لماذا تنجح القومية في الصين بينما تفشل في الغرب؟

لماذا تنجح القومية في الصين بينما تفشل في الغرب؟
توضيحية (pixabay)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقال الكاتب مات جونسون، وهو محرر عمل في العديد من الصحف والمجلات الغربية.


الشهر الماضي، ألقى الرئيس الصيني، شي جين بينغ، خطابًا ناريًا ذو نزعة قومية في الذكرى السبعين لتدخل الصين في الحرب الكورية. وبعد قوله إن اكتسبت "السلام والاحترام من خلال النصر"، أوضح شي، أن بكين لا شيئ يخيفها من "أي دولة وأي جيش، أيا كانت قوّتها". وبكلمات أخرى، بكين لا تهاب الولايات المتحدة.

الشعور القوميّ مركّب مركزي في شرعية الدّولة الصينية، وأصبح ذلك صحيحًا بشكل خاص بعد تولّي شي رئاسة البلاد. وتتمحور الأجزاء الرئيسية من فكر شي جين بينغ، والتي كُرّست في مقدّمة الدستور الصيني، حول الإصرار على القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الصينية.

ومن مبادرة "الحزام والطريق" وحتى تضخيم وتحديث القوات المسلحة الصينية، باتت بكين تمارس بكين نفوذها وسلطتها على نطاق أوسع من أي وقت مضى. ويُعد إحياء القومية الصينية وتعزيزها، أقوى محرّكات هذه النهضة.

أصبحت عودة ظهور النزعة القومية في جميع أنحاء العالم، إحدى التطورات الدّولية الأكثر مراقبة خلال العقد الماضي، فقد تجلّت في انتخاب دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة عام 2016، واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) في نفس العام، وحتى نجاح الأحزاب القومية في جميع أنحاء أوروبا وفي دول أخرى كالبرازيل.

ومع ذلك، يبدو أن هذا التيار القومي بدأ يخسر كثيرًا من مكاسبه، إذ هزم نائب الرئيس السابق جو بايدن، ترامب في الانتخابات الأميركية مؤخرًا، وتزداد أعداد البريطانيين الذين يريدون البقاء في الاتحاد الأوروبي لو أُجري الاستفتاء اليوم (56.8% من المستطلعة آرائهم سيصوتون لصالح البقاء في الاتحاد، مقابل 34.9% ممن سيصوتون للمغادرة)؛ وتراجع الدعم الشعبي للأحزاب القومية في كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى.

(أ ب)

برغم مركزية القومية في صعود الصين، إلا أنها لم تترسخ في الديمقراطيات الغربية كما كان يخشى الكثيرون قبل أعوام قليلة. لماذا تتمكن الصين من استخدام القومية كقوة سياسية تعبوية بشكل لا تستطيع فعله الديمقراطيات الغربية؟

أولًا، لا بدّ من الإشارة إلى أن الصين هي دولة استبدادية ذات حزب واحد، مما يتيح لها أن تعزّز مركزية قومية متماسكة مع قمع الآراء المعارضة لهويتها الوطنية وغاياتها. ناهيك عن أن الصين شيّدت أضخم بنية تحتية للرقابة في التاريخ البشري، وأكثرها نجاعة، إذ تحجب السلطات مجموعة واسعة من منصات التواصل الاجتماعي، ومواقع الوسائط الإعلامية الدّولية، كما وتتبع سلوكيات المواطنين بصرامة شديدة، وتتحكم بإحكام بنشر المحتوى الرقمي.

أما المستبدين المحتملين في الديمقراطيات الليبرالية (مثل ترامب)، فهم لا يملكون مثل هذه الرفاهيات، مما يعني أنه ليس بإمكانهم بث/تعميم الدعاية القومية بالشّكل الفعال ولا الموّحد الذي تستطيعه بكين. إذ يوجد في الولايات المتحدة مجتمع مدني متين ويتمتع المواطنون بوصول غير مقيد للمعلومات، وهذا يسمح بانتشار أفكار متنافسة عديدة حول القومية الأميركية وتاريخ البلاد، ودور الحكومة وما إلى ذلك.

وعندما تعهد ترامب بأنه سيضع "أميركا أولًا"، فقد كان يتحدث عن نسخة واحدة من بين نسخ كثيرة لأميركا. ورغم أن هناك أكثر من صين واحدة، فإن بكين في وضعية سلطة أقوى بكثير تمنحها القدرة على تكوين التصّور بأن الصين هي وحدة متجانسة.

أنصار ترامب يحتشدون في محيط البيت الأبيض (أ ب)

ثانيًا، بعكس الحركات والأحزاب القومية الغربية، فإن القومية الصينية لا تتطلع إلى الداخل. إذ تدرك بكين أن نفوذ الصين الدولي يعتمد على اندماجها الأكبر بالاقتصاد العالمي، وليس بالابتعاد عنه.

لذلك، مع تراجع الولايات المتحدة وبريطانيا، وانسحاب الأولى من اتفاقيات تجارية ضخمة وخروج الثانية من الاتحاد الأوروبي، استمرت مبادرة "الحزام والطريق" الصينية على قدم وساق.

لهذا السبب، تقع على الرئيس الأميركي المنتخب بايدن، أن يعكس تيار "أميركا أولًا" التراجعي، والذي فشل فشلًا ذريعًا في إعادة وظائف التصنيع أو تقليل العجز التجاري مع الصين (الذي نما بشكل كبير خلال فترة حكم ترامب)، وأن يعيد التزام بلاده بالتحالفات مع أوروبا ودول شرق آسيا.

ومع الجهد الذي تبذله الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الأخرى في مواجهة صعود الصين، سيتعين عليها إعادة إحياء المبادئ التي ركزت على إنشاء النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كانت عبارة عن صراع أثبت شكل العواقب المدمرة لجموح النزعة القومية.

ورغم معاداة التجارة الحرة والمؤسسات الدولية التي عززت قوة القوميين الشعبويين على جانبي المحيط الأطلسي، يكتشف الأوروبيون والأميركيون بسرعة أن هذه الإجراءات المضادة الأكثر فاعلية ضد الصين متزايدة النزعة القومية.

(أ ب)

لقد أثبتت الأعوام الأربعة الماضية أن النزعة القومية لا تقدم سوى تفسخ، وبوادر استبداد في الديمقراطيات الليبرالية. ومع ذلك، ذكّرت هذه الفترة أيضًا الدول الغربية بأن جاذبية القومية كونية، ومع أنه من الأسهل ازدهارها في الدول الاستبدادية مثل الصين، إلّا أنها قوة هائلة في كل مكان.

يجب أن يكون هذا بمثابة تحذير للأميركيين والأوروبيين على مستويين. في الصين، ستستمر القومية في الحفاظ على أقوى نظام استبدادي في العالم. وفي الغرب، شكلت القومية تهديدًا خطيرًا للمؤسسات الضرورية لإثبات أن انتصار الصين على الديمقراطية الليبرالية ليس حتميًا.