الصراع الأميركيّ - الصينيّ يمثّل فرصة للدول الأفريقيّة

الصراع الأميركيّ - الصينيّ يمثّل فرصة للدول الأفريقيّة
على أفريقيا استغلال الصراع الأميركيّ - الصينيّ (توضيحية - أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال رئيس مدرسة الحوكة في جامعة وتووترستراند في جنوب أفريقيا، موزكسي كوبو، والأستاذ المشارك في مدرسة ويتز للتجارة، في مجال إدارة التكنولوجيا والعمليات، ومجومو مزيسي.


يتّسم الصراع الدائر على القوة بين الولايات المتحدة والصين، بشبَههِ الكبير للتوترات بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة التي سادت أعوام الحرب الباردة. وفي ذلك الوقت، مثّلت الدول الأفريقية بيادقَ في لعبة شطرنج عملاقة بين القوّتين العظمييْن، وأُعيق تقدمها الاجتماعي والاقتصادي لأنها استهلكت طاقتها في الاصطفاف مع إحدى القوّتين وسط معركة بين الرأسمالية والشيوعية للهيمنة على العالم.

ومع وجود بعض الاستثناءات القليلة، فشلت الدول الأفريقية عموما في ممارسة إدارة إيجابية تجاه تنميتها الخاصة. كما أنها تسببت في تآكل الأُسس المؤسّساتية والبُعد عن النجاح الاقتصادي.

وفي سياق يشهد تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، قد تجد الدول الأفريقية نفسها تكرر أخطاء الماضي ذاتها ما لم تتخذ فعلا رياديا وسبّاقا لتشكيل مصائرها.

وتتعمق التوترات بين القوتين العظميين، والتي تطغى على طابعها حرب تجارية شرسة، في زمن يتعرض الاقتصاد العالمي فيه، لضغوطات هائلة بسبب تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19). وفي خضم ذلك، تواجه الدول الأفريقية أسوأ أزماتها الاقتصادية منذ استقلالها.

ولا تملك الدول الأفريقية بشكل عام، جهوزية مؤسساتية للنجاة من الآثار المجتمعة للجائحة الصحية وما يتبعها من الركود الاقتصادي الشديد. وسيضطر قادتها إلى تصميم إستراتيجيات تشابُك واعية من شأنها أن تساعدهم في إدارة توترات القوتين العظميين المستمرة، بشكل يصبّ في مصلحة دولهم. وعليهم أن يفعلوا ذلك دون الانحياز لأحد الطرفين. وهذا يتطلب منهم أن يتعاملوا مع هاتين القوتين بناءً على قرارات براغماتية لا أيديولوجية.

ورغم عدم الجهوزية المؤسساتية التي تعاني منها الدول الأفريقية، فإنه بإمكانها، بل ويتحتم عليها، أن تتخذ منحى إستراتيجيا وتكتيكيا للغاية في كيفية التعامل مع التوترات الصينية الأميركية. وإذا ما فشلت في ذلك، فإن ذلك سيعني أنها ستضحي في مصالحها في نهاية المطاف.

وتتمحور التحديات والفرص الملقاة أمام الدول الأفريقية في المناخ الجيوسياسي الحالي، حول ثلاث ميادين أساسية، بحيث تتضمن الأولى، الحدود التكنولوجية، بينما تدور الثانية حول سلاسل التوريد العالمية، وأما الثالثة، فتتلخص في التكامل التجاري والتعاون الاقتصادي.

توضيحية (أ ب)

حدود تكنولوجية جديدة

هناك أدلة دامغة على أن الابتكارية التكنولوجية هي المحرّك الرئيسي للنمو الاقتصادي. لذا، يُعد الوصول إلى التقنيات الجديدة مثل شبكات "الجيل الخامس" ("5 جي")، واستغلاها، أمرا ضروريا للتنمية الأفريقية. وتُعد تقنيات "الجيل الخامس" خيارات مهمة لقارة مثل أفريقيا حقق قطاع الهواتف المحمولة فيها قفزة نوعية على التقنيات التقليدية.

ويوفر الوصول إلى تقنيات مثل شبكات "الجيل الخامس" القدرة على الوصول إلى الشبكة ذات النطاق العريض، وهو أمر بالغ الأهمية لتقدم القارة نحو الاقتصاد الرقمي.

وفي أيار/ مايو 2019، أدرجت الحكومة الأميركية شركة "هواوي" الصينية التي تُعد المُورّد الرئيسي للبنى التحتية الخاصة بشبكة "الجيل الخامس" نحو العالم، على قائمة الكيانات التي يُعتقد أنها تشكل "خطرا كبيرا" على الأمن القومي الأميركي ومصالح السياسة الخارجية.

وحُظرت "هواوي" فعليا، من استيراد وإدماج تقنيات أميركية أساسية لمنتجاتها والخدمات التي تقدمها. وشمل هذا الحظر الجزئي التكنولوجيا، أي الأجهزة، مثل مكونات أشباه الموصلات عالية التقنية، والبرامج أيضا، مثل "قائمة خدمات جوجل للجوال". وُوسّع الحظر لاحقًا ليشمل تقنيات رئيسية من شركات غير أميركية. وشمل ذلك شركة تصنيع أشباه الموصلات التايوانية، وهي مورد رئيسي لشركة "هواوي".

