وضع انتفاضة مينيابولس في سياقها

وضع انتفاضة مينيابولس في سياقها
حرق مصرف في مينيابولس (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتبة: Elizabeth Hinton، وهي كاتبة ومؤرخة أميركية، ومحاضرة في التاريخ والدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة هارفرد. وتركز ببحثها على الفقر وانعدام المساواة العرقية في الولايات المتحدة في القرن العشرين.


في مساء الخميس الماضي، استولى المتظاهرون على مركز الشرطة الثالث من حيث الأهمية في مدينة مينيابولس، وأضرموا النار به. وكان المسبب المباشر لإحراق المبنى، واقعة عنف دولة شنيعة تمتد جذورها عميقا في التاريخ، ففي يوم الإثنين الذي سبقه، ضغط شرطي أبيض ركبته على عنق المواطن الأسود، جورج فلويد، لبضعة دقائق بينما كان زملاؤه الثلاثة يُثبتون جسد فلويد على أرضية الشارع.

وقبل لحظات من أن يلفظ فلويد الأعزل والمكبل بالأصفاد، أنفاسه الأخيرة، توسّل من أجل الإبقاء على حياته، مؤكدا لرجال الشرطة وحشد من المارة المتفرجين، مرارا وتكرارا، أنه لا يستطيع التنفس.

ولم تكن الواقعة غريبة عن سكان منيابولس، إذ اعتادوا على هذا النوع من الوفيات السابقة لأوانها. فقد عصفت بالمدينة عدّة احتجاجات تلت حوادث قتل مواطنين على أيدي أفراد الشرطة في الأعوام القليلة الماضية، ففي عام 2015، لم يواجه ضابطا شرطة في المدينة، عواقب قتلهما الشاب الأسود الذي بلغ 24 عاما من العمر، جامار كلارك بإطلاق النار عليه.

قمع الشرطة الأميركيّة للمتظاهرين (أ ب)

وفي عام 2016 قتلت الشرطة فيلاندو كاستيل، وهو رجل أسود يبلغ من العمر 32 عاما، في واقعة انتشرت توثيقها الصوري على وسائل التواصل الاجتماعي وحظيت باهتمام وطني. وهنا أيضا، برأت هيئة المحلفين في النهاية، الضابط الذي قتل كاستيل، ولكن ذلك لا يعني أن شرطة منيابولس تتمتع بسلطة فوق القانون، إذ أن شرطيا أسودا، يقضي اليوم عقوبة بالسجن لـ12 عاما، بعد أن قتل امرأة بيضاء تبلغ من العمر أربعين عامًا، في عام 2017.

خرج الآلاف إلى الشوارع في مظاهرة سلمية مطالبين بإحقاق العدالة في قضية فلويد، في الليلة التي تلت مقتله. وطالبوا هذه المرة، بأن يخضع جميع عناصر الشرطة الضالعين في الواقعة، للمساءلة القانونية. ومع حلول يوم الأربعاء، لم تُقدم أي اتهامات جنائية ضدهم. وحتى لحظة كتابة هذا المقال (29 أيار/ مايو)، فإن السلطات رفضت محاكمة أي من أفراد الشرطة الأربعة.

وبدورهم، استجاب سكان منيابولس لتراكم المظالم التي لم تُعالج، وانعدام أي تغييرات جوهرية ملموسة في ظروفهم المعيشية المباشرة المتمثلة بالمعاناة من النقص في الحماية، والفصل المتعمد، والإقصاء الهيكلي الذي تفاقم مع وباء كوفيد-19، باستخدام الموارد المتاحة أمامهم؛ إلقاء الحجارة، والطوب، والزجاجات، والزجاجات الحارقة، على المباني، ودوائر الشرطة، ومدرعاتها؛ ومن خلال الاستيلاء على المنتوجات العادية والغذائية بعد اقتحام متاجر كبرى شركات التجارة بالتجزئة، وإحراق مبانيها ومنشآت أخرى.

