إردوغان يحوّل تركيا إلى دولة تابعة للصين؟

إردوغان يحوّل تركيا إلى دولة تابعة للصين؟
الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقالِ الكاتب سلطان تيبي، وهو أستاذ في العلوم السياسية في جامعة إلينويس الأميركية، ايكا اليمداروغلو، وهي مديرة مشاركة لبرنامج تركيا في مركز "الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون" بجامعة ستانفورد الأميركية.


اعتاد الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان، على ترديد تصريحات صادمة ضد بكين وسط دعمه الصريح لأقلية الأويغور الصينية، وهي جماعة مسلمة ناطقة (بمعظمها) باللغة التركية وتعيش في إقليم شينغيانغ حيث تتعرض لانتهاكات مروعة لحقوق الإنسان. بل وقال إردوغان في 2009 إن "الأحداث في الصين، يُمكن وصفها ببساطة، بالتطهير العرقي"، وذلك عندما كان لا يزال رئيس وزراء. ولكن كلماته هذه لم تكن خالية المضمون، فقد كانت تركيا بالفعل، ملاذا آمنا للأويغور الهاربين من الاضطهاد الصيني منذ أن أحكم الحزب الشيوعي قبضته على شينغيانغ عام 1949، المنطقة التي تحتضن أكبر عدد من شتات الأويغور في العالم.

ومن ثمّ طرأ تبدّل غير متوقع. ففي عام 2016، اعتقلت السلطات التركية عبد القادر يابجان، وهو ناشط سياسي بارز من الأويغور يعيش في البلاد منذ عام 2001 وشرعت في عملية لتسليمه للصين. وفي 2017، وقّعت تركيا والصين اتفاقية تسمح بتسليم المتهمين حتى لو كانت الجريمة التي يُزعم أنهم ارتكبوها تعد غير قانونية في أحد البلدين فقط. ومنذ أوائل عام 2019، اعتقلت تركيا مئات الأويغور وأرسلتهم إلى مراكز الترحيل. وأصبحت تصريحات إردوغان رديئة دبلوماسيًا، تمامًا مثل أي تغطية صحافية متعلقة بالأويغور في الصحف التي يسيطر عليها إردوغان وأنصاره.

باخرة تركية (أ ب)

وهناك تفسير بسيط لاتخاذ إردوغان هذا المنعطف الاستثنائي؛ وهو أن نظامه واقتصاد تركيا يمرّان بأزمة. ووسط ضحالة عدد أصدقائها، تعتمد أنقرة على بكين لإصلاح مشاكلها، وهذا يتطلب الالتزام بسرديّة بكين. فأزمات إردوغان تتصاعد؛ إذ تضرر الاقتصاد التركي بشدة من جائحة فيروس كورونا المستجد الذي دمر قطاعها الاقتصادي الأساسي، السياحة. وبينما يُحكم إردوغان قبضته على البنك المركزي والمحاكم، تتقلص الاحتياطيات الأجنبية، ويتزايد العجز التجاري وتتدهور قيمة الليرة التركية. وبعدما اعتُبرت تركيا ذات يوم نموذجًا للديمقراطية والتنمية الاقتصادية في المنطقة، فقد تحولت اليوم إلى دولة استبدادية.

وفي "مؤشر الديمقراطية الليبرالية" الذي يعدّه معهد "في ديم" التابع لجامعة جوتنبرج السويدية، تحتل تركيا الآن مرتبة ضمن أدنى عشرين دولة على المؤشّر، وفي موضع أقرب منه إلى الصين من الدول المتقدمة التي كانت تطمح إليها ذات يوم.

وأما الشركات والمستثمرين الغربيين الذين انجذبوا في الماضي إلى اقتصاد تركيا سريع النمو وعدد سكانها الكبير، فيبتعدون عنها اليوم.

إسطنبول (أ ب)

وتقدم شهية الصين للتوسع في غربي آسيا وأوروبا، حبل نجاة لإردوغان. إذ توسّع التعاون بينهما باطراد رهيب. ومنذ عام 2016، وقع البلدان 10 اتفاقيات ثنائية بما في ذلك في مجالي الصحة والطاقة النووية. وتعد الصين الآن ثاني أكبر شريك استيراد لتركيا بعد روسيا.

واستثمرت الصين ثلاثة مليارات دولار في تركيا بين عامي 2016 و2019 وتعتزم مضاعفة هذا المبلغ في نهاية العام المقبل. وأصبح التدفق النقدي من الصين أمرا حيويًا للغاية لنظام إردوغان معززًا قوّة الرئيس في لحظات مصيرية. فعندما انخفضت قيمة الليرة بأكثر من 40% في عام 2018، قدم البنك الصناعي والتجاري الصيني المملوك للدولة، قروضًا بقيمة 3.6 مليار دولار للحكومة التركية، لتضخها في مشاريع الطاقة والنقل الجارية.

وفي حزيران/ يونيو 2019، وعقب الانتخابات البلدية في إسطنبول التي كانت مؤشرا إلى تداعي التأييد الشعبي لإردوغان، حوّل البنك المركزي الصيني مليار دولار لأنقرة، وهو التدفّق النقدي الأكبر بموجب اتفاقية المبادلة بين البنكين المركزيين في البلدين والتي جُدّدت آخر مرة في 2012. ومع تضاؤل شعبية إردوغان خلال العام الجاري وسط أزمة فيروس كورونا والنقص الحاد في العملة، هبّت الصين للإنقاذ مرة أخرى في حزيران/ يونيو الماضي.

إذ تتيح بكين الآن للشركات التركية، استخدام اليوان الصيني لتسديد المدفوعات التجارية، مما يتيح لها سهولة الوصول إلى السيولة الصينية، وهي خطوة في تكثيف التعاون المالي.

