على الدول فتح حدودها قبل فوات الأوان

على الدول فتح حدودها قبل فوات الأوان
مطار هولندا (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقالِ إدوارد آلدن، وهو أستاذ زائر مميز في جامعة وسترن واشنطن، وزميل بارز في منظمة "مجلس العلاقات الخارجية"، ومؤلف كتاب "فشل في التكيف: كيف تُرك الأميركيين وراء في الاقتصاد العالمي؟".


في الوقت الحالي، من الصعب تخيّل تهديد أخطر على سلامة العالم من جائحة كوفيد-19. إذ ثبتت إصابة أكثر من 23 مليون شخص حول العالم بالفيروس، وهو رقم يُرجح أن يُمثّل جزءا بسيطا جدا من حجم الانتشار الحقيقي للفيروس، وتوفي أكثر من 800 ألف شخص من جرّاء الإصابة بالفيروس.

فيما تمزّق الجائحة الاقتصاد العالمي، حيث يتوقع البنك الدولي أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بأكثر من خمسة بالمئة خلال العام الجاري فقط، وهو ما يعني كساد عالمي أسوأ بكثير من الانكماش الذي شهدناه في 2008 و2009.

ولكن كوفيد-19 ليس الخطر الأكبر الذي يتهدد العالم. فهناك خطر أعظم اليوم ناجم عن صعود النزعة القومية، والتي تهدد بتقويض التعاون الدولي على معالجة القضايا الملحة، وليس الصحة العامة العالمية فحسب، بل التجارة والتغير المناخي أيضا. كما أن ردود أفعال الحكومات في مكافحة الفيروس، والتي ركزت على إغلاق الحدود، وحظر السفر، وإعادة الإنتاج إلى الداخل، سواء الطبي أم السلع الأخرى، تغذي سردية مفادها أن الأجانب والبضاعة الأجنبية هم مصدر للخطر والضعف. وبينما تكافح الحكومات للسيطرة على الجائحة، فإنّها بحاجة ماسة وعاجلة إلى تحويل مسارها في ذلك، وأن تتبنى العمل الجماعي عوضا عن بناء جدران تفصلها عن العالم. وهذا يتضمن التحرك السريع نحو إعادة فتح الحدود.

بعد مرور تسعة شهور على أول تفشي للفيروس في الصين، لا تزال الحدود العالمية مُغلقة في الغالب. وأغلقت الحدود الأميركية الكندية، والتي يُسوق لها على أنها أطول حدود غير محمية في العالم، أمام جميع أنواع السفر غير الضروري منذ آذار/ مارس الماضي. وانخفض تجاوز الحدود البري بـ97 بالمئة عما كان عليه في العام الماضي. وأما الدوّل الأوروبية، بما في ذلك 26 دولة عضو في ما يُسمى بـ"منطقة شنغن" والتي لا تفرض قيودا على السفر عبر حدودها، أغلقت حدودها في آذار/ مارس، لتفتحها جزئيا خلال الصيف، بينما عاودت بعض الدول مؤخرا إغلاق حدودها مرّة أخرى.

مطار فرانكفورت (أ ب)

وعلنت بريطانيا في آب/ أغسطس الجاري، عن فرض حجر صحي لمدة 14 يومًا على جميع القادمين أو العائدين من فرنسا؛ والأسبوع الماضي، أعلنت فرنسا الرد بالمثل.

وفرضت النرويج متطلبات مشابهة على القادمين من إسبانيا، وثمانية بلدان أوروبية أخرى. ونصح الاتحاد الأوروبي أعضاءه بإعادة فتح حدودهم أمام دول تعتبر "آمنة وبائيا"، بما يشمل الصين واليابان، وكوريا الجنوبية، ولكنها تُبقيها مغلقة أمام معظم الدول الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة. ورفضت بعد الدول الأعضاء مثل بولندا وهنغاريا (المجر) فتح حدودها لأي دولة ثالثة على الإطلاق.

