في كل مرة يُهدم تمثال... نتعلم أكثر عن التاريخ

في كل مرة يُهدم تمثال... نتعلم أكثر عن التاريخ
المحتجون يدوسون بأقدامهم تمثال تاجر الرقيق البريطاني إدوارد كولسوتن (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال المؤرخة البريطانية Charlotte Lydia Riley


فجأة، أصبح الناس قلقين من مخاطر إعادة كتابة التاريخ. وعلى ما يبدو، بات يتحتم علينا أن نبقى متيقظين لاحتمال ضياع أجزاء كبيرة من الماضي في غياهب النسيان، أو ما هو أسوأ من ذلك، أن يُمحى هذا الماضي. بل ولا بدّ أن نحتاط جيدا من خطر تعرض تاريخنا لـ"التبييض" مع اختفاء أجزائه الصعبة والمعقدة، كما لو أن التاريخ لم يُبيّض بالفعل. وفي أثناء هذا كلّه، يقبع تمثال إدوارد كولسوتن بسلام أسفل ميناء بريستول، غير مدرك كم الجدل الذي أثاره.

ولكن المؤرخين ليسوا قلقين جدا من الخطر الذي تمثله "إعادة كتابة التاريخ". وهذا لأن إعادة كتابة التاريخ هي مهنتنا كمؤرخين، ومسعانا الاحترافي. فنحن دائمو الانخراط في سيرورة إعادة تقييم الماضي، وإعادة تفسير القصص التي ظننا أننا نعرفها. وبخلاف ما قاله ليوبولد فون رانكه، أحد رائدي البحث التاريخي الحديث، فإن التاريخ لا يقتصر على اكتشاف "ما حصل بالفعل"، بل يشمل أيضا كيف نُفكر بالتاريخ وما هي علاقتنا به. وفي حين أن الماضي ربما يكون قد مات، إلا أن التاريخ حي، ويُشيّد في الحاضر.

وتكمن الفكرة الهامة الأخرى التي يجب التمسك بها عند خوض هذا النقاش، بأنه ما من دور خاص وناجع للتماثيل في علمية توثيق الماضي أو تثقيف الناس حوله. ولقد كُتب الكثير مؤخرا عن "نوستالجيا الإمبريالية" البريطانية، والفكرة القائلة إننا أمة تتوق لإمبراطورية انتهت قبل أن يولد معظمنا. ولكن علاقة هذه الدولة بماضيها الإمبريالي مبنية على المحو والنسيان أكثر من التذكر، وهي عبارة عن سلسلة طويلة من الصمت المستمر منذ الماضي. ويتناقض عدد التماثيل والمعالم التي تخلد رجالا استعبدوا أناسا آخرين، أو قتلوا مئات المدنيين العُزّل، أو ارتكبوا جرائم مروعة أخرى في خدمة الإمبراطورية، أو المرأة التي ترأستهم، مع عدد النقاشات النقدية التي نخوضها حول جرائم الإمبراطورية. وفي كلّ مرّة يُسقط فيها تمثال، فإننا نتعلم المزيد.

قد يرى البعض أن البريطانيين يتسمون بدرجة عالية من التهذيب تمنعهم من الحديث عن الجانب المظلم للإمبريالية. ولكن ليس عار الماضي ما يمنعنا من الخوض في نقاشات كهذه. فمن أجل أن يخجل البريطانيون من تاريخهم الإمبريالي، عليهم أولا أن يعرفوه، وأن يفهموا أسوأ شطحات العنف الإمبريالي، والظلم اليومي "البسيط" في العيش تحت حكم إمبريالي.

تشويه تمثال فرانك ريزو، وهو سياسي ورجل شرطة في ولاية فيلادلفيا الأميركية (أ ب)

ولكن بريطانيين كُثر لا يفقهون عن هذا الأمر شيئا، بل وغالبا ما لا يكترثون له ولا يرغبون في اكتشافه. وبدل أن نعي هذا التاريخ كأمة، فنحن نتبرأ من أفعال أشخاص الماضي عبر الادعاء المُبسّط بأنه كان وقتا مختلفا، وانطوى على قيم مختلفة عن يومنا هذا، متناسين أن أعداد هائلة من الشجعان ثاروا ضد الأعمال الوحشية هذه، وقاوموها، وعملوا بلا كلل لفضحها أو إدانتها.