وبعد مرور شهر على الحظر الأولي، صاغ الرؤساء التنفيذيون لأربعة شركات اتصالات رئيسية تعمل في جنوب أفريقيا، وهي "تيلكوم"، و"فوداكوم"، و"إم تي إن"، و"سيل سي"، برسالة مشتركة أرسلوها إلى رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوسا، يطالبونه بالتدخل العاجل بشأن الإجراء الأميركي ضد "هواوي". وتمثل هدفهم بتوفير وزن دبلوماسي لمنع وقوع أضرار بقطاع الاتصالات في جنوب أفريقيا.

وفي تموز/ يوليو الماضي، قدم رامافوسا دعمًا للمشغلين الأربعة بالإضافة إلى شركة "هواوي"، وصافا الحظر بأنه "مثال على الحمائية التي ستؤثر على قطاع الاتصالات الخاص بنا، لا سيما بما يتعلق بالجهود المبذولة لنشر شبكات الجيل الخامس، مما سيسبب في انتكاسة شبكات أخرى أيضا".

وكان ذلك بمثابة خطوة براغماتية من جانب حكومة جنوب أفريقيا.

وينبغي على صناع السياسات في أفريقيا، أن يبذلوا مجهودا في ضمان حقهم في الاختيار من أوسع نطاق ممكن للإمكانيات التكنولوجية بما يتلاءم مع حاجات التنمية في دولهم. وعليهم أن يصروا على تحصيل تقنيات جديدة مثل "الجيل الخامس"، وتطويرها بحسب ما تقتضيه حاجاتهم، بناء على توجه براغماتي.

توضيحية (أ ب)

سلاسل التوريد العالمية

إن المسرح الثاني الذي يُمكن للدول الأفريقية أن تلعب دورا فيه، هو سلاسل التوريد العالمية. إذ أن الواقع الحالي الذي يطغى عليه كوفيد-19 المصحوب بتصاعد التوترات الأميركية الصينية التجارية والتكنولوجية، وبما يتعلق بسلاسل التوريد العالمية، وفّر فرصا لا بد أن تستغلها الدول الأفريقية.

وقد كشفت هذه العوامل الجديدة عن مشاكل خطيرة في شبكات التوريد عبر مختلف القطاعات، بما يشمل المنتجات الرقمية، وسلاسل الإمدادات الغذائية والصيدلانية والطبية.

وتقدم هذه القطاعات فرصًا للدول الأفريقية لتطوير منتجات وخدمات وقدرات جديدة. فيمكنها على سبيل المثال، أن توفر حلولا لحماية احتياجات الأمن الغذائي لأفريقيا، والإنتاج المحلي للعقاقير والأدوية الأساسية، والاختبارات والمعدات الطبية منخفضة التكلفة، والخدمات اللوجستية.

لكن البلدان الأفريقية ستحتاج إلى العمل بتعاون أكبر من أجل تطوير القطاعات الاقتصادية المزدهرة والروابط الصناعية العابرة للحدود. وفي رأينا، ستكون التجارة عاملا حاسما في ذلك.

وهذا يقودنا إلى المجال الثالث، وهو حاجة البلدان الأفريقية إلى تعميق التكامل التجاري والتعاون الاقتصادي. ومن شأن ذلك أن يوفر الأساس لتنويع الاعتماد المفرط على أسواق التصدير مثل سوقَي الصين والولايات المتحدة، إضافة إلى القدرة على تطوير متانة داخلية.

على أفريقيا استغلال سلاسل التوريد العالمية (أ ب)

التجارة الداخلية في أفريقيا

تشكل التجارة الداخلية في أفريقيا نحو 16% فقط من إجمالي التجارة الأفريقية، مقارنة بنسبة 52% في آسيا و73% في أوروبا. وترتكز التجارة الأفريقية بشكل كبير على عدد قليل من المحاور الاقتصادية؛ فتمثل الواردات الصينية والأوروبية مجتمعة، 54% من إجمالي التجارة الأفريقية، مع كون الصين أكبر شريك تجاري لأفريقيا، إذ تسيطر على ما يفوق الـ14% من إجمالي التجارة في أفريقيا.

وتمثل منطقة التجارة الحرة للقارة الأفريقية، الإطار المؤسساتي والبنى التحتية لتعزيز التجارة بين الدول الأفريقية وتنويع شركائها التجاريين وتنفيذ إصلاحات في السياسات التجارية التي طال انتظارها.

وتسبب انتشار كوفيد-19، بتأخيرات كبيرة في تطبيق هذه التفاهم التجاري، إذ يجب أن يُضخّم ذلك من الشعور بالحاجة الملحة له، ولكن بدلا من إظهار القدرة على التكيف، قرر القادة الأفريقيون التوجه نحو التوقف المؤقت. وقد تفوّت القارة بسبب ذلك، فرصة لتسريع تطوير سلاسل القيمة العابرة للحدود في الإمدادات والمعدات الطبية وغيرها من المجالات.

تُعد تقنيات "الجيل الخامس" خيارات مهمة لقارة مثل أفريقيا ( أ ب)

القدرة على الخيال والشجاعة

يجب على الدول الأفريقية اغتنام الفرص التي يتيحها تعمّق التوترات بين الصين والولايات المتحدة لتحقيق وكالة إيجابية ورسم مستقبلها. وسوف تحتاج إلى أن تصبح أكثر استباقية وتكيفا في ظل بيئة عالمية متقلبة وغير مؤكدة. وهذا يتطلب قدرا كبيرا من الخيال والشجاعة.

تواجه البلدان الأفريقية مجموعة هائلة من التحديات والمعوقات. لكن صناع السياسات يمكنهم دائما أن يجدوا الخيارات المناسبة.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"