورغم اتساع نطاق الاعتقاد بأن الجدارة وليس الحظ، هي التي من شأنها أن تحدد النجاح أو الفشل في العالم، إلا أنه ادعاء خاطئ بشكل يُمكن إثباته، وذلك خصوصا لأن الجدارة بحد ذاتها، هي نتيجة الحظ إلى حد كبير. حيث تعتمد المواهب والقدرة على بذل جهد حازم، على الهبات الوراثية والتربية بشكل كبير. ناهيك عن الظروف التصادفية، التي تتضمنها كل قصة نجاح شخصية.

قصص النجاح

يروي الاقتصادي الأميركي، روبرت فرانك، في كتابه "النجاح والحظ" (2016)، عن المغامرات الخطرة والصدف التي دفعت بيل غيتس، لارتقاء نجومي كمؤسس شركة "مايكروسوفت"، وإلى العوامل ذاتها التي أدت إلى نجاح الكاتب في الأكاديمية.

بيل غيتس (أ ب)

وبناء على ما يقوله، فإن الحظ يتدخل من خلال منح الجدارة للناس، وأيضا عبر توفير الظروف التي تترجم هذا الاستحقاق إلى نجاح. وهذا صحيح أيضا بما يتعلق بصناعة وموهبة الناجحين. لكن ذلك يوضح أن العلاقة بين الجدارة والنتيجة ضعيفة، وغير مباشرة في أفضل الأحوال.

وبحسب فرانك، فإن ذلك يتسق مع الواقع بشكل خاص، حين يكون النجاح محط تساؤل كبير، وحين يكون السياق الذي تحقق به، تنافسيا، فهناك بالتأكيد مبرمجون يتمتعون بقدر من المهارة مثل غيتس، لكنهم فشلوا في أن يتحولوا إلى أثرى أثرياء العالم. وفي السياقات التنافسية، يتمتع الكثيرون بالجدارة، لكن القليل منهم ينجحون. والحظ هو ما يفصل المجموعتين عن بعضهما البعض.

وبالإضافة إلى كون العلاقة بين النجاح والكفاءة خاطئة، تتنامى مجموعة واسعة من الأبحاث في مجال علوم النفس والأعصاب، التي تشير إلى أن الإيمان أفضلية الجدارة، يحول الناس إلى أشخاص أكثر أنانية، وأقل نقدا لأنفسهم، بل وأكثر عرضة للتصرف بطرق تمييزية. ما يعني أن حكم الجدارة ليس خطأ فحسب، بل إنه أمر سيئ.

وتُعد "لعبة الإنذار" تجربة معروفة في مختبرات العلوم النفسية، والتي يحصل بها أحد اللاعبين (مقدم العرض)، على مبلغ من المال، ويُطلب منه اقتراح تقسيم معيّن لهذا المبلغ، بينه وبين اللاعب الآخر (المستجيب)، الذي يُمكنه إما أن يقبل العرض أو يرفضه. وإذا ما رفض المستجيب العرض، فلا يحصل كلا اللاعبين على أي شيء. وكُررت هذه التجربة آلاف المرات، وعادة ما يقوم مقدم العرض، باقتراح تسوية عادلة نسبيا، وإذا ما كان المبلغ الممنوح له 100 دولار، فإنه عادة ما يقترح على الآخر أن يحصل على مبلغ بين الـ40 دولار والـ50 دولار.

ويُشير أحد التباينات في هذه اللعبة، إلى أنه إذا ما آمن الشخص بأنه يملك مهارات أكبر من الآخر، فإنه يميل عادة إلى التصرف بأنانية أكبر. وفي أحد الأبحاث بجامعة بكين العادية (بييشيدا)، لعب المشاركون لعبة مزيفة لتحديد مستوى المهارة، قبل تقديم العروض في "لعبة الإنذار". وما حصل أن اللاعبين الذين دُفعوا إلى الاعتقاد بأنهم فازوا (كذبا) في لعبة المهارة، طالبوا بجزء أكبر من حصة الأموال في "لعبة الإنذار"، لأنفسهم، مقارنة مع أولئك الذين لم يلعبوا لعبة المهارة. وهي نتيجة أكدتها دراسات أخرى.

وقد وجد الاقتصاديان ألدو روستيتشيني، من جامعة مينيسوتا وألكساندر فستروكنوتوف، من جامعة ماستريخت في هولندا، أن الأشخاص الذين شاركوا في لعبة مهارة كانوا أقل احتمالًا لأن يعيدوا توزيع الجوائز بشكل عادل، مقارنة بأولئك الذين شاركوا في ألعاب الحظ. ومجرد وجود فكرة المهارة في أذهان الخاضعين للتجربة، جعلتهم أكثر تسامحًا مع النتائج غير العادلة. ومع أن هذه النتيجة كانت صحيحة بالنسبة لجميع المشاركين، إلا أن التأثير كان أكثر وضوحًا بين "الفائزين" بألعاب المهارة.

وعلى النقيض من ذلك، أظهرت الأبحاث حول الامتنان، أن التذكر الدائم لدور الحظ في اللعبة، زاد من كرم اللاعبين.

