المؤسسة الديمقراطية تلتف حول بايدن لضرب ساندرز

المؤسسة الديمقراطية تلتف حول بايدن لضرب ساندرز
(أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتبان آدم هاريس وراسل بيرمان وهما صحافيان يعملان في مجلة "أتلانتيك".


في غضون 72 ساعة فقط، نجح المرشح الذي لم يفز بأي ولاية في ثلاث جولات تخبطت حملته فيها، بشق طريقه إلى قمّة المنافسة داخل الحزب الديمقراطي لاختيار مرشح رئاسي. قضى نائب الرئيس السابق، جو بايدن، مساء أمس الثلاثاء، أعظم ليلة في سعيه المستمر على مدار حياته للفوز برئاسة البيت الأبيض، حاصلا على غنائم "الثلاثاء الكبير" في زيادة غير متوقعة في صناديق الاقتراع.

والسبت الماضي، ألحق بايدن هزيمة ساحقة بالسيناتور بيرني ساندرز، في ولاية كارولاينا الجنوبية، مما أبطأ زخم الأخير الذي تصدر الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، قبل يوم "الثلاثاء الكبير". وهرع المرشحون الديمقراطيون المعتدلون، بمن فيهم المعارضون السابقون لبايدن، بيت بوتيجيج، وآيمي كلوبوشار، وبيتو أورورك، لإيقاف حملاتهم الانتخابية ودعم بايدن. وشكل ذلك التعاضد الذي كان يأمله بايدن، والذي ساهم في صعود هذا المرشح المتحمس بشكل مفاجئ، وجذب بعض الناخبين الذين ظن أنهم خسرهم قبل فوزه بولاية كارولاينا الجنوبية.

وقال بايدن لمراسل أبلغه أنه من المتوقع أن يفوز بولاية فرجينيا مساء الثلاثاء: "هناك شعور جيد". وكان قد زار أحد سلاسل المطاعم الشهيرة في لوس أنجلوس، على أمل اجتذاب ناخبين إضافيين قبل إغلاق صناديق الاقتراع في كاليفورنيا، وقال: "لا أعرف ما هي النتائج الفعلية، لكنها تبدو جيدة". إذا كان أي شخص يدرك مدى الصخب الذي ينطوي عليه هذا التقدم المُبكّر، فهو بايدن. وعلى الرغم من أنه لم يكن متحمسا جدا الليلة الماضية، إلا أنه كان يشعر بنشوة عندما صعد على المسرح في بالدوين هيلز بعد أن توالت النتائج في جميع أنحاء البلاد، إذا قال بصوت يكاد يبلغ الصراخ: "الناس يتحدثون عن الثورة. لقد ازداد الإقبال! وتحول نحونا". وفي الواقع، فإن بايدن يشعر بالفرح منذ بضعة أيام.

وفي أنحاء البلاد، جاء رد الناخبين الديمقراطيين، فبعد أن تذوقوا الثورة التي جسّدها ساندرز في ولايات آيوا، ونيو هامبشاير، ونيفادا، سرعان ما تحوّل الناخبون في الولايات الجنوبية، إلى الطرف الآخر، مُرجعين الحزب إلى سياسة يسار الوسط المعهودة، والتي يمثلها بايدن. ونال نائب الرئيس السابق، مدعومًا بالناخبين السود، انتصارات مبكرة ومقنعة في فرجينيا، وكارولاينا الجنوبية، وألاباما. وبسهولة شديدة، جمع عشرات المندوبين متقدما على ساندرز. وحتى في ولاية فيرمونت، مسقط رأس ساندرز، فقد بدا من المرجح أن يتجاوز بايدن الحد الأدنى البالغ 15% من الناخبين، والذي يؤهله للحصول على بعض المندوبين. وواصل فوزه في ولاية مينيسوتا، ويرجع الفضل في ذلك على الأرجح إلى تأييد كلوبوشار، وحصل على تأييد ناخبي ماساتشوستس، وهنا لم يتفوق على ساندرز فحسب، بل على الابنة المفضلة لهذه الولاية، السناتور إليزابيث وارين.

يُعد الفوز على الرئيس دونالد ترامب، محفزًا قويًا للديمقراطيين، بل أن 60% من الديمقراطيين الذين استطلعت آرائهم شركة "غالوب" في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قالوا إنهم يفضلون المرشح الأكثر حظًا في إلحاق الهزيمة بترامب في الانتخابات الرئاسية، على مرشح يتفقون معه على معظم القضايا الاجتماعية والسياسية.

