"المنسيون" هم الأكثر عرضة لخطر كورونا

"المنسيون" هم الأكثر عرضة لخطر كورونا
(أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتب مايك دافيس وهو محرر مساهم في مجلة "ذي نيشن"، وكاتب ومؤرخ وناشط سياسي. صدر له: "سجناء الحلم الأميركي"، "مدينة الكوارتز"، "إيكولوجيا الخوف"، و"كوكب الأحياء الفقيرة".


تحول فيروس كورونا (كوفيد 19)، إلى "الوحش" القادم الذي يتربص بنا. ويعمل الباحثون ليلا ونهارا لتمييز جوانب الفاشية (الوباء) الجديد، لكن ثلاثة تحديات كبرى تواجههم؛ الأول: النقص المستمر بمعدات الفحص أو عدم توفرها، قضى على الأمل باحتواء المرض. إضافة إلى أن ذلك يمنع التقديرات الدقيقة لمعلومات الفيروس الرئيسية، مثل معدلات انتشاره وعدد المصابين به وحجم الإصابات الحميدة من مجمل الإصابات. والنتيجة، فوضى بالأرقام.

ومع ذلك، توجد بيانات ذات موثوقية أكبر حول تأثير الفيروس على مجموعات معينة في عدد قليل من البلدان التي تفشى فيها الفيروس (ككبار السن والمصابين بأمراض مزمنة)، وهذا أمر مخيف للغاية، إذ أن "إنفلونزا كرورنا" كما وصفها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تمثل خطرا غير مسبوق على كبار السن، إذ من المحتمل أن يبلغ عدد ضحاياها الملايين.

(أ ب)

أما التحدي الثاني، فيكمن بأن هذا الفيروس شأنه شأن أي إنفلونزا سنوية، يمر بعملية تحول مع تنقله من خلال مجموعات سكانية ذات تركيبات عمرية مختلفة وتفاوت بحصانات أفرادها المكتسبة. ومن المرجح أن يختلف تنوع المصابين الأميركيين، اختلافا طفيفا، عن تنوع الشريحة التي أُصيبت أولا في مدينة ووهان الصينية، منشأ الفيروس. وقد يكون التحول الجيني المحتمل للفيروس، بسيطًا، أو أن يتمكن من تغيير توزيع مدى خبثه المتصاعد مع التقدم في العمر، إذ ظهر حتى الآن، أن خطر إصابة الرضع والأطفال الصغار بالفيروس ضئيلا، بينما يواجه أولئك الذين تخطت أعمارهم حاجز الثمانين عاما، تهديدا قاتلا من الالتهاب الرئوي الفيروسي.

ويتلخص التحدي الثالث بأنه حتى وإن بقي الفيروس في وضع مستقر، أو طرأ عليه تحولا (طفرة) طفيفا، فإن تأثيره على الشرائح السكانية الأقل من 65 عاما، قد يختلف اختلافا جذريا بين مجموعة وأخرى، خاصة في الدول الفقيرة، والمجموعات التي تعاني من الفقر المدقع حول العالم.

ولنأخذ العبرة من التجربة العالمية لـلإنفلونزا الإسبانية التي تفشت بين العامين 1918 و1919، ووصلت التقديرات حينها أنها قتلت ما بين 1 إلى 2 في المئة من البشرية. وتميز هذا المرض، بعكس كورونا المستجد، بكونه أكثر فتكا بالشباب وكثيرا ما نُسب ذلك إلى كون الأنظمة المناعية لهذه الفئات العمرية تُعد أقوى من غيرها نسبيا، إذ أنه كان لتفاعلها المفرط مع عدوى الإنفلونزا الإسبانية، تأثيرا قاتلا على خلايا الرئة. ولقد وجد هذا الفيروس موطأه المفضل في معسكرات الجيش وخنادق ساحات المعارك حيث حصد أرواح عشرات آلاف الجنود الشباب. ويُعزى انهيار "هجوم الربيع" الألماني الكبير عام 1918، والذي أفضى إلى انتصار قوّات الحلفاء بالنتيجة النهائية للحرب، إلى أن الأخيرة استطاعت أن تعيد تعبئة قواتها المريضة بقوات أميركية وصلت في مرحلة متقدمة من الحرب، بخلاف دول المحور.

مع ذلك، عند الحديث عن الإنفلونزا الإسبانية، فإنه نادرا ما يُشار إلى حقيقة أن 60 في المئة من الذين قتلهم هذا المرض، كانوا من غربي الهند حيث تزامن تصدير الحبوب إلى بريطانيا وممارسات الاستيلاء (الاستعماري) الوحشي الأخرى، مع جفاف حاد. ليدفع نقص الغذاء الناتج عن ذلك، ملايين الفقراء إلى حافة المجاعة. وأصبح هؤلاء ضحايا التعاضد الشرير بين سوء التغذية، الذي قمع استجابتهم المناعية للعدوى، وانتشار الالتهاب الرئوي البكتيري والفيروسي. وفي إيران التي كانت تخضع للاحتلال البريطاني في ذلك الوقت، فقد أدى استمرار الجفاف وتفش الكوليرا، ونقص الغذاء، والتي تلاها تفشي مرض الملاريا، إلى وفاة خمس سكانها.

