هل يجب أن نخشى تقنية الجيل الخامس؟

هل يجب أن نخشى تقنية الجيل الخامس؟
(pixbay) توضيحيّة

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتب ديف جونسون، وهو صحافي وكاتب في مجال التكنولوجيا، ألّف ما لا يقل عن 30 كتابا حول التكنولوجيا، والتصوير الرقمي، والأعمال الصغيرة، والروبوتات.


باتت تقنية الجيل الخامس ("5 جي")، وهي عبارة عن الجيل القادم من تكنولوجيا الأجهزة الخلوية، والهواتف الذكية تحديدا، على وشك الانطلاق. ويأتي معها قلق حول الضرر الصحي الذي يمكن أن تتسبب به هذه الشبكة الجديدة والأعظم قوّة من سابقاتها. ولكن، إلى أي مدى علينا أن نقلق بشأن مزاعم الانهيار الصحي العالمي الذي يُفترض بأن التقنية ستجلبه معها؟

لا شك أنكم قد صادفتم حتى الآن، عددا من المقالات المتعلقة بهذا الموضوع، منشورة على "فيسبوك"، أو على مواقع إلكترونية مختصة بشؤون الصحة، والتي تتناول في جوهرها فكرة أساسية واحدة، وهي أن تقنية الجيل الخامس تُعد بمثابة تصعيد خطير للتكنولوجيا الخلوية التقليدية، إذ أنها تعج بإشعاعات طاقة أعلى، والتي تتسبب بأضرار محتملة للبشر. ويزعم بعض ناقدي الـ"5 جي"، أن الشبكة الجديدة تولد إشعاع ترددات راديوية بإمكانه أن يتلف الحمض النووي لدى الإنسان، وأن يتسبب بمرض السرطان؛ أو بأضرار تأكسدية يمكن أن تسبب الشيخوخة المبكرة؛ أو بتعطيل عملية الأيض في الخلية؛ أو حتى التسبب بأمراض أخرى من خلال توليد بروتينات الإجهاد. وتستشهد بعض المقالات بدراسات وآراء بحثية صادرة عن منظمات مرموقة مثل منظمة الصحة العالمية.

وللصدق، يبدو الأمر مقلقا، لكن دعنا نلقي نظرة على التفاصيل العلمية البحتة.

ما هو الجيل الخامس؟

شهدت الأعوام القليلة الماضية، عملا مكثفا ومتسارعا على إنتاج شبكة الجيل الخامس، ولكن عام 2020 يمثل بداية عملية طرح شركات الاتصالات لهذا المستوى اللاسلكي الجديد. وبدأت كل من "إيه تي آند تي"، و"فريزون"، و"سبرينت"، بتركيب شبكاتها منذ مطلع العام، على الرغم من أن توفرها واسع النطاق لا يزال على بعد عام أو أكثر. وستحصل تقنية الجيل الخامس على موطئ قدم في عدّة مدن هذا العام.

(pixabay)

تحديث: مع ظهور جائحة فيروس كورونا المستجد، تكهنت عدد من نظريات مؤامرة واسعة الانتشار على وسائل الإعلام الاجتماعي أن تقنية الـ"5 جي"، هي السبب بمشاكل العالم الحالية. وبكل بساطة، هذه ادعاءات خاطئة، فالتنقية لا تسبب فيروس كورونا.

ولم يمنع الانتشار المحدود للشبكة، مصنعي الأجهزة ومقدمي الخدمات من اللحاق بركب تقنية الجيل الخامس، فعلى سبيل المثال، جهزت شركة "سامسونغ"، هاتفيها الجديدين "غلاكسي 10"، و"غالاكسي فولد"، لاستخدام شبكة الـ"5 جي"، شأنها شأن شركات أخرى في المجال، مثل "هواوي"، و"إل جي"، و"متورولا"، و"زي تي آي"، وغيرها.

ويقدم الجيل الخامس تحسنا بعشرة أضعاف على الأقل، من حيث أداء الشبكة. وفيما كانت شبكة الجيل الرابع بمثابة التطور الكبير السابق بعد طرحها عام 2009 مع سرعة قصوى تبلغة 10 ميغابايت في الثانية، فإن الـ"5 جي" تستعد لتوفير سرعات قصوى تتراوح بين 10 غيغابايت وحتى 20 غيغابايت في الثانية. وستنخفض فترة انتظار الشبكة من 30 مللي ثانية إلى حوالي 1 مللي ثانية، وهي سرعة مثالية لبث ألعاب الفيديو، ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت، وإنترنت الأشياء الذي يترقب من الشبكة الجديدة، أن تربط أجهزة الاستشعار والحواسيب، وأجهزة الأخرى عبر فترات انتظار منخفضة للغاية.