وقالت ليزا جرانت كوفين، وهي مديرة فنية تبلغ من العمر 53 عامًا، لمجلة "أتلانتيك" في ليلة فوز بايدن الأول في ولاية كارولاينا الجنوبية: "كلما تقدمنا بالانتخابات التمهيدية، زاد الأمر خطورة على الجميع. ورغم أهمية الأيديولوجية، إلا أن هناك أهمية للبراغماتية أيضا. فلا يمكننا أن نفعل أي شيء إذا كنا نصرخ في الزاوية. يجب أن نصل إلى المكتب الرئاسي".

وحاجة الديمقراطيين الماسة للتغلب على ترامب، هي إحدى الأسباب التي جعلت صعود نجم العمدة السابق لمدينة نيويورك، مايكل بلومبرغ (يُذكر أن المقال كُتب قبل أن يعلن بلومبرغ انسحابه من المنافسة)، في صناديق الاقتراع، ممكنا. إذا قم هذا المرشح الثري بغمر أسواق الإعلانات برسالة واحد أساسية: وهي أنه يجسد الخيار الوحيد لإسقاط ترامب.

على مدار الأشهر القليلة الماضية، كان بلومبرغ بمثابة البطاقة الرابحة (التي ستتحدى ساندرز). فقد اتخذ خطوة محفوفة بالمخاطر بالتخلي عن الاستثمار في الولايات الأربعة الأولى في المنافسة، مراهنا بكل قوّته، أو ما لا يقل عن نصف مليار دولار من ثروته الشخصية، على ولايات "الثلاثاء الكبير". وللحظة وجيزة، بدا أن استراتيجيته فعّالة. وارتفعت أسهمه إلى مستويات مرتفعة في صناديق الاقتراع واستطلاعات الرأي لعدّة منافسات، ومن ثم جاء أداؤه البائس في المناظرة بين المرشحين التي أُجريت في ولاية نيفادا، تلاه إعادة النظر في مدى القوّة التي سيشكلها في منافسة ترامب على أرض الواقع. وبالتالي، تخلى عنه الناخبون الذين أرادوا اختيار بناء على قدرته المتوقعة (المفترضة) بالفوز على ترامب، والذين اعتقدوا ذات يوم أن بايدن قد يدمر نفسه بنفسه في هذه المسابقة، وعادوا للتزاحم حول الأخير. وفي وقت مبكر من الليلة الماضية، أصبح من الواضح أن أقوى دائرة انتخابية لبايدن، والتي تتمثل بالناخبين السود، ستواصل دعمه بأعداد كبيرة. ووفقًا لاستطلاعات الرأي التي أجريت في فرجينيا، فاز بايدن بنسبة 63% من أصوات السود في تلك الولاية، مقارنة بـ18% لساندرز و 10% فقط لبلومبرغ.

وقالت الأستاذة المساعدة في العلوم السياسية في جامعة فوردهام، كرستينا غرير، لمجلة "أتلانتيك" في مقابلة مساء أمس، إن "الكثير من الناخبين السود، وخصوصا أولئك الذين يقطنون في الجنوب، لا يبحثون عن إحداث ثورة. والسبب الذي يجعل الكثير من الناخبين السود الأكبر سنا، محافظين في اختياراتهم للمرشحين، يكمن بأنهم يعلمون ما الذي تستطيع هذه الدولة فعله... وبالتأكيد، سيتفق بعض الناس مع الحاجة إلى ثورة"، لكن كثيرين آخرين قد يكونون حذرين تجاه هذا الخيار.

وكان السؤال الأساسي في الليلة الماضية هو ما أهمية الدورة الذي سيلعبه فوز بايدن بكارولاينا الجنوبية، ودعم المرشحين المنسحبين والديمقراطيين البارزين له، بنتائج "الثلاثاء الكبير"، فلم يستثمر بايدن سوى جزءا ضئيلًا مما أنفقه منافسيه في ولايات "الثلاثاء الكبير"، فقد أنفق 2.2 مليون دولار مقارنة بالـ18 مليون دولار التي أنفقها ساندرز وحده. وفي ولاية كارولينا الجنوبية، كان للتأييد الذي حظي به من النائب جيم كليبرن، أهمية قُصوى. فكليبرن هو وسيط السلطة في الولاية. وبحسب استطلاعات الرأي التي أجرتها المحطات التلفزيونية في الولاية، فقد قال 47% من الناخبين الأساسيين في الولاية إن تأييد كليبرن لبايدن، كان عاملا مهمًا في التصويت.