ويُنذرنا هذا التاريخ، وخاصة الجزء الذي يتضمن العواقب غير المعروفة للتفاعلات بين العدوى وسوء التغذية، من أن "كوفيد 19"، قد يتخذ مسارا مختلفا وأكثر فتكا في الأحياء الفقيرة في أفريقيا وجنوب آسيا. وغالبا ما تتغاضى الصحافة والحكومات الغربية، عن الخطر الذي يتربص بفقراء العالم، نتيجة الفيروس، بل أن المقال الوحيد الذي رأيت أنه يتطرق لهم، يدعي أنه نظرا لأن سكان المناطق الحضرية في غربي أفريقيا هم الأصغر سنا عالميا، فإنه من المفترض أن يكون تأثير الفيروس معتدلا. وفي ضوء تجربة عام 1918، فإن ذلك استقراء أحمق، فما من أحد يعرف ما سيحدث خلال الأسابيع المقبلة في لاغوس أو نيروبي أو كراتشي أو كولكاتا. واليقين الوحيد هو أن الدول الغنية والطبقات الغنية ستركز على إنقاذ نفسها إلى حد الاستغناء عن التضامن الدولي والمساعدة الطبية، أي تشييد "الجدران" بدلا من توزيع اللقاحات: هل يمكن أن يكون هناك نموذج أكثر شرًا من ذلك للمستقبل؟

فشل أميركي محتمل في احتواء المرض

قد ننظر بعد مرور عام من الآن، بأثر رجعي، بإعجاب، إلى نجاح الصين في احتواء الوباء، على عكس الرعب الذي سنشعر بها إزاء فشل الولايات المتحدة المحتمل. (وأبالغ هنا بالافتراض أن إعلان الصين حول الانخفاض السريع لمعدلات الإصابة، دقيق إلى حد ما) فعجز المؤسسات الأميركية عن إبقاء "صندوق باندورا" مغلقا، ليس مفاجئا. وشهدنا الأعطال المتكررة في نظام الراعية الصحية الأميركي منذ عام 2000.

وعلى سبيل المثال، طغى موسم الإنفلونزا في عام 2018 على المستشفيات في جميع أنحاء البلاد، فاضحا النقص المروع في أسرّة المستشفيات بعد عشرين عاما من التقليصات التي تعرضت لها القدرة الاستيعابية للمرضى، نتيجة السياسات الربحية. وأدى إغلاق المستشفيات الخاصة والخيرية والنقص بقطاع التمريض، والتي طُبقت بمنطق السوق، إلى تدمير الخدمات الصحية في المجتمعات الفقيرة والمناطق الريفية، مما أدى إلى نقل العبء إلى المستشفيات العامة سيئة التمويل، وغيرها من المؤسسات الخيرية. وليس بإمكان أقسام الطوارئ في مثل هذه المؤسسات أن تتعامل مع محض عدوى موسمية، فكيف ستتعامل مع الحمل الزائد الوشيك للحالات الحرجة؟

لا نزال في المراحل الأولى من إعصار قد يعصف بالقطاع الصحي، وعلى الرغم من التحذيرات المستمرة على مدار أعوام، من إنفلونزا الطيور والأوبئة الأخرى، فإن مخزونات معدات الطوارئ الأساسية مثل أجهزة التنفس الصناعي ليست كافية للتعامل مع التدفقات الهائلة للحالات الحرجة، المتوقع حدوثها. ولا تنفك نقابات الممرضين في كاليفورنيا والولايات الأخرى من إطلاعنا على المخاطر الجسيمة التي قد تسببها المخزونات غير الكافية من لوازم الحماية الأساسية مثل أقنعة الوجه "إن 95". وسيكون مئات الآلاف من العاملين في مجال الرعاية المنزلية ذوي الأجور المتدنية، أكثر عرضة للخطر لأنهم غير مرئيين.

ولطالما كان قطاع الرعاية المنزلية، والرعاية المساعدة، الذي يأوي نحو 2.5 مليون أميركي مسن، بمثابة فضيحة وطنية. فوفقا لصحيفة "نيويورك تايمز"، يموت نحو 380 ألف نزيل في دور الرعاية سنويا، بسبب إهمال المرافق لإجراءات مكافحة العدوى الأساسية. وتجد العديد من هذه المنشآت، لا سيما في الولايات الجنوبية، أن دفع غرامات المخالفات الصحية أرخص من توظيف موظفين إضافيين وتزويدهم بالتدريب المناسب. والآن، ستصبح العشرات من دور التمريض، أو ربما المئات منها، بؤر ساخنة لفيروس كورونا، ومنطقيًا، سيفضل موظفو هذه المؤسسات ذوي الأجور المنخفضة، البقاء في منازلهم لحماية أسرهم، على الاستمرار في العمل. وفي حالة كهذه، قد ينهار النظام ولا يمكننا أن نتوقع من الحرس الوطني أن يرسل عناصره لاستبدالهم.