تطور المخاوف

قبل أن نتطرق إلى شبكة الجيل الخامس، من المهم الإشارة إلى أن المخاوف الأخيرة من تأثير الإشعاعات على الصحة، لم تأتي من فراغ، فهي عبارة عن أجدد استحداث لعقود من عناوين الصحف الرئيسية حول مخاطر الإشعاع الكهرومغناطيسي. وشهدنا جدالات حول كل شيء بدءا من المخاطر الصحية المفترضة لشبكة الـ"واي فاي"، وحتى العدادات الذكية.

وعلى سبيل المثال، يُعد فرط الحساسية الكهرومغناطيسية، مرضا افتراضيا يعاني المصابون به من أعراض وهن وضعف عندما يحاطون بإشعاع صادر عن الهواتف المحمولة وشبكات الـ"واي فاي"، وغيرها من التقنيات. ولكن، ورغم ادعاء أناس كُثر على مدار 30 عاما على الأقل، لتعرضهم لمثل هذه الحساسية، وجدت المراجعات العلمية المنهجية أنه الأشخاص الذين أُغلقت عيونهم خلال التجارب لفحص ما إذا كانوا سيتأثرون بهذه "الحساسية الكهرومغناطيسية" دون أن يعلموا بوجودها مسبقا، أظهروا أنهم لا يمكنهم تحديد وجود مجال كهرومغناطيسي، وتوصي منظمة الصحة العالمية اليوم، بإجراء تقييمات نفسية للأشخاص الأكثر تأثرا بهذه الحساسية المزعومة.

وبالمثل، لم تجد الدراسات على مدار العقود الماضية، أي صلة بين الهواتف المحمولة والسرطانات مثل أورام الدماغ، على الرغم من أن ذلك لم يمنع البلديات مثل بلدية سان فرانسيسكو من تمرير قوانين تفرض على متاجر الهواتف عرض نسبة الإشعاع المنبعث من الهواتف، والذي ينظر إليه المستهلكون على أن خطر.

ما مدى خطر إشعاع الترددات الراديوية؟

يكمن أصل جميع المخاوف بشأن شبكات الهاتف الخلوي في إشعاع الترددات الراديوية، والذي يُطلق عليها اختصارا "آر إف آر"، وهذا الإشعاع هو عبارة عن كل ما ينبعث في الطيف الكهرومغناطيسي، من موجات ميكروية وأشعة سينية وموجات راديو، وحتى الضوء المنبعث من شاشات الأجهزة الحاسوبية والخلوية، بل وضوء الشمس أيضا. ومن الواضح أن "آر إف آر" ليس خطيرًا بطبيعته، لذلك تصبح المشكلة في اكتشاف الظروف التي قد تجعله مضرا.

توضيحية (pixabay)

ويقول العلماء إن المعيار الأهم لتحديد ما إذا كان أي إشعاع ترددات راديوية، معيّن، يشكل خطرا أم لا، هو في موقعه من الإشعاع المؤين، أو غير المؤين. وللتبسيط، إن الإشعاعات غير المؤينة أضعف من أن تتمكن من كسر الروابط الكيميائية، وتشمل الأشعة فوق البنفسجية، والضوء المرئي، والأشعة تحت الحمراء، وكل ما يبث ترددا أقل، مثل موجات الراديو. وتقع التقنيات المستخدمة يوميا، مثل خطوط الكهرباء، والتردد المضمن (إف إم)، والـ"واي فاي" في هذا النطاق. (وتُعد الموجات الميكروية الاستثناء الوحيد، فرغم أنها غير مؤينة إلا أنها قادرة على إتلاف الأنسجة، فهي مضبوطة بدقة وبشكل متعمد لتتجاوب مع جزيئات الماء). أما الترددات الأعلى من الأشعة فوق البنفسجية، مثل الأشعة السينية وأشعة غاما، فهي مؤينة.

