المصلحة العامة يجب أن تكون فوق الرّبح الخاص

المصلحة العامة يجب أن تكون فوق الرّبح الخاص
(توضيحية - أ. ب.)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال المؤرخ الاقتصادي، والمحاضر في جامعة "ديوك" في ولاية كارولاينا الجنوبية، في الولايات المتحدة، ديرك فيليبسك.


ابتكر الاقتصادي الأسكتلندي آدام سميث، فكرة لامعة لمعالجة الصعوبات البالغة التي يواجهها البشر أثناء محاولتهم لتطوير الذكاء، والفاعلية، والأخلاقيات البشرية. وادعى في كتابة "ثروة الأمم" (1776)، أن الخباز لا يخبر الخبز بدافع الخير، بل من أجل مصلحته الذاتية. ولا شك أن سعي الناس إلى تحقيق أسهل الأمور، وهو المصلحة الذاتية، يمكن أن ينجم عنه مصلحة عامة.

ومع ذلك، فإن منطق المصلحة الخاصة، أي الفكرة بأنه "يجب علينا أن نترك المهمة للسوق"، يعاني من محدوديات خطيرة. وخاصة في الولايات المتحدة، والتي أدى انعدام سياسة صحية واجتماعية فعالة في استجابتها لتفشي فيروس كورونا المستجد، إلى ظهور التناقضات بوضوح بالغ.

وفي مختلف أنحاء العالم، تكافئ السوق الحرة التنافسية والتموضع السوقي والغلبة/التفوق، ما جعل امتلاك هذه القدرات يُعد من المؤهلات الأكثر جاذبية التي يمكن للناس أن يتمتعوا بها. أما صفات أو قدرات مثل التعاطف، أو التضامن، أو الاهتمام بالصالح العام، فتُحال إلى العلاقات الأسرية ودور العبادة والنشاط السياسي والاجتماعي، بينما لا تراعي السوق والمكاسب الخاصة، الاستقرار، أو الصحة، أو السعادة الاجتماعية. ونتيجة لذلك، فإن النظام المُستند للسوق، استنفذ ومزّق المجال العام لصالح التربح الخاص من كيبتاون وحتى واشنطن، ويشمل ذلك الصحة العامة، والتعليم العام، ومنالية الجمهور للبيئة الصحية، وغيرها.

ويكشف كوفيد-19 اليوم، عن لا منطقية أحد المركبات الأخرى في نظام السوف، وهو أن الأشخاص الذين يزاولون المهن الضرورية، مثل العاملين في رعاية المرضى، والنظافة، وإنتاج الطعام، والذين يكدون من أجل أن نحصل على المياه والكهرباء وشبكة الواي فاي، هم في الغالب أصحاب الأجور الأكثر انخفاضا بيننا، دون أن يتمتعوا بفوائد أو حتى عقود آمنة. وفي المقابل، فإن أولئك الذين لا يملكون في أحيان كثيرة، سوى بضعة مهارات، هم الفائزون في هذا النظام. لنفكر بالأمر: ما الضرر الذي قد يحدثه إغلاق المجالس الإدارية التنفيذية لشركات الأسهم الخاصة، وقانون الشركات، وشركات التسويق أثناء الحجر الصحي؟ الجواب على الأرجح: لا شيء. لكن هؤلاء الناس هم الذين يجنون الملايين، بل ويجنون أحيانا في ساعة واحدة قدر ما يجنيه أخصائيو الرعاية الصحية أو العاملون في مجال النقل، في عام كامل.

وببساطة شديدة، فإن نظام السوق المدفوع بالمصالح الخاصة لم يحمي أبدا، ولن يحمي قط، الصحة العامة والحريات الأساسية والرفاهية المجتمعية.

ولقد أشار الكثيرون إلى انعدام أخلاقية نظام الجشع المرتكز على الذات، وعدم كفاءته، وقسوته، وقصر نظره، وخطره على كوكب الأرض والناس. لكن، وقبل كل شيء، يبقى أن منطق المصلحة الذاتية سطحي من حيث عدم إدراكه لما هو جلّي، وهو أن الإنجاز خاص ممكن فقط على أساس ازدهار المشاعات العامة، أي بالاستناد إلى مجتمع مستقر وبيئة صحية. فكيف أصبحت أستاذًا في جامعة نخبوية؟ آمل أن عملي الجاد هو المساهم الرئيسي في هذا الإنجاز. ولكن الفضل يعود في الغالب لولادتي لدى والدين صالحين، وفي الوقت والمكان المناسبين، ودراستي في مدارس عامة ممتازة، ونقاء الهواء من حولي، وحصولي على طعام جيد، وأصدقاء رائعين، ويعود أيضا للكثير من الأشخاص الذين يقدمون بشكل مستمر وموثوق به جميع الأشياء التي لا أستطيع تقديمها، مثل الرعاية الصحية وخدمات الصرف الصحي، والكهرباء، والوصول المجاني إلى معلومات عالية الجودة. وبالطبع، كما أوضح العالم روبرت إتش فرانك من جامعة كورنيل بوضوح في كتابه لعام 2016 "عن أسطورة الجدارة"، بفضل الحظ الخالص والبسيط.

وتعليقًا على كيفية تقييمنا لأداء الاقتصادات الحديثة، أي عد الناتج وليس النتيجة، والكمية بدل الجودة، والأسعار بدل توفير الإمكانيات، قال السيناتور الأميركي روبرت إف كينيدي، عام 1968، أننا نقيس "كل شيء بإيجاز، باستثناء ما يجعل الحياة جديرة بالعيش". والأمر الأكثر أهمية بما قاله، كان تركيزه على الحرية، والسعادة، وسهولة التكيف، وجميعها سمات ترتكز على سلامة الجمهور، وهي تعتمد على قدرتنا الجماعية على الاستفادة من أمور مختلفة مثل الهواء النقي وحرية التعبير والتعليم العام الجيد. باختصار: جميعنا يعتمد على المشاعات العامة الصحية. ومع ذلك، فإن أقوى مقياس اقتصادي في العالم، وهو الناتج المحلي الإجمالي، لا يأخذ أيا منها بعين الحسبان.