إن الغضب من إزالة تمثال كولسوتن ما هو إلى دلالة على أن بعض الناس في بريطانيا ما زالوا غير متصالحين مع أي انتقاد لماضي البلاد. بل يريدون أن يكسبوا مرّتين، مرّة بأن يكونوا أحرارا من ذنب الخطايا التاريخية، ومرّة بأن يفاخروا بما يرونه على أنه إنجاز تاريخي. وقد يتمثل المثال الأكثر وضوحا على ذلك، بالأريحية التي يتحدث البريطانيون بها عن تجارة العبيد، والّتي تتلخص في الثناء على الدور المضخم الذي لعبته بريطانيا في إنهائها. ولكن الرجال الذين تُسقط تماثيلهم واحدا تلو الآخر اليوم، لم يكونوا مناهضين للعبودية بل مُستعبِدين؛ ومن الصعب جدا على بريطانيين كُثر أن يُقرّوا بجرائم هؤلاء، في حين هناك إمكانية للمرور بجانب تماثيلهم بالشارع دون اكتراث. أما بالنسبة لبريطانيين آخرين، فإن الاضطرار اليومي لرؤية هذه التماثيل تقبع في قاعات المحاضرات وقاعات الحفلات الموسيقية التي تحمل اسم هؤلاء الرجال، هو بمثابة تعنيف يومي أصبح لا يطاق.

ولقد شُيدت الكثير من هذه التماثيل، في قاعات الحفلات الموسيقية، وقاعات المحاضرات، وسُميت، إما في أواخر العصر الفيكتوري، أو في أيام احتضار الإمبراطورية في منتصف القرن العشرين. وليس ذلك صدفة. فقد استمر تشييد الإمبراطورية كمشروع سياسي وثقافي داخل بريطانيا في المرحلتين، أي بينما كانت تخضع لها المستعمرات وسكانها، وعندما قاتلت تلك المستعمرات وحصلت على استقلالها. فلم "يحصل" البريطانيون على إمبراطورتيهم فجأة، ولم يكتسبوها "في نوبة من الشرود" كما ادعى أحد المؤرخين البريطانيين، بل كان الإمبريالية مشروعا ثقافيا بقدر ما كانت مسعى سياسيا أو عسكريا أو اقتصاديا، كان يجب إعادة إحيائه باستمرار. ولا تقدّم هذه التماثيل سردا محايدا لتاريخ هذا البلد، فهي معالم سياسية للمخاوف بشأن الحالة التي عاشتها بريطانيا في الوقت الذي نصبت فيه.

تحطيم تمثال كريستوفر كولومبوس في مدينة بوسطن الأميركية (أ ب)

والادعاء أن إزالة التمثال هو بمثابة "تبييض" للتاريخ، هو التظاهر بأن هذه التماثيل دخلت - بطريقة ما، في نقاش عميق حول ماضي بريطانيا الإمبراطوري. ولكن هذا لم يحصل قط، ليس فقط لأن لدينا تماثيل لمالكي عبيد، ولكن أيضا لعدم وجود تمثال واحد حتى، لضحايا تجارة الرقيق أو الضحايا الآخرين للعنف الإمبريالي. ومنذ عام 2007، أصبح لدينا متحف للعبودية في مدينة ليفربول، ولكن لا يوجد متحف يؤرخ للإمبريالية على الرغم من أن متاحفنا مليئة بالكنوز المنهوبة من الممتلكات السابقة للإمبراطورية البريطانية. ولا يوجد نصب تذكاري وطني لضحايا تجارة الرقيق. لذا، إذا كنت راغبا ببدء حديث عن تبييض التاريخ، فربما يكون من الأجدى أن تبدأ من هنا.

مع تغير أفكارنا حول العالم، من الطبيعي أن يتغير موقفنا تجاه الأبطال والانتصارات التي اختارها أسلافنا للاحتفال بذكراها. وعندما يمثل هؤلاء الأبطال المزعومين كل شيء سوى البطولة، فإن ترك تماثيلهم واقفة يمثل إهانة للقيم الحديثة التي ندعي أننا نمتلكها. هذا ليس محوا شريرا للتاريخ؛ بل هو إعادة تقييم لتاريخنا بناءً على أدلة وأفكار جديدة. هذه هي عملية التأريخ. وإذا كان انتقاد إسقاط تمثال كولستون يعني أننا قد نضطر إلى سحب المزيد من التماثيل، فعندها أقول كمؤرخة، بالطبع، لنفعل ذلك.

تشويه تمثال كريستوفر كولومبوس في مدينة ميامي الأميركية (أ ب)
ت​​​​​​شويه تمثال كريستوفر كولومبوس في مدينة ميامي الأميركية (أ ب)