بالإضافة إلى القيود المفروضة على الحدود البرية مع كندا والمكسيك، تظل الولايات المتحدة مغلقة أمام المسافرين من الصين والبرازيل وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وإيرلندا. وأعادت الصين، التي أغلقت أبوابها أمام معظم الزوار الأجانب منذ 28 آذار/ مارس الماضي، فتح أبوابها هذا الشهر أمام الأوروبيين القلائل الذين يحملون تصاريح إقامة أو عمل صينية لكن الحدود لا تزال مُغلقة بالمجمل.

كما دفع النقص الأولي في الإمدادات الطبية ومعدات الوقاية الشخصية، الدول إلى محاولة استرداد الإنتاج الصناعي لشركاتها التي كانت تدير أعماله في الخارج، في القطاعات الحيوية مثل المعدات الطبية. وخصصت اليابان أكثر من ملياري دولار لإغراء الشركات اليابانية بالعودة من الصين، بما في ذلك شركة "إريس أوياما"، وهي شركة مصنعة لأقنعة الوقاية الطبية. وقامت ثمانون دولة ومنطقة جمركية في البداية بتقييد تصدير أقنعة الوجه والقفازات وغيرها من معدات الوقاية والطبية.

ومنذ ذلك الحين خففت معظم هذه الإجراءات، لكن الاعتماد على الواردات لا يزال واسع الانتشار: فالصين على سبيل المثال، تواصل توفير الجزء الأكبر من المكونات الصيدلانية الضرورية للعالم. لكن في وقت سابق من الشهر الجاري، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمرًا تنفيذيًا يأمر الوكالات الفيدرالية شراء الأدوية والمعدات الأساسية من الشركات المصنعة الأميركية فقط، ووعد بمليارات الدولارات على شكل إعانات حكومية لدعم الإنتاج المحلي. وعند توقيعه الأمر، قال ترامب: "يجب ألا نعتمد أبدًا على دولة أجنبية لتلبية احتياجات أميركا الطبية أو غيرها".

دونالد ترامب (أ ب)

وكان اللجوء للقيود الحدودية والإجراءات الرامية إلى تعزيز الإنتاج المحلي، مفهوما في المراحل الأولى لتفشي الوباء، بل جدير بالثناء أيضا. ولأن كوفيد-19 ينتشر بشكل أساسي عبر الاحتكاك الشخصي المباشر، فإن السفر الدولي كان بذرة تفشي المرض في جميع أنحاء العالم. وكشف النقص الأولي في المعدات الطبية حاجة البلدان إلى بذل المزيد من الجهد للاستعداد للأوبئة، بالطريقة ذاتها التي تخزن بها إمدادات الإغاثة لمكافحة الزلازل والكوارث الطبيعية الأخرى. كما لاقت القيود المفروضة استحسان جماهير قلقة.

وفي استطلاع رأي أُجري مؤخرا، وسأل الأوروبيين عن التغيّر في آرائهم خلال الأزمة، قال 57% من المستطلعة آراؤهم، إنهم يريدون الآن ضوابط أكثر صرامة على الحدود، وهي الإجابة الأكثر شيوعا. وفي الولايات المتحدة، يؤيد 78 بالمئة من السكان إغلاق الحدود وقيود الهجرة لمكافحة الفيروس. بينما يريد ثمانية من كل عشرة كنديين أن تظل الحدود مع الولايات المتحدة مغلقة حتى نهاية هذا العام على الأقل.

لكن هذه الاحتياطات الرشيدة أفسحت المجال أمام سردية خطرة مفادها أن أفضل طريقة يُمكن أن تتبعها لدولة ما لحماية نفسها من الفيروس، تتلخص بإبعاد الأجانب وتقليل اعتمادها على السلع الأجنبية. وليس من المستغرب أن نرى ذلك في الولايات المتحدة، إذ استغلت إدارة ترامب أزمة كوفيد-19 لمنع جميع طلبات اللجوء على الحدود، وإغلاق إجراءات الهجرة، ومنع معظم العمال الأجانب من دخول البلاد.