وفي المقابل، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، والرصاصات المطاطية على المتظاهرين، ونُشر الحرس الوطني. ومع أن بعض المظاهرات في المدينة لا تزال سلمية، وامتدت لمدن مثل ممفيس، ولوس أنجلس، ونيويورك، وشيكاغو، وبيرمينغهام، ومدن كبيرة أخرى، فإن منيابولس لا تزال مشتعلة.

تحطيم سيارة شرطة أميركيّة (أ ب)

حاضر غير منفصل على الماضي

أصبح هذا النوع من الانتفاضات حدثا دائم التكرر تقريبا في الولايات المتحدة على مدار العقود الخمسة الماضية. ففي الشهر الذي تلى اغتيال مارتين لوثر كينغ جونيور، انتفض الأميركيون السود في أكثر من 125 مدينة، مما أدى إلى مقتل 50 شخصًا واعتقال أكثر من 15 ألف شخص.

وفي الأعوام التي تلت ذلك (1968-1972)، شهد ما لا يقل عن 960 مجتمعا أسودا يتعرض للفصل العنصري، نحو 2310 حوادث منفصلة من تلك التي أطلق عليها الصحافيون، والمسؤولون الأمنيون الحكوميون، وصف "الاضطرابات"، و"الانتفاضات"، و"التمردات"، و"الاشتباكات"، و"الثوران"، و"أعمال الشغب".

وتماما كما يحدث في مينيابولس اليوم، فإن هذا النوع من العنف الجماعي دائما ما نجم بشكل أو بآخر، عن احتكاك بين السكان (السود)، وممثلي خط المواجهة للدولة، أي الشرطة، ليطال المؤسسات الأخرى بعد ذلك، وبسرعة كبيرة.

وبالطبع، في أعاقب اغتيال كينغ، استجاب العديد من سكان المدن السود في أنحاء الولايات المتحدة، لعملية التجريم الحكومية، وعدم استجابة السلطات لمطالباتهم بزيادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، عبر إلقاء الحجارة واللكمات على ضباط الشرطة، وتفجير القنابل الحارقة، ونهب المتاجر المحلية.

على الرغم من المكانة الملحوظة لفترة الاضطرابات هذه في وعي وذكريات الكثيرين عن تلك الفترة، إلا أنها لم تكن بداية الانتفاضة الحضرية العنيفة للأميركيين السود، ففي الواقع، كانت حركة التمرد السوداء تعصف بالمدن الأميركية منذ أن سُنّ قانون الحقوق المدنية لعام 1964 (العنصري).

قمع الشرطة الأميركيّة للمتظاهرين (أ ب)

وعزى واضعو السياسات والمسؤولون الفيدراليون هذه الاضطرابات (والأضرار التي ألحقتها بالممتلكات، والتي تقدر بمئات ملايين الدولارات)، إلى سلوك شباب السود بشكل أساسي، وسعوا إلى التعامل معها بوصفها مشكلة إجرامية جنائية، وشنّوا ما يُسمى بـ"الحرب على الجريمة"، ومرروا قانون "التحكم الشامل بالجريمة والشوارع الآمنة" لعام 1968، والذي حضّ على زيادة المراقبة والتدقيق والعمل الشرطوي على المستوى المحلي، في المناطق الحضرية التي تسكنها غالبية سوداء، بالإضافة البدء رسميا بتدريب العناصر الأمنية على "مكافحة الشغب".

ومع ذلك، فإن السعي لفهم التمرد الحضري في حقبة الستينيات، والتمردات المماثلة الآن، بأدق صورة ممكنة، يعتمد على قدرتنا على تفسيره بكونه فترة من العنف السياسي المتواصل، وليس كموجة إجرامية.

ويمكن القول إن نجاح النهج المسالم الذي اتبعه كينغ في عمله السياسي، والذي غالبا ما يصنفه النقاد على أنه معارض لـ"أعمال الشغب" "الهدّامة"، اعتمد بشكل أساسي، على جود هذا العمل السياسي المباشر العنيف. وكما أدرك كينغ، فإن القوة القسرية للاعنف الجماعي نشأت جزئيا من قدرته على اقتراح إمكانية تفعيل المقاومة العنيفة في حالة عدم تلبية المطالب. لذلك، يجب أن نجتهد لكي نرى التجليات العنيفة وغير العنيفة لاحتجاج السود، على أنها قوى تضافرت في تشكيل ذلك العقد.

