أحقًا هذه أهم انتخابات أميركية؟

أحقًا هذه أهم انتخابات أميركية؟
ترامب في أحد تجمعاته الانتخابية (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتب، بن هيلير، مؤلف كتابي "خسارة سانثيا: الحياة والفُقدان في إيلام التاميلية" و"فن التمرّد: برقيّات من هونغ كونغ".


برامج لمراقبة كل مواطن (أميركي) بلا أذون قضائية. وشبكة عالمية من مقرّات التعذيب الخارجة عن نطاق القانون المحلي. وحملات مداهمة جماعية ضد رجال عرب، ومسلمين، وجنوب آسيويين. واحتجاز مهاجرين إلى أجل غير مسمى. وحصول قوى إنفاذ القانون على ضوء أخضر لتفتيش المنازل دون علم أصحابها. وإجازة استخدام الجيش في حالة الاضطرابات الداخلية أثناء تفشي وباء. وتشييد حاجز حدودي جنوبي البلاد لمنع اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين من دخولها. وتخويل مسؤول تنفيذي بتصنيف أي شخص عدو للدولة والأمر باغتياله. والتخلي عن معاهدة دولية للحد من انبعاثات الكربون وتقليل خطر الاحتباس الحراري. وإنشاء جيوش مرتزقة وإطلاق العنان للتعصب الديني. وتزوير انتخابي أدى إلى سرقة انتخابات رئاسية.

ولا أتحدث في كل ما ذكر أعلاه عن رئاسة دونالد ترامب "غير المسبوقة"، فهذا كان شكل الحياة تحت رئاسة الجمهوري جورج بوش الابن، والذي ترك منصبه منذ 12 عاما فقط. ولنضف إلى القائمة أعلاه تصريحه الشهير أمام العالم: "إما أن تكون معنا أو مع الإرهابيين"، وما تلاه من إبادة للعراق وقتل مئات آلاف البشر. "أنت فاشي"، هذا ما قاله أحد مقدمي البرامج على قناة "إم إس إن بي سي"، كيث أولبرمان، للرئيس بوش في شباط/ فبراير 2008، مضيفًا: "أخبرهم أن يطبعوا لك قميصًا عليه كلمة فاشي. فما كل ما تفعله سوى الفاشية؟" ولم تكن كلمات أولبرمان لحظة خارجة عن المألوف، فقد كانت الفاشية الأميركية، أي فرضها الوشيك أو الفعلي، نقطة نقاش محورية في عهد بوش.

وفي عام 2004 على وجه الخصوص، وجه الديموقراطيون وحتى أولئك الأكثر يسارية منهم، انتقادات حادة لكلّ من ينتخب بوش، وأقاموا حملة من أجل "(التصويت) لأي شخص باستثناء بوش" في الانتخابات الرئاسية. وأما أولئك الذين حثوا على التصويت لصالح المرشح الرئاسي، رالف نادر، اليساري المناهض للحرب، وُصموا بكونهم "مفسدين"، بل و"مساعدين للفاشية". ووصفت عضو كتلة النواب السود في الكونغرس شيلا جاكسون لي، الانتخابات بأنها "مسألة حياة أو موت" للسود، داعية الجميع للوقوف خلف المرشح الديمقراطي ابن المؤسسة الحاكمة، جون كيري، لمنع "نهاية عالم" وشيكة.

جورج بوش الابن (أ ب)

وبالفعل، كان حكم بوش كارثيًا للطبقة العاملة في الولايات المتحدة ولعشرات الملايين الذين دُمرت حيواتهم ودولهم بسبب العدوان الأميركي عليها. ولكن بمجرد أن تلاشت حدة المعركة على المنصب الرئاسي، تحوّل الأشخاص الذين زعموا أنهم يعارضوه بشدة، أي الديموقراطيون، لأقرب أصدقائه. إذ جرت إعادة تأهيل شاملة لصورة بوش من قبل ليبرالية المؤسسة (الحزب الديمقراطي)، ليظهر في برنامج "إيلين دي جينيريس" الشهير للحديث عن حبه لرسم صور للجنود المشوهين الذين أرسلهم لقتل العراقيين، ويرقص ويغني مع ميشيل أوباما، ولتوجه هيلاري كلينتون، كلمة له قائلة إنها "مدينة للأبد" لمجرم الحرب هذا.

