محاولة "الانقلاب" في فنزويلا تبدو "سخيفة" لكنها أملُ الولايات المتحدة

محاولة "الانقلاب" في فنزويلا تبدو "سخيفة" لكنها أملُ الولايات المتحدة
معرضون للرئيس مادورو (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الصحافيّ، مهدي حسن.


تخيّل معي سيناريو كهذا: أُسِر جنديان سابقان في القوات الخاصة الفنزويلية أثناء محاولتهما للنزول على شاطئ في الولايات المتحدة، واعترفا أمام عدسة الكاميرات أنهما جزءٌ من مؤامرة أوسع للقبض على الرئيس الأميركي واختطافه.

وفي اليوم ذاته، نشر جندي سابق آخر في القوات الخاصة الفنزويلية، تربطه علاقة بالحارس الشخصي للرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، مقطع فيديو يعلن أن الجنديين كانا يعملان في شركته الأمنية الخاصة، في مهمة لاعتقال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ونقله لفنزويلا، وإسقاط الحكومة في واشنطن العاصمة.

ومن ثم بعد مرور يومين على ذلك، ألقي وزير الخارجية الفنزويلي، والذي يصادف أنه الرئيس السابق لأقوى وكالة مخابرات في البلاد، مؤتمرا صحافيا نفى فيه المشاركة "المباشرة" في العملية، فقط، مضيفا بابتسامة متكلّفة: "لو تدخلنا، لسارت الأمور بشكل مختلف".

كيف تتصور رد الفعل الأميركي على حدث مُتخيّلٍ مثل هذا؟ كيف ستتجاوب النخب الإعلامية والسياسية للبلاد مع الحدث؟ ما الحديث الذي سيدور في دوائر الأمن القومي؟ ألن ينشر الإعلام الأميركي عددًا لا يحصى من التقارير الصحافية لإدانة مادورو وتوبيخه؟ ألن تصب جميع القنوات اهتمامها على القضية؟ وهل سيشك أي أحد بأن الجيش الأميركي سوف يستعد لمهاجمة أهداف في فنزويلا انتقامًا؟

لقد شهدنا هذا المشهد بالضبط قبل أيام، ولكن بشكل معكوس تماما، ودون أي إحساس بالصدمة أو الغضب في الولايات المتحدة.

في الرابع من أيار/ مايو الجاري، كانت السلطات الفنزويلية هي التي قبضت على الجنديين السابقين في القوات الخاصة الأميركية، لوك دنمان، وآيران بيري، بعد ما وصفته بـ"الهبوط الفاشل على شاطئ قرية الصيد تشواو". ونشرت فيديو يُظهر دنمان يخبر المحققين أنه كُلف بخطف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو. وفي غضون ذلك، ظهر الجندي السابق في القوات الخاصة الأميركية، جوردان جودرو، وهو رئيس شركة الأمن الخاصة "سيلفركورب يو إس إيه"، التي تتخذ من فلوريدا مقرا لها، في مقطع فيديو إلى جانب ضابط عسكري فنزويلي سابق في ملابس قتالية، أكد فيه أن دينمان وبيري يعملان لصالحه.

غداة مؤتمر صحافي عُقِد بعد محاولة الإطاحة بمادورو (أ ب)

وكشفت التقارير الصحافية منذ ذلك الحين أن جودرو عقد اجتماعات مع حارس ترامب السابق، كيث شيلر، والذي عمل لفترة طويلة معه، إضافة إلى أنه وقع عقدًا بملايين الدولارات مع المعارضة الفنزويلية المدعومة من الولايات المتحدة لإتمام العملية، وزعم أيضا أنه كان على اتصال بمكتب نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس.

والأربعاء الماضي، تحدث وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، وهو مدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، في مؤتمر صحافي معلنا استنكار الحكومة بكلمات صيغت بعناية شديدة، قائلا إنه "ما من تدخل مباشر من حكومة الولايات المتحدة في الواقعة"، ولم يتوانَ عن التبجح أمام الصحافيين بأن الأمر "كان سيكون مختلفا" لو كانت الولايات المتحدة وراء العملية.

من يدري؟ ربما لم تضلع واشنطن بالفعل بهذه المحاولة، هذه المرة. وربما صدق ترامب بادعائه بأن هذه العملية الفاشلة التي تبدو وكأنها مؤامرة في فيلم هوليوودي سيئ "ليس لها علاقة بحكومتنا".

شاطئ مدينة لا غويرا الساحلية، حيث اعتُقِل محاولو الانقلاب (أ ب)

وفي تفكير آخر، تتكون هذه الإدارة من مجموعة كاذبين، وملفّقين، ومحتالين، ويُعدّ انعدام النزاهة سمة مميزة في بيت ترامب الأبيض. لذا، فإنه ما من قيمة لإنكارهم الضلوع في العملية.