وكشف الوباء فور تفشيه، الانقسام الطبقي الصارخ في مجال الرعاية الصحية؛ إذ أن أولئك الذين يحظون بتأمين صحي جيد والذين بإمكانهم أن يعملوا من منازلهم أيضا، قد يعزلوا أنفسهم براحة كافية شريطة اتباع إجراءات وقائية حكيمة. وسيضطر موظفو القطاع العام، والمجموعات الأخرى من العمال النقابيين الذين يتمتعون بتغطية لائقة، إلى اتخاذ خيارات صعبة بين الدخل والحماية. أما الملايين من عمال القطاع الخدماتي ذوي الأجور المتدنية، وموظفي المزارع، والعمال المؤقتين الذين يفتقرون للتغطية الصحية، والمشردين، فسيتم التضحية بهم (إلقاؤهم لتنهشهم الذئاب، على حد تعبير الكاتب). وحتى إذا قامت واشنطن في نهاية المطاف بحل فشلها الذريع في فحوصات فيروس كورونا، ووفرت عددا كافيا من العتاد للمؤسسات الصحية، فإن أولئك غير المؤمَّنين صحيا، عليهم أن يدفعوا للأطباء والمستشفيات لإجراء الفحوصات. وبشكل عام، سترتفع الفواتير الطبية العائلية في نفس الوقت الذي يفقد فيه الملايين من العمال وظائفهم والتأمين الذي يحصلون عليه من أصحاب العمل. أيمكن أن تكون هناك لحظة أكثر إلحاحا لتطبيق الرعاية الصحية أحادية الدفع، أكثر من هذه؟

شركات الأدوية الكبرى

لكن التغطية الشاملة ليست سوى خطوة أولى في سبيل حل الأزمة، فمن المخيب للآمال مثلا، أن السناتورين التقدميين، بيرني ساندرز، وإليزابيث وارن، لم يسلطا الضوء، خلال منافستهما في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، على تنازل شركات الأدوية العملاقة عن البحث والتطوير في مجال المضادات الحيوية ومضادات الفيروسات الجديدة. فمن بين أكبر 18 شركة أدوية، تخلت 15 شركة عن هذا الحقل بشكل تام لصالح العقاقير المربحة، مثل أدوية القلب والمهدئات المسببة للإدمان، وعلاجات العجز الجنسي، مقابل العقاقير التي لا تجني الشركات أرباحا طائلة منها كتلك الواقية من عدوى المستشفيات، والأمراض الناشئة والموسمية التقليدية القاتلة. فمثلا، لقد كان تطوير لقاح شامل للإنفلونزا، أي لقاح يستهدف الأجزاء غير القابلة للتغيير من البروتينات السطحية للفيروس، متاحا لعقود ولكنه لم يكن أبدًا أولوية مربحة.

مع عودة ثورة المضادات الحيوية إلى الوراء، ستعاود الأمراض القديمة الظهور إلى جانب الإصابات الجديدة وستتحول المستشفيات إلى "مستودعات لتخزين الموتى". فحتى ترامب يمكنه انتقاد تكاليف الوصفات الطبية الباهظة، بما يتماشى مع مصالحه، لكننا بحاجة إلى رؤية أكثر جرأة تتطلع إلى تفكيك احتكار الأدوية، وتوفير الإنتاج العام للأدوية الأساسية. (وهذا ما ساد في الماضي، فخلال الحرب العالمية الثانية، قام الجيش بتجنيد جوناس سالك وباحثين آخرين، لتطوير لقاح الإنفلونزا الأول).

وكما كتبت قبل خمسة عشر عامًا في كتابي "الوحش يتربص بنا: التهديد العالمي لإنفلونزا الطيور":

"يجب أن يكون الحصول على الأدوية الأساسية، والتي تشمل اللقاحات والمضادات الحيوية والأدوية المضادة للفيروسات، حقا من حقوق الإنسان مكفولا للجميع بدون تكلفة. إذا لم تستطع الأسواق تقديم حوافز لإنتاج مثل هذه الأدوية بتكلفة زهيدة، فيجب على الحكومات والمنظمات غير الربحية تحمل مسؤولية تصنيعها وتوزيعها. يجب أن تحظى نجاة الفقراء بأولوية أعلى من أرباح شركات الأدوية الكبرى، في جميع الأوقات".

لكن الجائحة الحالية توسع هذا الادعاء؛ تبدو العولمة الرأسمالية غير مستدامة بيولوجيا في غياب بنية تحتية دولية للصحة العامة. لكن مثل هذه البنية التحتية لن تكون موجودة أبدًا حتى يكسر الناس قوة شركات الأدوية الكبرى، والرعاية الصحية الربحية.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