وبدأ استخدام مصطلح "المشاعات العامة" على نطاق واسع بفضل مقال علمي كتبه أكاديمي أميركي غير معروف، يُدعى غاريت هاردين، تحت عنونا "مأساة المشاعات العامة" (1968)، ولا يزال تُدّرس فكرته لمعظم طلاب الجامعات اليوم. ويخلص ادعاؤه الأساسي، إلى أن المُلكِية المشتركة مثل الأراضي العامة أو الممرات المائية، سيتم إفسادها إذا ما تركت لاستخدام أفراد مدفوعين بالمصلحة الذاتية. وكانت هناك مشكلة واحدة في نظريته كما اعترف بنفسه في وقت لاحق، وتكمن بأن ادعاءه خاطئ في الغالب. فقد تسمى مشكلتنا الحقيقة "مأساة الخاص".

ومنذ قصعة الغبار في ثلاثينيات القرن الماضي، وصولا إلى أزمة المناخ المتصاعدة اليوم، ومن المعلومات الخاطئة عبر الإنترنت، وصولا إلى البنية التحتية المتداعية للصحة العامة، كان القطاع الخاص الذي لا يشبع هو من أفسد السلع المشتركة اللازمة لبقائنا وازدهارنا الجماعي في الغالب. وفي هذا النظام القائم على القطاع الخاص، من يحاسب صناعة الوقود الأحفوري على دفعنا إلى حافة الانقراض؟ وماذا يحدث للأراضي وقمم الجبال والمحيطات التي دمرتها إلى الأبد عمليات الاستخراج العنيفة لتحقيق مكاسب خاصة؟ وماذا سنفعل بعدما تدمر الثروة الخاصة ديمقراطيتنا في نهاية المطاف؟

وبكلمات الكاتب الاقتصادي الراحل، جوناثان روو، فإن سوق الشركات الخاضعة لهيمنة القطاع الخاص، تعاني "من خلل قاتل بطبيعتها، وهو عدم القدرة عن إيقاف نموها. فبغض النظر عن مدى نموها بالأمس، لا بد أن تستمر بالنمو غدا، وهكذا دواليك؛ وإلا سينهار الجهاز بأكمله".

ولتلخيص الجوانب الاقتصادية التي نادرا ما نناقشها، تجدر الإشارة إلى أن الرأسمالية الاستخراجية (المعتمدة على استخراج الموارد الطبيعية) التي طغت مؤخرا، والمدفوعة بالمصلحة الخاصة والجشع، كانت ستموت لولا المساعدة العامة الضخمة. ويستحضر التفكير السطحي بالاقتصاد الكلي الذي يطغى حاليا على قاعات الحكومة والأوساط الأكاديمية الأميركية، مشهد مراهق ساذج يوبخ ذويه مرّة تلو الأخرى بشتى الطرق المختلفة، ليعود في نهاية المطاف إلى المنزل عندما تنفذ منه الأفكار، أو المال، أو الدعم. وعلى سبيل المثال، فإن شركات مثل "بوينغ"، و"جولدمان ساكس"، و"بنك أميركا"، و"إكسون"، وغيرها، جميعها ستنهار بدون عمليات الإنقاذ العامة والإعفاءات الضريبية والإعانات. وفي كل مرة يتورط فيها النظام الخاص بأزمة، تأتي الأموال العامة لتنقذه. وفي الأزمة الحالية، تصل قيمة هذه الأموال إلى تريليونات الدولارات. وكما أشار آخرون على مدار أكثر من قرن، فإن النظام الاقتصادي الحالي عبارة عن آلة ذكية تخصخص الأرباح، وتعمم التكاليف.

وعندما تعود الشركات الخاصة لتقف على أرجلها، وتعود إلى عملها كالمعتاد، فإنها لا تُخضع نفسها للمساءلة أمام الجمهور الذي أنقذها. وشهدنا آخر جولة لذلك في الأزمة الاقتصادية عام 2008، والذي حظيت بسببه شركات مثل "ويز فارغو" و"الخطوط الجوية الأميركية" و"إيه آي جي"، على عمليات إنقاذ على حساب الأموال العامة، ولكن هذه الشركات غالبا ما عادت إلى حلب جمهور المستهلكين.

وعبر التركيز على التبادل في الأسواق الخاصة على حساب الصالح الاجتماعي، أخذ صانعو السياسات والاقتصاديون فكرة جيدة يمكن تطبيقها في ظل ظروف محددة بوضوح ومحدودة للغاية، ووسعوا نطاقها إلى أيديولوجية سامة وعمياء. وحان الوقت للتشديد على ما هو واضح: لا وجود للخاص دون عام قوي. وتعتمد صحتي كفرد على الصحة العامة، كما تعتمد حريتي على الحرية الاجتماعية. إن الاقتصاد جزء لا يتجزأ من مجتمع سليم مع خدمات عامة ناجعة، وليس العكس.

يمكن للحظة الألم والانهيار هذه أن تكون بمثابة دعوة للاستيقاظ؛ إن إدراك أن القطاع العام هو خيرنا الأعظم وليس مقابله الخاص. ويكفي أن ننظر خارج نوافذنا لنعي أنه بدون وجود جمهور نابض بالحياة ومستقر، فإن الحياة يمكن أن تنحدر بسرعة إلى الفقر والسوء والوحشية.