لذا، عندما يُخبركم أحد عن الأهمية غير المسبوقة للانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، والتي يتنافس بها ترامب مع المرشح الديمقراطي جو بايدن، تذكروا أننا عشنا المشهد ذاته من قبل. بل أنّه في كلّ مرة بعد مرور ثلاث جولات انتخابية أو أربع، توصف الجولة التي تليها بأنها خيار مصيري بين الفاشية الجمهورية الكارثية والليبرالية الديمقراطية التي لا تتساوى بسوئها مع الأولى.

على سبيل المثال، اتُهم ريتشارد نيكسون، الذي انتخب لأول مرة في عام 1968، على نطاق واسع، بكونه فاشيًا. وفي مقال صدر عام 1973 بعنوان "ووترغيت: سوء تقدير في مسيرة نيكسون نحو الفاشية"، ونُشر في صحيفة طلابية بجامعة هارفارد، اقتُبس عن عالم اللغات والمعارض السياسي نوعام تشومسكي، في تعليقه على تسريبات ووترغيت، قوله: "إنها (التسريبات) تشير مرة أخرى إلى مدى هشاشة الحواجز أمام شكل من أشكال الفاشية في النظام الرأسمالي للدولة وسط الأزمات. وعن ذلك أشار كاتب المقال بيتر إم شين، والذي أصبح اليوم أستاذًا في القانون، أن "تعليقات تشومسكي على ووترجيت هي من بين أكثر التعليقات المكتوبة ثاقبة النظر حتى الآن. لكنه يقلل مما يمكن أن تعلمنا إياه (فضيحة) ووترغيت عن نيكسون، أو عن الكتاب الليبراليين في هذا الصدد. يُظهر الفحص الدقيق لووترجيت أن الفاشية لا تكمن في استجابة نيكسون للأزمة فقط؛ فمن الواضح أن الفاشية هي المرحلة التالية من رأسمالية الدولة الأميركية".

وأما الرئيس الجمهوري الذي تلاه، رونالد ريغان، فقد وُصف بتوصيفات مشابهة؛ فقد كتب زكاري كارابيل في "واشنطن بوست" قبل أربعة أعوام: "تحدث أحد ناشطي كورنيل ومؤيدي الديمقراطي جيمي كارتر نيابة عن الملايين عندما قال في الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر 1980، إن 'انتخاب رونالد ريغان بمثابة كارثة ستحل على البلاد لأنه فاشي. إنه شخص خطير'". مضيفًا: "يمكنني أن أتذكر بوضوح مدرس التاريخ في مدرستي الثانوية وهو يسير في حالة ذهول في الممرات مقتنعًا بأن نهاية الجمهورية كانت قاب قوسين أو أدنى، وهي عبارة تمتم بها طوال الأيام المقبلة بجدية بالغة".

ومع كل ذلك، غالبا ما ازدهرت سياسات الرؤساء الجمهوريين السيئة حتى بعد خروجهم من منصبهم، بل وتفاقم ضررها تحت حكم الرؤساء الديمقراطيين الذين عقبوهم. ففي عهد بيل كلينتون، تحولت سياسات ريغان الاقتصادية وحربه على المخدرات، للسيطرة المالية الخانقة، وتسريع الحبس الجماعي للسود؛ وأصبحت الضربات الجوية "الوقائية" التي اتبعتها إدارة جورج بوش، جرائم قتل بالطائرات المسيرة (بدون طيار)، وحرب دائمة في عهد باراك أوباما. أي أن هذه السياسات فاشية فقط عندما لا تطبقها المؤسسة الليبرالية (حكم الديمقراطيين).

رونالد ريغان (الأرشيف القومي الأميركي)

لكن انتخابات هذا العام تبدو مختلفة لسببين. الأول هو أن شريحة واحدة على الأقل من المؤسسة السيادية الأميركية، المكونة من رجال السياسة الخارجية والدبلوماسيين وأفراد الأمن القومي، تعبّر بصراحة تامة عما يمثّله ترامب من خطر حقيقي. وأعلنت مجلة "فورين بوليسي" في عنوان عريض نمطي مؤخرا، أن هذه الانتخابات "الأهم على الإطلاق، لماذا قد يعتمد مصير الجمهورية الأميركية، والعالم، على ما سيحدث في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر (الانتخابات)؟". ولا شكّ أن هناك اختلافات واضحة بين ترامب وبايدن، لكن يجب على اليساريين أن يبقوا أنفسهم بمعزل عن جدالات الطبقة الحاكمة حول أفضل السبل للحفاظ على الهيمنة الإمبريالية الأميركية أو توسيعها. فدور التقدمي يكمن بمعارضة الإمبريالية، وليس وضع استراتيجيات لها.