فندق ترامب في كندا (أ ب)

وما يثير القلق حقا، هو ما نراح من تبني دول لا تزال تُعتبر منارات الليبرالية، لهذه النّزعة القومية المعادية للمهاجرين (والأجانب). ففي كندا التي تقوم بمهمة السيطرة على الفيروس بشكل أفضل من جارتها على الحدود الجنوبية، يبدي المواطنون اليوم عدائية أكبر لوجود حفنة من الأميركيين الذين تسمح لهم السلطات بدخول البلاد، إلى حد وصل لأن البعض اعتدى على سيارات تحمل لوحات ترخيص أميركية.

وقد نصح رئيس مقاطعة كولومبيا البريطانية غربي البلاد، جون هورغان، وبكامل الجدية، الأميركيين القلقين بشأن سياراتهم بتغيير لوحات ترخيصها (وهو أمر غير قانوني) أو الاكتفاء بـ"ركوب الدراجة". ثم بدا وكأنه يتغاضى عن رهاب الأجانب والتخريب حين قال "لا أستطيع أن أخبر الناس كيف يردون عندما يرون لوحات ترخيص أجنبية". وأما الدولة الرائدة عالميا في مكافحة الوباء فهي نيوزيلندا، والتي قضت على الفيروس لفترة وجيزة وأبقت حدودها مغلقة أمام جميع المواطنين الأجانب على أمل منع تفشي المرض في المستقبل. وتمثل حالتها انعكاسا مخيفا للجدل العالمي الذي يحتفي بالعزلة الذاتية لأمة جزرية أصبحت فجأة نموذجًا للسيطرة المستنيرة على الوباء.

هؤلاء القادة يلعبون بالنار. فكما رأينا في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، الإرهابية، فإن إثارة الرعب من "الأجانب الخطرين" سهل جدا. فالولايات المتحدة، بنت كامل مشروعها للأمن الداخلي الذي تلي هجمات 2001، على الفكرة القائلة بأن البلاد يمكن أن تحمي نفسها من أمراض العالم من خلال خلق فقاعة أمن ووقاية. وكان لهذا الوهم عواقب وخيمة. فما بدأ كممارسة عقلانية لمحاولة التعرف على الإرهابيين وإبعادهم، تحول إلى هوس بالجدران الحدودية لصد أولئك الفارين من التعذيب والاضطهاد، وتشييد أقفاص لأطفال مهاجرين تفصلهم عن أهلهم. وتعاني الجهود الحالية لاحتواء الفيروس من خلال الضوابط الحدودية، من قصر النظر ذاته.

وبدلا من اتباع هذا النهج، على الحكومات أن تشرع فورا في تطوير خطط لإعادة فتح حدودها بأمان. ويجب أن ترتبط هذه الخطط بشكل وثيق بالمقاييس الصحية والتوسع في إجراء الفحوصات وإجراءات التتبع، من أجل السيطرة على الفيروس وطمأنة مواطنيها أيضا. ورغم أن متطلبات ذلك التقنية صعبة، إلا أنها ليست أصعب مما كانت عليه بعد 11 أيلول/ سبتمبر، عندما أُنشئت إجراءات جديدة على الحدود والمطارات للكشف عن "الإرهابيين" والمخاطر الأمنية الأخرى. في المراحل المبكرة، قد يشمل ذلك معايير واضحة من شأنها أن تدرّج السفر والهجرة اعتمادا على نجاح البلدان المختلفة في الحد من انتشار الفيروس؛ لقد تحرك الاتحاد الأوروبي في هذا الاتجاه بإنشاء قائمة الدول الآمنة.