بالإضافة إلى ذلك، وربما بشكل أكثر تحديا، يجب أن نحاول فهم التمرد العنيف بشروطه الخاصة، كشكل من أشكال العمل السياسي المباشر الذي كان جزءا لا يتجزأ من تلك الفترة.

"المتمردون" كلاعبين سياسيين

قد يكون من الصعب تخيل بعض الأميركيين الأكثر تعرضا للاضطهاد والتهميش والعزلة، كلاعبين سياسيين، وقد أثر هذا التحيز على كتابة التاريخ.

وحتى أولئك منا المهتمين بأشكال المقاومة للعنصرية الهيكلية، يحجمون عن التعامل بجديّة مع الطبيعة السياسية لانتفاضات السود في منتصف القرن الماضي.

ولكن هذه الانتفاضات لم تكن بمثابة انفجارات عفوية ولا "فاقدة للمعنى". وشأنه شأن العمل السياسي الاعنفي المباشر، قدم التمرد وسيلة للمضطهدين والمحرومين للتعبير عن تضامنهم الجماعي في مواجهة القوى العقابية للدولة، والمؤسسات الاستغلالية، والمؤسسات "الديمقراطية" المتكلسة.

غضب وصراخ على الشرطة (أ ب)

ومن شأن إعادة إحياء معرفتنا حول التمرد الأسود العنيف الذي شهده منتصف القرن الماضي، ضد الشرطة وقوات الدولة، أن يعود بانعكاسات مهمة على كيفية سردنا لتاريخ صعود "السجن الجماعي" (ويشير هذا المصطلح إلى السياسات التي مكنت الولايات المتحدة من سجن ملايين الأميركيين، ومعظمهم من الأقليات). وادعى بعض الباحثين في صعود "دولة السجون"، بما في ذلك مايكل جافين فورتنر، وجيمس فورمان جونيور، مؤخرا أن الأميركيين السود طالبوا بالمزيد من عناصر الشرطة في الشوارع والمدارس والأحياء السكنية.

وتشير هذه الروايات، ضمنيا أو صراحة، إلى أن الأميركيين السود دافعوا عن سياسات فرض القانون والنظام، وبالتالي فإنه يُمكن إلقاء اللوم عليهم جزئيا، بالتحول العقابي القمعي على مستوى السياسة المحلية.

لكن تاريخ التمرد المنسي يضيف طبقة أخرى من الديناميكية ومجموعة عوامل إضافية إلى خرافة "الأغلبية الصامتة السوداء" (مصطلح يصف "الدور السلبي" الذي يفترض أن الأميركيين السود لعبوه في سياسة "السجن الجماعي").

وبقدر ما أيدت بعض شرائح الطبقة الوسطى السوداء، والقادة السياسيون ورجال الدين السود، لغط "فرض القانون والنظام"، فإن العديد من الأشخاص الآخرين، والذين لا يظهرون في الأرشيفات التقليدية ناهيك أن كثيرين كانوا أصغر من سن التصويت، تحدوا بشكل جماعي "شرعية" استراتيجيات العمل الشرطوي والعقابي الجديدة (في حينه).

وبالإضافة إلى الفشل في استحضار أصوات الأميركيين من أصل أفريقي، بشكل عابر للمستويات الطبقية وخارج الأرشيفات التقليدية، فإن الجزء الأهم من آلية حجب هذا التمردات أو إخراجاها من مخيلتنا وذاكرتنا الجماعية، هو العامل البيروقراطي.

تحطيم متاجر في مدينة منيابولس (أ ب)

فبحلول أواخر الستينيات، أدى قانون "الشوارع الآمنة" الذي دفع به الرئيس ليندون جونسون، وما أعقبه من عسكرة للشرطة المحلية، إلى القضاء فعليًا على أي حركة ناشئة للتمردات السياسية من خلال تحويلها لمسائل تتعلق بالإدارة والتهدئة المحلية بدلا من التعامل معها على أنها أزمات سياسية على المستوى الوطني.