والسبب الثاني الذي يجعل هذه الانتخابات مختلفة ظاهريًا، هو هذا الدعم الهائل الذي يتمتع به اليمين المتطرف في عهد ترامب. إذ يقول مركز "قانون الحاجة الجنوبي" إن المشهد السياسي في عهد هذا الرئيس يشهد "تصاعد أعداد جماعات الكراهية. صعود الشعبوية اليمينية ومعاداة السامية. تصاعد أعمال الإرهاب الداخلي الفتاك. زيادة جرائم الكراهية. وتفجير عنف الشارع".

وما من عاقل لا يخشى هذه الظاهرة، أو يقف غير مبال بنمو المنظمات الفاشية. ومع ذلك، لا بدّ من توخي الحذر عند التعامل مع ادعاءات الكُهّان الذين يزعمون أن اليمين المتطرف سيتمتع بأرضية أكثر خصوبة للتطور في ظل ولاية ثانية لترامب، وأن أكثر أرضية خصبة ملائمة لليسار والحركة العمالية ستكون تحت رئاسة محتملة لبايدن. الحقيقة هي أن أحدا لا يعرف شكل التضاريس السياسية المستقبلية.

نما عدد مجموعات الكراهية في الولايات المتحدة باطراد على مدار العشرين عامًا الماضية، ووصل إلى مستويات قياسية في عهد أوباما عام 2011، ليشهد انخفاضا لمدّى ثلاثة أعوام، ومن ثم عاود الارتفاع مرة أخرى اعتبارًا من عام 2015. وبالطبع لم يشجّع أوباما هذه الحركات مثل ترامب، ولكن تطورها جاء كرد فعل مضاد لوجود أول رئيس أسود وتحت وطأة كساد اقتصادي. لكن نمط نشوء هذه الحراكات يشير إلى أن اليمين المتطرف يمكن أن ينمو في مختلف الظروف. وببساطة لا يمكن استبعاد أن يتكاثر الفاشيون بسرعة أكبر في ظل رئاسة محتملة لبايدن، أي لنخبة وول ستريت، مقارنة بولاية ثانية لترامب.

الرئيس الأميركي السابق أوباما ونائبه والمرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن (أرشيف)

أذكر أنني تحدثت مرّة مع أحد الاشتراكيين الأميركيين بعد انتخاب أوباما في عام 2008، ليخبرني أنه وفقًا لما يراه، فإن السيناريو المأمول كان أن تتسبب رئاسة أوباما برفع التوقعات بين شريحة واسعة من السكان، وخاصة السود، وأن يرى المجتمع الأميركي ربما، نمطًا شبه راديكالي مع تحطم الآمال في حدوث تحول تقدّمي في السياسة والمجتمع الأميركي بسبب الواقع القاسي الذي فرضته إدارة الديمقراطيين، أي أن يتوازى حكم أوباما مع الوضع الذي نشأ بعد انتخاب ليندون جونسون عام 1964. وللأسف، رغم ظهور بعض النضالات الملحوظة خلال رئاسة أوباما، إلا أنّها كانت بالمجمل عبارة عن ثمانية أعوام من الضيق وخيبات الأمل.

على النقيض من ذلك، نما اليسار الأميركي بشكل كبير في ظل رئاسة بوش. وبقدر فظاعة الأوضاع التي سادت تحت حكم الجمهوريين، إلا أن الآلاف تدربوا على النشاط الشعبي. وأصبح الكثيرون يفهمون المنطق الحقير للإمبريالية. لكن سرعان ما دُفنت هذه الإنجازات المعزية الصغيرة في خضم كل الموت المأساوي والدمار والمعاناة التي انتشرت في عهد بوش، في مهزلة سياسية: فعندما تولى أوباما منصبه، أصبح الناس في جميع أنحاء العالم يحبون الإمبريالية الأميركية مرة أخرى. ومن الواضح أن هذا التحول كان مرتبطًا بشكل أو بآخر بتفضيل خريج جامعة هارفارد الأسود لقيادة المجمع الصناعي العسكري القاتل، على أن يقوده أبيض غبي من تكساس. وربما كان فوزه بجائزة نوبل للسلام حدثا أكثر بغضا حتى من تصريح بوش الشهير "إما أن نكون أصدقاء أو أعداء" (المذكور أعلاه)، فعلى الأقل، لم يختلف اثنان على فداحة الإمبريالية الأميركية، ولم يكن هناك موكب طويل من البلهاء التقدميين الذين يدافعون عما لا يمكن الدفاع عنه.