يُضاف إلى ذلك أن التاريخ الحديث يجب أن يُؤخَذ بعين الاعتبار عند التطرق لهذه الواقعة، ففي الواقع، كانت شيطنة فنزويلا وخنقها، وما زالت، مشروعا يقوده الحزبان في واشنطن العاصمة، منذ صعود هوغو تشافيز و"المد الوردي" الاشتراكي في أميركا اللاتينية في أواخر التسعينيات. وفي عام 2002، شجعت إدارة الرئيس الأسبق، جورج بوش، ودعمت محاولة انقلاب فاشلة على تشافيز.

وفي عام 2015، اتخذت إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، قرارا سخيفا بإعلان أن فنزويلا تمثل "تهديدا غير عادي واستثنائي" للأمن القومي الأميركي. وفي ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة أكبر 11 مرة من حيث عدد السكان، و600 مرة أكثر ثراءً من حيث الناتج المحلي الإجمالي، ومع ميزانية عسكرية تفوق تلك التي تملكها فنزويلا بـ1800 ضعف.

قوات فنزويلية تسيطر على القارب المتورط بالانقلاب (أ ب)

والعام الماضي، وصفت إدارة ترامب مادورو بـ"غير الشرعي" واعترفت بزعيم المعارضة، خوان غوايدو رئيسا مؤقتا لفنزويلا. وحتى اليوم، تتهم واشنطن مادورو بـ"إرهاب المخدرات"، وترفض تعليق العقوبات المعوقة على كاراكاس رغم انتشار فيروس كورونا المستجد، إضافة إلى أنها نشرت مؤخرا، سفنا حربية أميركية بالقرب من فنزويلا في ما وُصف بأنها "إحدى أكبر العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة منذ غزو بنما عام 1989 لطرد الجنرال مانويل نورييغا من السلطة". وتغيير الأنظمة هي سياسة صريحة للحكومة الأميركية.

لأكون واضحا، النظام الفنزويلي وحشيّ واستبداديّ وفاسد، ودفع أكثر من أربعة ملايين فنزويلي للفرار من البلاد في الأعوام القليلة الماضية، وتحوم تقييمات الموافقة الشعبية على مادورو حول 10 بالمئة فقط، بحسب استطلاعات الرأي. ولكن أي كان من يدّعي أن المعارضة الأميركية لمادورو أساسها الاهتمام بالديمقراطية أو حقوق الإنسان في فنزويلا، سيكون إما كاذبًا أو مخدوعا.

وللولايات المتحدة باع طويل في دعم الاستبداديين حول العالم، وخاصة في أميركا اللاتينية، مثل الجنرال إفراين ريوس مونت في غواتيمالا، أو سفاح تشيلي الجنرال أوغستو بينوشيه، أو الجنرال خورخي رافائيل فيديلا في الأرجنتين، والقائمة تطول وتطول.

عائلة فنزويلية (أ ب)

لا، ليست الديمقراطية. إن السبب الحقيقي وراء هَوَس الولايات المتحدة بإسقاط الحكومة في كاراكاس هو، بالطبع، لأن فنزويلا لديها أكبر احتياطيات نفطية في العالم، لكن قادتها يعارضون الولايات المتحدة والرأسمالية. وفي الواقع، اعتاد ترامب وزملاؤه أن يتطرقوا لهذه النقطة علانية، فقد كشف مدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق، أندرو ماكابي في كتابه "التهديد"، أن ترامب تساءل في اجتماع مع مسؤولي المخابرات عام 2017؛ لماذا لا تخوض الولايات المتحدة حربا ضد فنزويلا؟ معللا كلامه بـ"لديهم كل هذا النفط ويقعون في ساحتنا الخلفية".

وفي كانون الثاني/ يناير 2019، قال مستشار الأمن القومي لترامب في ذلك الوقت، جون بولتون، لقناة "فوكس بزنس": "سيحدث فرق اقتصادي كبير للولايات المتحدة إذا كان بإمكاننا جعل شركات النفط الأميركية تستثمر حقًا و(تستغل) قدرات النفط في فنزويلا".

ولا نعرف ما إذا كان ترامب وشركاؤه ضالعين في محاولة الهجوم الذي دفع به غوايدو ضد مادورو، لكننا نعلم أنهم يواصلون محاولة تجويع فنزويلا وإجبارها على الخضوع. وإذا كانت إدارة ترامب تولي أدنى اكتراث للشعب الفنزويليّ، كانت ستستجيب لدعوات الجميع من البابا ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، وحتى مجموعة من الديمقراطيين في الكونجرس، لتعليق العقوبات ومساعدة كاراكاس على مكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد، لكنها لن تستجيب، لأنها لا تكترث لهم ببساطة.