الخوف ينتشر أسرع من الفيروس

الخوف ينتشر أسرع من الفيروس
نرى غيرنا خائفا فنخاف! (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال المحاضر المساعد في قسم الطب النفسي، في معهد علم الأعصاب الجزيئي والسلوكي، في جامعة ميشيغان بأميركا، جيسيك ديبياك.


مع تكاثر حالات الإصابة بفيروس "كوفيد-19"، انتشرت جائحة من الخوف بالتوازي مع وباء كورونا المستجد، والتي طرأت نتيجة الإعلانات المستمرة والمكثفة لوسائل الإعلام عن إلغاء أحداث وتجمعات عامة "بسبب المخاوف من فيروس كورونا"، وعرض محطات التلفزيون صورَ "ذعر التسوق الذي سببه كورونا"، والنقاش في المجلات حول الهجمات العنصرية ضد آسيويين أشعلتها "المخاوف من الفيروس".

وبسبب النطاق العالمي الواسع المُتاح لوسائل الإعلام الحديثة، وطبيعة أخبارها الفورية، فإن عدوى الخوف تنتشر بشكل أسرع من الفيروس الخطير غير المرئي، فمجرد مشاهدة أو سماع شخص آخر يخاف الفيروس، فإن متلقي المعلومة ينتابه الخوف أيضا دون أن يتقصى ودون أن يعرف سبب خوف الآخر حتى.

وبصفتي طبيبا نفسيا وباحثا يدرس الآليات الدماغية للتنظيم الاجتماعي للعواطف، كثيرا ما أرى مدى خطورة عدوى الخوف في الوضعيات السريرية والتجريبية.

نرى غيرنا خائفا فنخاف! (أ ب)

الاستجابة للخطر عن طريق الخوف

تُعدّ عدوى الخوف ظاهرة قديمة تطورية لاحظها ولا زال يلاحظها الباحثون في العديد من الكائنات الحية، بما في ذلك الحيوانات والبشر، والتي قد تكون قيّمة للغاية من أجل النجاة.

وعلى سبيل المثال، لنتخيل قطيعا من الظباء يرعى في سهل عشبي أفريقي بهدوء وسلام في يوم مشمس، وفجأة، يستشعر أحد الظباء في المجموعة، وجود أسد يتربص بالقطيع، فإن أول ردة فعل له سيكون التجمد في مكانه، ومن ثم سيقوم بإشارة إنذار بسرعة بالغة، ويهرب بعيدا عن الحيوان المفترس، وفي غمضة عين، ستقوم جميع الظباء باللحاق به.

العقول مبرمجة للاستجابة لتهديدات البيئة. لذا، فقد أثارت الإشارات الصوتية، أو حاستا البصر والشم، استجابتَي البقاء الأوليتين لدى الظباء، بشكل تلقائي؛ جمود الحركة ومن ثم الهروب.

وتُعد اللوزة الدماغية، مفتاح الاستجابة للمخاطر، فهي تتلقى معلومات حسية تميّز عبرها المنبهات المرتبطة بالخطر، بسرعة، ومن ثم ترسل اللوزة الدماغية الإشارة إلى مناطق أخرى من الدماغ، بما في ذلك منطقة ما تحت المهاد وجذع الدماغ، لتنسيق استجابات دفاعية محددة في ما بينها.

وتُعرف نتائج هذا التنسيق عادة، باستجابة الخوف ومن ثم الجمود والهروب، أو القتال. ويتشارك البشر هذه السلوكيات التلقائية وغير الواعية مع الكائنات الأخرى.

الخوف لا يترك كبيرا أو صغيرا (أ ب)

عدوى الخوف تتخطى الاستجابة المباشرة

يفسر ما ذُكر أعلاه، الخوف المباشر الذي شعر به الظبي المذكور عند استنشاق رائحة أسد في الجوار، أو رؤيته، لكن عدوى الخوف تتخطى هذه الاستجابة، إذ إن ردة الفعل الذي اتخذته الظباء عبر الهرب للنجاة بحياتها متتبعة عضوا خائفا منها، كان تلقائيا أيضا. ومع ذلك، فإن هروبها لم يأتِ كرد فعل مباشر على هجوم الأسد، أو احتمال هجومه، بل نتيجة لسلوك عضو المجموعة المرعوب المتمثل بالجمود اللحظي في المكان، وإطلاق إنذار، ومن ثم الهرب، ما يعني أن المجموعة بأكملها تصرفت بناء على خوف أحد أفردها، ولحقته.

والناس، شأنهم شأن الحيوانات، يتمتعون أيضا بحساسية عالية للذعر أو الخوف الذي يعبر عنه أبناء جلدتهم، إذ هُيأت أجساد البشر ببراعة للكشف عن ردود أفعال البقاء التي يعبر عنها الآخرين.

اكتشفت الدراسات التجريبية أن إحدى المناطق في الدماغ، والتي يُطلق عليها اسم القشرة الحزامية الأمامية، مسؤولةٌ عن تفعيل هذه القدرة، فهي تحيط بحزمة الألياف التي تربط النصف الأيمن والأيسر من الدماغ ببعضهما البعض، وتتفعل هذه المنطقة من الدماغ عندما نشاهد استجابة خوف يعبر عنها شخص آخر.

وأكدت الدراسات التي أُجريت على الحيوانات، أن الرسالة حول خوف الآخر تنتقل من القشرة الحزامية الأمامية، إلى اللوزة الدماغية، لتقوم الأخيرة بإطلاق الاستجابات الدفاعية.