لكن كليبرن شخصية سياسية فريدة، فليس هناك سوى عدد قليل من الشخصيات السياسية التي يحمل تأييدها لأي مرشح ديمقراطي، الوزن الذي يتمتع به كليبرن في كارولاينا الجنوبية. ومع ذلك، وكما أوضحت غرير، فإن تأييد شخصيات مثل أورورك لبايدن، قد تتسبب بتأثير نسبي. وأشارت إلى أن أورورك لا يزال "يحظى بصورة جيّدة في تكساس. ومن المحتمل أن يحمل ذلك الناخبين على دعم بايدن".

ومساء الثلاثاء، لم يحصل بايدن على دعم مؤيدي أورورك، وبوتيجيج، وكلوبوشار، فحسب، بل أيضًا دعم ديمقراطيين كانوا يريدون اختيار بلومبرغ أو وارن. فقد تنافس المرشحان على المركز الثالث في العديد من الولايات، وجمع كل منهما عددا قليلا نسبيا من المندوبين.

لكن ساندرز كان الضحية الأوضح لصعود بايدن بلا شك، إذ كان يأمل في بداية "الثلاثاء الكبير" أن يحصل على عدد وافر من المندوبين إلى حد سيصعّب على بايدن أو أي مرشح آخر اللحاق به في الأسابيع المقبلة. لكن بايدن هو الذي تصدر في ولاية تلو الأخرى، بدلا من ساندرز. ولم يبقى لساندرز سوى التطلع إلى كاليفورنيا، حيث حصل على تقدم كبير في استطلاعات الرأي، وحيث أدلى العديد من الديمقراطيين بأصواتهم المبكرة.

وبالنسبة لساندرز ومؤيديه، فإن الشيء الوحيد المؤكد في مسيرته نحو الترشح للرئاسة، هو أنه في مرحلة ما، سيحاول الأشخاص الذين يشكلون ما تبقى من المؤسسة الديمقراطية، إيقافه. وبالفعل، شكّل فوزه الساحق في ولاية نيفادا، محفزا لمؤسسة الحزب على الاستيقاظ لمواجهته.

وتعرض ساندرز لهجوم أكثر ضراوة من منافسيه الذين وجهوا انتقاداتهم لبلومبرغ في مناظرة لاس فيغاس، في مناظرة كارولاينا الجنوبية. وفي خلال المناظرة الأخيرة والأيام التي تلتها، ركز منتقدوه على رسالة واحدة: غالبية الأميركيين لا يريدون ثورة، وسيشكل ترشيح اشتراكي ديمقراطي لمواجهة ترامب مخاطرة يجب على الحزب ألا يخوضها، وذلك ليس بسبب فرص الوصول إلى البيت الأبيض فحسب، بل بالنسبة لمئات الديمقراطيين الذين ستظهر أسماؤهم في اقتراع تشرين الثاني/ نوفمبر تحت مرشح الرئاسة أيضا. وقالت كلوبوشار في مناظرة أُجريت في تشارلستون: "أنا أحب بيرني. لكنني لا أعتقد أنه الأفضل في قيادتنا".

وسُلط ضوءً إعلاميا أكبر على مؤيدي ساندرز الذين يراقبون النقاش السياسي عبر الإنترنت، من خلال إدانة أي شخص يجرؤ على انتقاد السيناتور وتوجيه انتقادات لاذعة لهؤلاء الأشخاص.

تحول العجز الطفيف في استطلاعات الرأي قبل منافسة ولاية كارولاينا الجنوبية، إلى الخسارة الأولى لساندرز في الانتخابات التمهيدية، إذ تخلف ساندرز بـ30 نقطة عن بايدن. وقال لأنصاره في تلك الليلة: "لا يمكننا الفوز بجميع الولايات"، بنبرة تبدو أنه يستغرب من النتيجة. لكن الديمقراطيين كانوا يتحركون، والسرعة التي تحولت بها المنافسة في الأيام الثلاثة بين ولاية كارولاينا الجنوبية، وولايات "الثلاثاء الكبير"، أثارت دهشة داعمي ساندرز؛ فقد انسحب كلم من بوتيجيج، وكلبوشار (إلى جانب الملياردير توم شتاير) وأيدوا بايدن.