ويدرك الأستاذ المساعد في علم الأعصاب من جامعة ييل، ومحرر المجلة الطبية والعلمية "ساينس بيسد مديسن"، ستيف نوفيلا، أن الناس يقلقون بشكل عام من أي إشعاع، ويقول في هذا الصدد إن "استخدام مصطلح الإشعاع مضلل لأن الناس يظنون أنه مرتبط بالأسلحة النووية، ويأتي إلى أذهانهم الإشعاع المؤين الذي قد يسبب أضرارا بالطبع، فبإمكانه أن يقتل الخلايا، وأن يتسبب بطفرات في الحمض النووي". ولكن بما أن الإشعاع غير المؤين لا يتلف الحمض النووي ولا الأنسجة، فإن نوفيلا يشير إلى أن معظم المخاوف بشأن إشعاع الترددات الراديوية الصادر عن الهواتف الخلوية في غير محلها. ويقول: "لا توجد أي آلية معروفة لمعظم أشكال الإشعاع غير المؤين تجعله ذو تأثيرا بيولوجيا".

أو في كلمات أقل دقة ولكن أكثر عقلانية للمؤلف سي ستيوارت هاردويك: "الإشعاع ليس سحرا مميت".

نتائج غير مكتملة

إن عدم وجود آلية معروفة للإشعاعات غير المؤيمة تجعلها ذات تأثيرا بيولوجيا، لا يعني أنها آمنة أو أنها لا تحمل أي تأثير. في الواقع، لا يزال الباحثون في خضم إجراء دراسات حول الموضوع. وأُصدرت دراسة حديثة في هذا الصدد من قبل برنامج علم السموم الوطني الأميركي ("إن تي بي")، وهي وكالة تديرها وزارة الصحة والخدمات الإنسانية. في هذه الدراسة التي يُستشهد بها كثيرا لانتقاد إشعاع التردد الراديوي للهاتف الخلوي، وجد العلماء أن التعرض العالي لـ"آر إف آر" الصادر عن شبكة الجيل الثالث، تسبب ببعض حالات الإصابة بأورام القلب السرطانية، وأورام الدماغ والغدد الكظرية لدى ذكور فئران مختبرية.

وتعد الدراسة درسا جيدا في مدى صعوبة القيام بهذا الاختبار علمي. وكما تشير مجلة "ريل كلير ساينس" العلمية، فإن عدد الأورام التي تم اكتشافها كان صغيرا جدا لدرجة أنه من حيث الجانب الإحصائي، من المحتمل أن حدوثها كان مجرّد صدفة (وهو أمر مرجح لأن الأورام وُجدت لدى بعض ذكور الفئران فقط). علاوة على ذلك، فإن مستوى ومدّة إشعاع التردد الراديوي اللذين تعرض لهما الفئران، كانا أعلى بكثير مما قد يتعرض له أي إنسان فعليا، بل أن الفئران التي تعرضت للإشعاع، عاشت فترة أطول من فئران مجموعة التحكم التي لم تتعرض للإشعاع. وعن ذلك يقول د. نوفيلا: "ينظر الباحثون ذوو الخبرة إلى دراسة كهذه ويقولون إن ذلك لا يخبرنا شيئا البتة".

تقييم مخاطر تقنية الجيل الخامس

لنحيّد الدراسات الجارية جانبا. تقنية الجيل الخامس قادمة، وكما ذكرت أعلاه، هناك مخاوف بشأن هذه التكنولوجيا الجديدة.

هناك اتهام شائع لشبكات الجيل الخامس بأنه نظرا لضعف طاقة أجهزة إرسالها، سيُثبت عددا كبيرا منها. وتدّعي مؤسسة " صندوق الصحة البيئية" (بالترجمة الحرفية من اللغة الإنجليزية)، أن تقنية "الجيل الخامس ستطلب بناء مئات الآلاف من الهوائيات اللاسلكية الجديدة في الأحياء والمدن والبلدات. وستوضع خلية خلوية صغيرة أو جهاز إرسال بين كل منزلين وحتى عشرة منازل وفقًا للتقديرات".

ويقول د. نوفيلا: "ما يقولونه حقا هو أن الجرعة (جرعة الإشعاع) ستكون أعلى. ونظريا، هذه مسألة معقولة ويجب طرحها". لكن على المشككين أن ينتبهوا إلى أنهم لا يجب أن يخلطوا بين طرح هذه المسألة مع التأكيد المجرد على تشكيلها خطر. وكما يوضح نوفيلا: "لا زلنا نتحدث عن طاقة وتردد أقل من الضوء. وعندما تتجول تحت أشعة الشمس، فإنها تغمرك بإشعاع كهرومغناطيسي أكبر بكثير من أبراج الخلايا الخاصة بالجيل الخامس".

