جائحة كورونا قد تعيد تشكيل النظام العالمي

جائحة كورونا قد تعيد تشكيل النظام العالمي
(أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الدبلوماسي الإيطالي السابق ماركو كارنيلوس.


يبدو أن جائحة فيروس كورونا المستجد بدأت تظلل على الديناميكيات والأحداث التي تؤثر على التوازنات الإقليمية والدولية، وتحفزها في ذات الوقت، في نظام عالمي يمر بتغيير من الأصل.

فقد قوضت روسيا، مرّة أخرى، الطموح التركي لتقرير مصير محافظة إدلب السورية، وما تبقى من حركات المعارضة المسلحة في البلاد.

أما ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، فقد شن حملة أمنية إضافية على العائلة المالكة والموظفين الحكوميين، في خطوة لاستباق انقلاب محتمل أو للتجهيز لاعتلائه العرش، أو كليهما. كما أنه شن حربا نفطية أيضا، غامرا الأسواق بخام سعودي عالي التنافسية، ودافعا الأسعار إلى مستويات منخفضة للغاية، متحديا الإنتاج الروسي والإيراني وحصصهما في السوق، بينما يُعرض صناعة النفط الصخري الأميركية لإفلاس محتمل.

النفط السعودي

لقد رأينا بالفعل أنه يمكن تخفيض إنتاج النفط السعودي إلى النصف بضربة واحدة، ويكمن الخطر الآن بأنّ ذلك قد يحدث مرة أخرى. وليس من الواضح بعد ما إذا كان القراران الأخيران لبن سلمان مرتبطين بأي شكل من الأشكال ببعضهما، أو ما إذا كانا سيجلبان نتائج عكسية عليه وعلى بلاده.

وفي خضم ذلك، نفخت حالة طوارئ الناجمة عن الفيروس، الحياة بالمسار السياسي لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي أُجّلت محاكمته إلى 24 أيار/ مايو المقبل. ومع ذلك، فإن احتمال احتفاظه بمنصبه الحالي من خلال حكومة طوارئ وطنية تقودها أزمة "كوفيد-19"، ضئيلة.

(أ ب)

ويبدو أن الفيروس يؤلم إيران أكثر من عقود من العقوبات الغربية، دافعا الحكومة إلى التقدم بطلب غير مسبوق لتلقي مساعدة من صندوق النقد الدولي. فهل يُمكن لهذا الفيروس أن يكون القشة التي ستكسر ظهر الجمل الإيراني؟

ومن المنظور الروسي، حيث يبدو أن الرئيس فلاديمير بوتين، يجهز نفسه للبقاء في السلطة حتى عام 2036، فإن توقيت الحرب النفطية يبدو مضبوطا بشكل جيّد لضرب الولايات المتحدة في لحظة حاسمة تشهد فيها تأرجح نظامها المالي على حافة الانهيار. وفي نظرة إلى الماضي، يبدو أن المعارضة الأميركية لخط أنابيب الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا "نورد ستريم 2"، لم تكن حكيمة. وبالمناسبة، لم يؤثر الوباء بشكل جوهري على روسيا حتى الآن.

الصين والغرب

على عكس روسيا، تأثرت الصين بشكل كبير بتفشي "كوفيد-19"، لكنها تروج الآن للانطباع بأنها تتعافى. وفي حين أن الحكومة الصينية ربما لم تعلن عن العدد الدقيق للضحايا ومدى الضرر الاقتصادي الذي تكبدته البلاد، إلا أن ما يهم، هو الانطباع العام؛ والذي يتلخص بأن الصين خاضت حربا ضد الفيروس، وانتصرت بها في غضون شهرين فقط. هل ستتمكن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية من فعل الشيء نفسه؟ لنأمل ذلك.

خلّفت الجائحة أثرا كبيرا على إيطاليا، وباتت تفعل الأمر ذاته مع سائر أرجاء أوروبا، والولايات المتحدة، دافعة إلى هبوط المخزونات، وخالقة مشهدًا اقتصاديًّا مرعب على أقل تقدير. وبغض النظر عن كم التريليونات من الدولارات التي سيضخّها الاحتياطي الفيدرالي في المنظومة، أو مدى اقتراب سعر الفائدة من الصفر، أو مدى قوة حزمة الإنقاذ التي تهد بها البنك المركزي الأوروبي، فإن الدورة الاقتصادية لا تزال في هبوط مستمر.