مع ترامب، يبدو أن كل هذا الحديث عن الفاشية الوشيكة قد أعمى الكثير من الناس عن حقيقة أنه في ظل هذا الرئيس الذي يفرض استقطابا في الساحة الأميركية، نما اليسار الاشتراكي، وشهدت الولايات المتحدة إضرابات عمالية مثيرة للإعجاب (خاصة المعلمين في الولايات الحمراء)، واندلعت واحدة من أعظم الاحتجاجات المتعددة عرقيًا في تاريخ الولايات المتحدة. إن الإشارة إلى هذا لا يعني على الإطلاق أن ترامب كان جيدًا، ولا تفضيلي لولاية أخرى لترامب. بل هو مجرّد ادعاء بأنه لا ينبغي أن ننتشي على تهيئات بأن الرئاسة الأميركية تمثّل محددًا أساسيًا لكل ما هو ممكن في السياسة.

دونالد ترامب (أ ب)

ويجب على المحللين الصادقين أن يعترفوا أنه بغض النظر عمن سيُنتخب في نهاية المطاف، فهم لا يملكون أدنى معرفة عمّا سيتحقق العام القادم، ناهيك عن الأعوام الأربعة المقبلة. مع ذلك، يبقى الواضح في الوقت الحالي، أنه لا يوجد مؤشر على أن الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة تستعد لفرض دكتاتورية فاشية، أي الإبادة الفعلية لليسار والنضال الراديكالي الأسود. وحتى لو بلغت مستويات العنف في الولايات المتحدة حدًا لا يُحتمل، فليس هناك أيضًا ما يشير إلى أنها ستتراجع بشكل كبير نتيجة وصول جو بايدن للرئاسة.

ولن تكون القضايا المهمّة حقًا، كالصراع الطبقي، وتنظيم مقاومة التقشف، وفقدان الوظائف المستمر، والعنصرية، ونمو النشاط السياسي/الاجتماعي، والوضوح الأيديولوجي، وبناء اليسار الاشتراكي، دالّة خطيّة لنتيجة الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. لكن هذه الملفات بالتحديد، هي التي يملك اليسار على الأقل بعض السيطرة عليها، وبالتالي عليه أن يركّز عليها. وغالبًا ما يُستشهد بمقولات المؤرخ الأميركي الراديكالي هوارد زين، ولكن المرء يشعر أن كلماته تُنسى كثيرًا: "ما يهم ليس من يجلس في البيت الأبيض، ولكن بمن يعتصم، ومن يتظاهر خارج البيت الأبيض، ضاغطا من أجل التغيير". وإذا كان التغيير الحقيقي سيأتي إلى الولايات ا لمتحدة، فسيكون ذلك فقط لأن الملايين من الناس توصلوا إلى نفس الاستنتاجات، وبدأوا يأخذون زمام الأمور بأيديهم بدل الخضوع المواعظ الليبرالية للتصويت.

إذن ماذا عن السؤال الذي طرحناه أعلاه؟ حتى لو لم تكن هذه الانتخابات أهم ما ينتظرنا، أتكون مع ذلك الأهم من بين جميع الجولات الانتخابية؟ بالنسبة للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة، فإن الأمر يبدو كذلك بالفعل. أما لليسار، فقد يتضح أن هذه الانتخابات هي الأهم لم يمكن أن يترتب على نتائجها لجيل واحد على الأقل، ولكن ربما ليس للأسباب التي تُطرح في الولايات المتحدة، بل لأنه إذا ما اصطف الكثيرون من اليسار الاشتراكي، مباشرة بعد الانتفاضة الضخمة لحركة "حياة السود مهمة"، خلف مرشح دولة الأمن القومي ووول ستريت (جو بايدن)، فإننا سنقول نحن في سائر العالم إن هذه كانت واحدة من أكثر الانتخابات كارثية في تاريخ الولايات المتحدة علينا.