ويستشهد فرانك بدراسة طُلب من المشاركين فيها تذكر العوامل الخارجية (الحظ، المساعدة من الآخرين) التي ساهمت في نجاحاتهم في الحياة، مما جعلهم أكثر عرضة لإعطاء الصدقة من أولئك الذين طلب منهم تذكر العوامل الداخلية (الجهد المبذول والمهارة).

بل أكثر سوءا من ذلك، فإن الإيمان بحكم الجدارة، كقيمة حياتية، يبدو أنه يعزز التصرفات التمييزية، فقد درس الباحث في مجال الإدارة من جامعة ماستشوسس للعلوم، إميليو كاستيلا، وعالم النفس ستيفان بنارد من جامعة إنديانا، محاولات لتطبيق ممارسات حكم الجدارة، مثل المكافأة على أساس الأداء في الشركات الخاصة. ووجدا أنه في الشركات التي تعتبر أفضلية الجدارة، قيمة أساسية، يمنح المدراء مكافآت أكبر للموظفين الذكور مقارنة مع ما يمنحونه للموظفات، على رغم من أن تقييمات الأداء بين المجموعتين متطابقة. لكن هذا التفضيل اختفى في الشركات التي لم تتبنى هذه القيمة بشكل واضح.

وهذا صادم لأنه من المفترض أن الحياد هو جوهر المظهر الأخلاقي الذي يبديه حكم الجدارة. ويُفترض بأن تتجنب "ساحة اللعب المتكافئة" التباينات غير العادلة القائمة على أساس الجنس والعرق وما شابه. ومع ذلك، وجد كاستيلا وبنارد، وفي مفارقة جليّة، أن محاولات تطبيق أفضلية الجدارة تؤدي إلى نشوء الأنواع ذاتها من اللامساواة التي تهدف إلى القضاء عليها. وأشارا إلى أن "مفارقة الجدارة" هذه تحدث لأن تبني الجدارة بشكل صريح كقيمة حياتية، يقنع الأشخاص بحسن نيتهم الأخلاقية، فعندما يرضون عن كونهم عادلون بما يكفي، يصبحون أقل ميلًا مساءلة سلوكهم بحثًا عن علامات التحيز فيه.

ما هي أفضلية الجدارة، إلا اعتقاد زائف وغير ناجع، وكما هو الحال مع أي أيديولوجية أخرى، فإن جزءًا من قوتها يكمن بتبريرها للوضع الراهن، لتوضح للناس لماذا ينتمون إلى المكان الاجتماعي الذي يصدف أنهم يتبوّؤونه. ويُعد حكم الجدارة مبدأ نفسي راسخ، حيث يفضل الناس الإيمان بأن العالم عادل.

ومع ذلك، فبالإضافة إلى الشرعية، يقدم حكم الجدارة الإطراءات أيضا، وعندما يتم تحديد النجاح وفقًا للاستحقاق، فيمكن اعتبار كل فوز بمثابة انعكاس لفضيلة الفرد وقيمته. ويُعد حكم الجدارة، الأكثر تهنئة للأفراد، من سائر مبادئ التوزيع. فالخيمياء الإيديولوجية التي يحتوي عليها، تنقل الملكية إلى الثناء، وعدم المساواة المادية إلى التفوق الشخصي. كما أن يمنح الأغنياء والأقوياء، رخصة لكي ينظروا إلى أنفسهم على أنهم عباقرة مثمرون.

وفي حين أن هذا التأثير موجود غالبا بين المنتمين للنخبة، يمكن رؤية أي إنجاز تقريبًا من خلال منطق حكم الجدارة. فيمكن مثلا، اعتبار التخرج من المدرسة الثانوية أو النجاح الفني أو مجرد الحصول على المال كدليل على الموهبة والجهد. وعلى نفس المنوال، تصبح الإخفاقات الحياتية علامات على وجود عيوب شخصية، مما يوفر تبريرا لماذا يجب أن يبقى أولئك الموجودين في أسفل الهرمي الاجتماعي، في ماكنتهم.

وهذا هو السبب الذي قد يجعل من النقاشات التي تدور حول مدى كون أفراد معينين "من صنع أنفسهم"، وحول تأثيرات أشكال مختلفة من "الامتياز"، مناظرات حادة للغاية. لا تنطوي هذه الحجج على من يحق له الحصول على شيء ما فحسب؛ بل إنها تتعلق بقدر "الفضل" الذي يمكن نسبه للناس على ما لديهم من أمور، والإيمان الذي تتيحه لهم نجاحاتهم، بصفاتهم الداخلية. وهذا هو السبب، في ظل افتراض حكم الجدارة، الذي يحول الفكرة القائلة بأن النجاح الشخصي هو نتيجة "الحظ"، إلى إهانة. فيبدو أن الاعتراف بتأثير العوامل الخارجية يقلل من الميزات الفردية أو ينكرها.

وعلى الرغم من الضمان الأخلاقي والإطراء الشخصي الذي يقدمه حكم الجدارة للناجحين، إلا أنه يجب التخلي عنه كإيمان حول كيفية عمل العالم وكمثال اجتماعي عام. إنه مفهوم خاطئ يُشجع الإيمان به على الأنانية والتمييز واللامبالاة بمحنة غير المحظوظ.