وقال لاري كوهين، رئيس رابطة داعمة لساندرز، للمجلة: "لم أكن أتوقع أن الثلاثة سينسحبون".

وقد لا يعرف مدى نجاح ساندرز (أو عدم نجاحه) في كاليفورنيا لأسابيع، لأن شعبية الاقتراع عبر البريد الإلكتروني تجعل أكبر ولاية في البلاد بطيئة بشكل ملحوظ في فرز الأصوات. وفي هذه الأثناء، فإن الولايات الكبرى التي ستصوت في الأسبوعين المقبلين ستوفر فرصًا له ولبايدن. ومع وجود الكثير من المندوبين الذين لا يزالون في متناول اليد، لا يزال لدى ساندرز متسعا من الوقت لإعادة تجميع صفوفه. وسيتعرض بايدن للضغط من أجل جمع المزيد من الأموال وبناء منظمة أكبر، بسرعة، وسيتعين عليه مواصلة توجيه العقبات اللفظية التي دفعت الديمقراطيين في البداية إلى التشكيك في قابليته للاستمرار في الانتخابات العامة.

وتُعتبر ولاية ميشيغان، وهي أكبر جائزة في العاشر من آذار/ مارس الجاري، موقعًا لأحد أكثر انتصارات ساندرز المفاجئة على هيلاري كلينتون في عام 2016، عندما تغلب على تراجع في استطلاعات الرأي بأكثر من 20 نقطة. كما أنه زاحم كلينتون على التعادل في ولاية ميسوري، التي ستصوت أيضا الأسبوع المقبل. أما بايدن، فيحظى بوضع جيد في ميسيسيبي، حيث يشكل الأميركيون من أصل أفريقي جزءا كبيرا من الناخبين الديمقراطيين في هذه الولاية.

وسيكون 17 آذار/ مارس الجاري، اليوم الأعظم في تقويم الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، عندما تدخل كل من أوهايو/ وإلينوي، وفلوريدا للسباق. وفلوريدا هي المكان الذي من المرجح أن يواجه فيه ساندرز المصاعب الأكبر لحملته الانتخابية، فقد وجهت له كلينتون عام 2016، ضربة كبيرة في فلورديا، ولا تتناسب أجندته الاشتراكية الديمقراطية مع النسبة الكبيرة التي يشكلها الناخبون كبار السن، واللاتينيون المحافظون من الولاية.

ومع استمرار المنافسة، يتحتم على ساندرز أن يأخذ العودة القوية لبايدن بعين الاعتبار، إذ أنها شكلت تطورا غير متوقعا لحملة الأخير. وفي وقت متأخر من الإثنين الماضي، كان أنصار ساندرز لا يزالون يأملون، إن لم يتوقعوا أصلا، انتصارا كبيرا لساندرز في "الثلاثاء الكبير". وقال رئيس منظمة "الديمقراطية من أجل أميركا"، تشارلز تشامبرلين، وهي مجموعة تقدمية تساند ساندرز، للمجلة الإثنين الماضي: "أعتقد أن بيرني ساندرز سيخرج من الثلاثاء الكبير حاصلا على أكبر عدد من الولايات، ومعظم المندوبين، وأكبر عدد من الأصوات".

وبمجرد فرز الأصوات في كاليفورنيا بشكل كامل، قد يكون جو بايدن هو الفائز في "الثلاثاء الكبير"، على جميع هذه المقاييس الثلاثة، وليس بيرني ساندرز.

ومع تراجع بلومبرغ ووارن من حيث عدد المندوبين، فإن السباق الذي بدأ منذ أكثر من عام في ملعب ديمقراطي يُعد الأكثر تنوعا في تاريخ الحزب، تعود المنافسة إلى رجلين من ذوي الياقات البيضاء، أمضيا الجزء الأكبر من حياتهما يمشون في قاعات كابيتول الولايات المتحدة.

ويوم الثلاثاء، كان بايدن البالغ من العمر 77 عاما، أي أصغر بعام واحد من ساندرز، هو الذي فاز في الليلة.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