من السهل العثور على ادعاءات تجول على المنصات الرقمية المختلفة، بأن التردد الأكبر لـ"5 جي" يشكل خطرا بمفرده. ويلفت موقع "مخاطر الإشعاع الصحية" (بالترجمة الحرفية من اللغة الإنجليزية) إلى أن تقنيات "الجيل الأول، والثاني، والثالث، والرابع، تستخدم ما بين غيغا هرتز واحد، وحتى خمسة غيغا هرتز. بينما يستخدم الجيل الخامس ما بين 24 إلى 90 غيغا هرتز"، مؤكدا على أنه "كلما ازداد التردد داخل جزء الإشعاع الراديوي من الطيف الكهرومغناطيسي، كلما كان أكثر تشكيلا للخطر على الكائنات الحية".

لكن الافتراض القائل بإن التردد الأعلى يشكل خطرا أكبر على الكائنات الحية يبقى مجرد افتراض، فليس هناك ما يدعم ذلك علميا، فإشعاعات الجيل الخامس الترددية الراديوية تبقى غير مؤينة بطبيعتها.

وتحمل هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية المسؤولة عن ترخيصات الطيف الكهرومغناطيسي للاستخدام العامة، وزنا في هذه المسألة أيضا. ويقول مسؤول اتصالات في الهيئة، نيل ديريك غريس: "بالنسبة لمعدات الجيل الخامس، فإن الترددات الصادرة عن أجهزة الإرسال اللاسلكية التجارية، تكون عادة أقل بكثير من حدود التعرض للتردد اللاسلكي في أي مكان يمكن للجمهور الوصول إليه". وترجع هيئة الاتصالات الفدرالية إلى إدارة الغذاء والدواء لإجراء تقييمات فعلية للمخاطر الصحية، والتي تتخذ منهجا مباشرًا ولكن منخفض المستوى لمعالجة المخاطر، ومفاده أن "الأدلة العلمية لم تربط الهواتف المحمولة بأي مشاكل صحية".

وفي عام 2011، قامت منظمة الصحة العالمية بتقييم تصنيف الإشعاع الراديوي كعامل من المجموعة "2 بي"، والتي عُرفت على أنها "مادة مسرطنة محتملة للبشر". هذا أيضا غير دقيق بما يكفي للحكم عليه، فيقول نوفيلا مثلا: "أنظر إلى جميع الأشياء الأخرى التي تصنفها (منظمة الصحة العالمية) على أنها مواد مسرطنة محتملة. فيضعونه (الإشعاع الراديوي) في الفئة ذاتها مع مواد مثل الكافيين. هذا معيار ضعيف لدرجة أنه لا يعني شيئًا بالأساس. إنه مثل أن نقول 'كل شيء يسبب السرطان'".

(pixabay)

تكمن إحدى المشاكل في إعلان منظمة الصحة العالمية، بأنها تركز على احتمال الخطر، وليس الخطر بذاته، وهو فارق دقيق لا ينتبه إليه في الغالب غير الباحثين. وعندما تصنف منظمة الصحة العالمية القهوة، أو النيكل، أو المخللات، على أنها مواد مسرطنة محتملة، فهي تفترض مخاطرا محتملة لها دون النظر إلى خطورتها الحقيقية. ويشرح نوفيلا ذلك بقوله إن "المسدس المحشو بالرصاص يمثل خطرا لأنه بإمكانه أن يسبب ضررا على المستوى ا لنظري. ولكن إذا وضعتها في خزنة، فإن الخطر ضئيل".

وسيستمر العلماء في اختبار الشبكات الجديدة مع تطور التكنولوجيا، بهدف التأكد من أن تبقى التكنولوجيا التي نستخدمها يوميا، آمنة. في شباط/ فبراير الماضي، انتقد السناتور الأميركي ريتشارد بلومنتال هيئة الاتصالات الفيدرالية وإدارة الأغذية والأدوية لعدم كفاية البحث في المخاطر المحتملة لتقنية الجيل الخامس. وكما تظهر الدراسة المذكورة أعلاه، فإن البحث في مخاطر الإشعاع صعب ولا يتوصل لنتائج حاسمة في الغالب، مما يعني أن الأمر قد يستغرق وقتا طويلا قبل تحقيق أي تقدم حقيقي في هذا الصدد.

ولكن في الوقت الحالي، يشير كل ما نعرفه عن شبكات الجيل الخامس أنه لا داعي للقلق. ففي نهاية المطاف، نستخدم العديد من التقنيات ذات مخاطر أعلى قابلة للقياس، على مدار يومي. وكما يقول د. نوفيلا: "مع الجيل الخامس هناك احتمال خطورة منخفض، ولكنه ليس معدوما، ويبدو أن الخطر الفعلي هو صفر. لم نتلق أي إشارة في العالم الحقيقي".

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"