ولا يزال هناك استثناء ملحوظ لبريطانيا تحت إدارة بوريس جونسون، والذي يمكن أن تتسبب خطته، المستمدة من الداروينية الاجتماعيّة، لمعالجة الفيروس من خلال "مناعة القطيع"، بدون لقاح، إلى موت جماعي، خاصة بين المواطنين المسنين الأكثر عرضة لأعراض الفيروس الخطيرة، والذين، بالمناسبة، يشكلون أحد كتل ناخبيه الرئيسية.

في مثل هذه البيئة السياسية والاقتصادية الصادمة، ربما تكون رئاسة دونالد ترامب في الولايات المتحدة قد دخلت في نقطة اللّا عودة. إذ قد يخسر الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/ نوفمبر، مع احتمال غير مطمئن بأن يُستبدل بالديمقراطي جو بايدن، وهو داعم نموذجي، ودون تحفظ أو ندم، للمؤسسة ذاتها التي تسببت أخطاءها المتكررة في وضع رجل الأعمال النيويوركي في البيت الأبيض عام 2016.

عاصفة كارثية

يشهد الاقتصاد العالمي عاصفة كارثية تتمثل بصدمة في العرض والطلب ناجمة عن تعطيل سلاسل التوريد الرئيسية في الصين، إلى جانب التوقف التدريجي لجميع الأنشطة الاقتصادية تقريبًا في الاقتصادات العالمية الرئيسية، وتداعي القطاع المالي. وقد يكون ما حدث بعد الأزمة المالية عام 2008، طفيفا مقارنة بما قد تكشفه الأشهر المقبلة.

(أ ب)

ومن السابق لأوانه الجزم بأن هذه العاصفة الكارثية سوف تستهل حقبة جديدة، كما حدث قبل ستة قرون مع عصر النهضة بعد أن فتك وباء الموت الأسود سكان أوروبا. ومع ذلك، فإن "كوفيد-19"، بات يدفعنا بالفعل إلى مراجعة بعض التابوهات السياسية والاقتصادية التي عشناها لعقود.

وقد تطلب الأمر وباءً ليهتز أنصار سياسات التقشف في الاتحاد الأوروبي، وقد رُفعت، وأخيرا، القيود التي يفرضها ميثاق الاستقرار والنمو الذي تقدسه دول الاتحاد، والذي ألحق الخراب بدول جنوبي أوروبا على مدار العقد الماضي، أو من قبل المفوضية الأوروبية على الأقل.

وفي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، يضطر السياسيون الآن، إلى إعادة النظر في عقود من السياسات النيوليبرالية التي تسببت في انعدام مساواة هائل، إلى جانب اقتطاع نفقات ممنهج وواسع النطاق في الخدمات العامة والصحية، والضمان الاجتماعي بشكل أعم. واليوم، قد يندم هؤلاء على العديد من هذه الخيارات. ومع ذلك، وكالعادة، الأكثر ضعفا هم الذين سيدفعون ثمن ذلك.

نظرة إلى المستقبل

في الوقت الحالي، يمكننا وبحذر، أن نقدم بعض الاستنتاجات الأولية. أولا، فيروس كورونا المستجد لم يخلق ركودا عالميا، بل يسرعه ببساطة، فالاقتصاد العالمي كان في حالة هشّة قبل تفشّيه، إذ أنه عانى من الفقاعات المالية والديون الاستهلاكية الضخمة؛

ثانيًا، عند مراقبة ردود الفعل العالمية على الوباء، نلاحظ انتشار فيروس آخر بالتوازي مع "كوفيد-19"؛ وهو إعادة تأميم عالمية لجميع السياسات النيوليبرالية تقريبا، بما في ذلك حرية الحركة، ومساعدة حكومية للشركات والعمال، لم يكن بالإمكان التفكير بها حتى في ما مضى؛

ثالثا، ربما نشهد اقتراب نهاية مشينة لأربعة عقود من سياسات السوق الحرة الاقتصادية، والعولمة غير المقيدة، وانتشار اللّامساواة وخفض الضمان الاجتماعي. وفي حين أنه تم تجاهل الدروس المستفادة من الأزمة المالية لعام 2008 بشكل متعمد ولا يغتفر، فإن فعل الأمر ذاته مع دروس 2020 ليس خيارا.

ليس من المعروف بعد كيف وإلى أي مدى، ولكن قد يكون من المنطقي أن نفترض أن العالم والعولمة لن تعود كما كانت عليه في السابق بعد انتهاء هذه الجائحة.