وقد تستهدف إجراءات أكثر تعقيدًا الأفراد وليس المجموعات الواسعة. وقد يُطلب من المسافرين إجراء فحص فور مغادرتهم أو وصولهم للبلاد، كما بدأت تفعل بعض البلدان مثل أيسلندا في المطارات. قد يُطلب من الزوار أيضًا تنزيل تطبيقات تتبع جهات الاتصال من أجل تتبع تحركاتهم داخل البلاد لأغراض تحديد ووقف تفشي المرض الجديد، كما تطلب الصين من زائريها. حتى لو بدأ تنفيذ هذه الإجراءات ببطء، وعلى حساب التدخلات الجديدة في الخصوصية من قبل سلطات الهجرة وشرطة الحدود، فإن مثل هذه المبادرات سترسل رسالة واضحة مفادها أن القيود الحالية على الحدود هي إجراء مؤقت غير مرغوب فيه.

اليونان (أ ب)

ولا ينبغي أن تكون هذه مبادرات وطنية بحتة. فيجب أن تتعاون البلدان مع بعضها البعض على وضع نهج مشترك لتنسيق تدابير الصحة العامة وإعادة فتح الحدود تدريجيًا ولمشاركة التقنيات مثل تلك الخاصة بالفحص والتعقب. ويُمكن اعتبار ما سُمي بمفاوضات "الحدود الذكية" بين كندا والولايات المتحدة بعد هجمات 2001، نموذجا جيدا لذلك. إذ لم تؤد الهجمات إلا لإغلاق قصير الأمد للحدود، لكن التدقيق الأكبر في المسافرين في أعقاب ذلك أدى إلى تأخيرات طويلة.

أدى القلق بشأن اضطراب التجارة والسفر بسرعة إلى قيام الحكومتين بإكمال المفاوضات الصعبة في نفس العام لإنشاء إجراءات وبروتوكولات لتعزيز عمليات التفتيش الأمني ​​مع السماح لعودة التدفق عبر الحدود لحالته الطبيعية. وبالمثل اليوم، هناك حاجة ماسة إلى مبادرة حدود ذكية جديدة في أميركا الشمالية تدمج بين الصحة والسفر. كما يجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تعمل على بروتوكول مشترك بدلًا من أن تسلك كل دولة طريقها الخاص. وينبغي إطلاق المناقشات الدولية من خلال مجموعة العشرين والهيئات المتخصصة مثل منظمة الطيران المدني الدولي.

ويجب أن يبتعد الجدل حول سلاسل التوريد، عن نموذج الاكتفاء الذاتي ليتجه لنموذج قائم على المرونة يعترف بأنه لا يمكن لأي دولة أن تنجح في حماية مواطنيها من خلال اتخاذ مسار منفرد. ودعا مفوض التجارة الأوروبي فيل هوجان، إلى مبادرة دولية "لتسهيل الوصول العالمي إلى منتجات الرعاية الصحية بأسعار معقولة، بما في ذلك البلدان الضعيفة التي تفتقر إلى القدرات التصنيعية المناسبة".

لاجئون في اليونان (أ ب)

ويمكن أن يشمل ذلك إلغاء التعريفات والقواعد الجديدة التي تحكم قيود الاستيراد والتصدير أثناء الأزمات. وتحتاج البلدان أيضًا إلى التعاون في تطوير وتوزيع اللقاحات، والتراجع عن مسار "قومنة اللقاح" الحالي المتمثل بتنافس الاقتصادات العالمية الرئيسية لمعرفة أيها يمكنها حماية مواطنيها أولًا.

ربما الأهم من ذلك كله، هو أن على الحكومات أن تغير رسائلها للجمهور. فالحد من انتشار كوفيد-19 أزمة عالمية وليست مشكلة وطنية. ولن يأمن أي بلد ما لم تتم السيطرة على الفيروس في كل مكان. ويجب أن يصبح الوباء مثالًا على كيفية تعاون العالم على حل مشكلة مشتركة، ربما وضع نموذج لمعالجة مشاكل أخرى مثل تغير المناخ أو التدفق الدولي للاجئين. وبدلًا من ذلك، أصبح الوباء سريعًا دراسة حالة تاريخية في كيفية تفريق الأزمات بين البلدان.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