والمنطق من وراء تطور عدوى الخوف التلقائية واللاواعية في الكائنات الاجتماعية، يكمن بأنها تساعد على منع زوال مجموعة كاملة محكومة بترابط أفرادها في ما بينهم، وحماية جميع جيناتهم المشتركة حتى يتمكنوا من نقلها إلى الأجيال التالية.

وفي الحقيقة، تظهر الدراسات أن انتقال الخوف الاجتماعي يكون أكثر قوة بين الحيوانات التي ترتبط أو تنتمي إلى المجموعة ذاتها بالمقارنة مع الغرباء، وذلك ينطبق على البشر أيضا.

ومع ذلك، فإن عدوى الخوف تُستخدم كوسيلة فعالة لنقل الردود الدفاعية بين الكائنات المختلفة وليس بين أفراد المجموعة ذاتها فقط. فقد اكتسبت العديد من الحيوانات، من خلال عملية التطور، القدرة على التعرف على نداءات الإنذار الصادرة عن أنواع أخرى، فعلى سبيل المثال، من المعروف أن صوت الطيور يؤدي إلى استجابات دفاعية في العديد من الثدييات.

(أ ب)

بث الخوف في 2020

تطرأ عدوى الخوف تلقائيًا ودون وعي، مما يصعب السيطرة عليها حقا. وتفسر هذه الظاهرة لماذا يمكن أن نرى نوبات من الهلع الجماعي الذي قد يحدث في الحفلات الموسيقية أو الأحداث الرياضية أو التجمعات العامة الأخرىـ فبمجرد أن يُثار الخوف في الحشد، ربما ظنّ أحدهم أنه سمع طلقات نارية، فلا تشعر المجموعة أن هناك وقتا أو فرصة للتحقق من مصدر الخوف.

ويتحتم على الناس أن يعتمدوا على بعضهم البعض، تمامًا كما تفعل الظباء. وينتقل الخوف من شخص إلى آخر، مصيبا كل فرد في طريقه. ومن ثم يبدأ الجميع الركض للنجاة بحياتهم، وفي أحيان كثيرة، ينتهي هذه الذعر الجماعي بالمآسي.

ولا تتطلب عدوى الخوف لدى البشر، التقارب أو الاتصال الجسدي المباشر مع الآخرين، فتستطيع أن تقوم وسائل الإعلام التي تنشر الصور والمعلومات المرعبة، بمهمة نشر الخوف بفعالية عالية.

علاوة على ذلك، ففي حين أن الظباء تتوقف عن الركض بمجرد أن تكون على مسافة آمنة من الحيوانات المفترسة، فإن الصور المخيفة التي تبثها وسائل الإعلام، يمكنها أن تبقي الإنسان خائفا، فالشعور بالخطر المباشر لا يهدأ، كما تزيد وتيرة عدوى خوف في ظل الظروف التي تعمل دائمًا على "فيسبوك" و"توتير"، ووسائل الإعلام التي تعمل على مدار الساعة يوميا.

(أ ب)

معالجة الخوف الذي ينقله الآخرون إلينا

ليست هناك طريقة لمنع عدوى الخوف من الانتقال، فهي تلقائية وتعمل في اللاوعي، لكن بإمكان الإنسان أن يسيطر عليها ويخفف من حدتها، فنظرا لكونها ظاهرة اجتماعية، فإن الكثير من القوانين التي تحكم السلوكيات الاجتماعية يُمكن تطبيقها لهذه الغاية أيضا.

وبالإضافة إلى إمكانية تناقل المعلومات المخيفة، توجد طرق أيضا، للنقل الاجتماعي للمعلومات المتعلقة بالأمان، وقد وجدت الدراسات أن وجود شخص ما في وضعية هادئة تتسم بالثقة، يساهم في التغلب على الخوف الذي يكتسبه الآخرين من خلال ملاحظته، فعلى سبيل المثال، سيهدأ الطفل الذي يشعر بالخوف إزاء حيوان غريب، بمجرد أن يكون شخص هادئ على مقربة منه. ويصبح نموذج الأمان هذا فعّالًا بشكل خاص، عندما ينظر الشخص إلى آخر قريب منه، أو إلى شخصي يعتمد عليه، مثل مشرف أو شخصية سلطوية.

إضافة إلى ذلك، تُعدّ الأفعال ذات أهمية أكبر من الكلمات، لكنها يجب أن تتطابق معها أيضا، فعلى سبيل المثال، إذا أرادت جهة ما أن تشرح للجمهور أنهم ليسوا بحاجة إلى ارتداء أقنعة الوجه الواقية، لكنها تواصل عرض صور لأفراد طواقم طبية يفترض أنهم أصحاء، أثناء فحص وجود فيروس "كوفيد-19" لدى أشخاص آخرين، وهم يرتدون بدلات واقية، يؤدي إلى نتائج عكسية، وبالتالي، سيميل الناس على الأرجح، لشراء أقنعة الوجه الواقية لأنهم يرون شخصيات رسمية ترتديها عند مواجهة خطر غير مرئي.

لكن الكلمات لا تزال ذاته أهمية، لذا يجب تقديم المعلومات حول الخطر والسلامة بوضوح، بالإضافة إلى تعليمات واضحة حول ما يجب القيام به، فعندما يشعر الشخص بضغط كبير، يكون من الصعب عليه معالجة التفاصيل والفروق الدقيقة. وحجب الحقائق المهمة أو الكذب يزيد من عدم اليقين لدى الناس، ويزيد عدم اليقين بدوره، من المخاوف والقلق لدى الناس.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