جنود صينيون (أ ب)

وتوفر مبادرة "الحزام والطريق" الصينية لتركيا، مصدرًا جديدًا للأموال النقدية، ولبكين، موطئًا إستراتيجيًا على البحر الأبيض المتوسط. وفي خضم هذه المبادرة لبناء البُنى التحتية، أكملت تركيا خط سكة حديد من قارص في شرقي تركيا، مرورًا بتبليسي، عاصمة جورجيا، إلى باكو، العاصمة الأذرية، التي تمتلك منفذا على بحر قزوين، حيث ترتبط بشبكات النقل إلى الصين.

في 2015، اشترى اتحاد تجاري صيني 65% من ثالث أكبر محطة للحاويات في تركيا، الواقعة في إسطنبول، واكتسب موقعًا محوريًا في نقل الحاويات. كما ساعد المستثمرون الصينيون أيضًا في إنقاذ مشاريع إردوغان العملاقة سيئة الإدارة.

وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، اشترى تحالف تجاري صيني 51% من جسر يافوز سلطان سليم الذي يربط بين أوروبا وآسيا عبر مضيق البوسفور بعدما فشلت توقعات الإيرادات، وبحث التحالف التجاري التركي الإيطالي الذي سيطر على الجسر، منفذًا للخروج.

وتساعد مشاريع مبادرة "الحزام والطريق" بتعزيز قوّة إردوغان بطرق أخرى أيضًا، فقد قوّت استراتيجية تركيا لفرض نفسها ممرًا للنقل، ودعّمت إردوغان سياسيًا عبر الترويج له كقائد يمكنه تطوير البنية التحتية وجذب الأموال والتكفّل بمشاريع واسعة النطاق.

ويستمر تدفق الأموال، ففي العام الجاري، خصصت مؤسسة "تأمين الصادرات والائتمان" الصينية ما يصل إلى 5 مليارات دولار لصندوق الثروة التركي، لاستخدامها في مشاريع مبادرة "الحزام والطريق"، لكن محدودية الشفافية والمساءلة للصندوق، تثير مزيدًا من المخاوف بشأن وجهة الأموال وقدرة تركيا على السداد.

الرئيس الصيني (أ ب)

وشهد قطاع الطاقة التركي، وهو قطاع آخر كان تطويره أساسيا في تعزيز سلطة إردوغان، استثمارات أضخم تحت مظلة مبادرة "الحزام والطريق". وتأمّت الصين 1.7 مليار دولار لبناء محطة هونوتلو لتوليد الطاقة الفحميّة على البحر الأبيض المتوسط ​، والتي يُتوقّع أن تنتج 3% كهرباء البلاد بعد اكتمالها. وتخطط أنقرة لتوقيع اتفاق مع شركة تكنولوجيا الطاقة النووية الحكومية الصينية لبناء ثالث محطة للطاقة النووية في تركيا.

إلى جانب البنية التحتية، ينطوي التعاون الصيني التركي على تعميق العلاقات العسكرية والأمنية الثنائية، بما يشمل مجالي الاستخبارات والحرب السيبرانية.

ويُعد صاروخ "بورا" الباليستي التركي، المشابه للصاروخ الصيني "بي-611"، والذي انتهى تطويره عام 2017 وبدأ استخدامه في العملية العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني في أيار/ مايو 2019، نتاج تعاون دفاعي ثنائي بين البلدين، ومشاركة ضباط عسكريين صينيين في مناورات "إفيس" العسكرية التركية في 2018.

ولا تعاني شركة "هواوي الصينية"، والتي تصنّفها الولايات المتحدة وأماكن أخرى تحت خانة التهديد للأمن القومي بسبب علاقاتها بالحكومة والجيش الصينيين، من مثل هذه المعارضة في تركيا. ونمت حصتها في السوق التركية من 3% فقط في 2017 إلى 30% في 2019. والمزاعم حول استخدام الصين للبنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية في مراقبة المواطنين وقمعهم، تُثير قلقًا خاصا في تركيا، حيث يعتمد السكان على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات، بسبب الرقابة الصارمة المفروضة على المنافذ الإعلامية الأخرى.

(أ ب)

كما واستحوذت شركة تكنولوجيا صينية أخرى "زي تي آي" في 2016، على أكثر من 48% من "نيتاس"، وهي الشركة المصنعة الرئيسية لمعدات الاتصالات في تركيا. وتدير "نيتاس" مشاريع حيوية تشمل الاتصالات السلكية واللاسلكية في مطار إسطنبول الجديد ورقمنة البيانات الصحية الوطنية.

حتى الآن، يبدو أن تعزيز العلاقات الصينية التركية يفيد كلا الجانبين، إذ وجدت الصين موطئ قدم استراتيجي للغاية في تركيا، دولة عضو في الناتو تتمتع بسوق عملاق للطاقة والبُنى التحتية وتكنولوجيا الدفاع والاتصالات السلكية واللاسلكية، وتقع على مفترق طرق أوروبا وآسيا وأفريقيا. أما بالنسبة لتركيا وإردوغان، فتوفر الصين الموارد التي تشتد الحاجة إليها لتمويل المشاريع العملاقة رفيعة المستوى والحفاظ على قشرة التنمية على الرغم من الواقع الاقتصادي المعوق تحتها.

وبذات المقدار من الأهمية، تساعد الأموال الصينية إردوغان على تجنب طلب المساعدة من المؤسسات التي يهيمن عليها الغرب مثل صندوق النقد الدولي، الأمر الذي سيتطلب منه الالتزام بالإصلاحات والتدابير الأخرى التي يمكن أن تقوض سيطرته غير المقيدة على اقتصاد البلاد.