وأسس التشريع الجديد لاستثمار فدرالي غير مسبوق بلغت قيمته 330 مليون دولار، خُصص لـ"مكافحة الجريمة"، والذي أطلق فعليا، عملية عسكرة لقوات الشرطة المحلية العاملة في المجتمعات التي بدت معرضة لتمرد، عبر تسليحها بفائض أسلحة الحرب على فيتنام، وتدريب عناصرها على أساليب مكافحة الشغب المنهجية، وهو نموذج استُنسخ بالضبط بعد تفجيرات الـ 11 من أيلول/ سبتمبر 2001.

وأنشأ القانون أساسا للبنية التحتية والأجهزة العقابية التي حولت أقسام الشرطة الصغيرة، وخاصة تلك الموجودة في المدن التي تتعرض إلى عملية عكس تصنيع كُبرى، وتضمن كتلة هائلة من المواطنين السود، وتزويدها بالقدرة على التعامل مع الانتفاضات بمفردها قبل أن تبلغ حجما كافيا لجذب وسائل الإعلام الوطنية أو اكتراث الناشطين.

ولسوء الحظ، تذكرنا الاضطرابات في مينيابولس بأن هذا الإرث لا يزال معنا، وبكثرة. فبدلا من الاستجابة للتمرد السياسي العنيف عبر التغيير السياسي، مثل معالجة البطالة الجماعية، وفشل المدارس العامة، وتحسين ظروف الإسكان غير الإنسانية، سعى صناع السياسة والمسؤولون، بدءا من حرب الرئيس ريتشارد نيكسون على الجريمة، إلى الحرب على المخدرات التي تبناها الحزبان، وانتهاء بتبني دونالد ترامب لسياسات "فرض القانون والنظام"، إلى إدارة العواقب المادية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية (على سبيل المثال، الاضمحلال الحضري وتعاطي المخدرات) باستخدام المزيد من الأساليب الشرطوية، وفرض المزيد من المراقبة، سجن المزيد من السكان في نهاية المطاف.

ولا زلنا كأمة، نفشل في تقدير الحكمة التي قدمها كينغ لنا في نهاية حياته؛ وهي أن العدالة الاجتماعية والتقدم فقط هما الضامنان المطلقان لمنع الشغب. وما من إجابة أخرى لذلك. وسيجلب التغيير الاجتماعي البناء بعض السكينة؛ أما التهرب، فسيشجع الاضطرابات فقط.

وفي ترديد لحكمة كينغ بعد مرور خمسين عاما تقريبا، قالت رئيس فرع منيابولس لـ" الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين"، ليزلي ريمون، عن الاضطراب في المدنية: "نحن نعلم أننا بحاجة إلى إصلاح وتغيير منهجيين. إذن كيف يبدو شكل ذلك؟ يجب ضخ الموارد في المجتمع الأميركي الأفريقي... وغالبًا ما يخطئ النظام، ويحتاج مجتمع السود حقًا أن يكون صانع القرار على أرض الواقع، وأن يحصل على الموارد المناسبة له".

تنفيذ اعتقالات بحق المتظاهرين (أ ب)

ومع استمرار الاضطرابات، طالبت نائبة رئيس مجلس المدينة أندريا جينكينز، وهي أول امرأة سوداء متحولة، تُنتخب لمنصب حكومي في الولايات المتحدة، بمعاملة العنصرية في المدينة كحالة طوارئ صحية عامة. وإلا أن تُعالج الجذور الهيكلية للعنف الجماعي كما أشار كينغ قبل نصف قرن، ستبقى التوترات المتصاعدة وانعدام الثقة بين ضباط الشرطة والمواطنين المهمشين عنصريا والذين تقع حمايتهم على عاتق عناصر الشرطة. وفي الواقع، تسبب "كوفيد-19" بتفاقم فيروس قاتل آخر تسبب في وفاة فلويد والذي لا يزال يفتك بالولايات المتحدة منذ قرون: العنصرية.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