كيف حافظت الولايات المتحدة على اقتصادها رغم سوء إدارتها لأزمة كورونا؟

كيف حافظت الولايات المتحدة على اقتصادها رغم سوء إدارتها لأزمة كورونا؟
فحص للكشف عن الفيروس في مطار لوس أنجلوس الدولي (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصة بـ"عرب 48"، لمقالِ الكاتبة التي تعمل ضمن طاقم مجلة "ذي أتلانتيك" في تغطية الشؤون الاقتصادية، آني لوري.


إليكم هذه المعلومة المدهشة وغير المسبوقة؛ حققت الولايات المتحدة أداء اقتصاديًا أفضل بكثير من نظرائها خلال هذا العام المفزع. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الأميركي بـ4.4% في عام 2020، مقارنة مع انكماش بنسبة 5.3% في اليابان، و6% في ألمانيا، و7.1 في كندا، ونحو 10% في كلّ من فرنسا وبريطانيا.

وليس ذلك لأن الولايات المتحدة أدارت أزمة الصحة العامة بشكل أفضل من نظيراتها مما يسمح لها بوقف عمليات الإغلاق أبكر من غيرها وإعادة الاستهلاك إلى صخبه مرّة أخرى. وفي الواقع، حققت العديد من تلك الدول النظيرة نتائج أفضل بفوارق كبيرة إذا ما قيس ذلك وفقًا لعدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، والاستشفاء، ومعدّلات الوفيّات. كما أن أداء الاقتصاد الأميركي لم ينتج عن حفاظه على الوظائف، إذ يفوق معدّل البطالة هنا، نظراءَه في اليابان وألمانيا وبريطانيا، بكثير.

تدين الولايات المتحدة بحسن حظّ اقتصادها الكلّي للحزمة الاقتصادية الهائلة والناجحة التي دفعت بها واشنطن في الربيع الماضي، وهو نصر سياسي يبذل الكونغرس وإدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، قصارى جهدهما بُغيةَ أن ينتزعاه من فكَّي الهزيمة الانتخابية.

ودخلت الولايات المتحدة الركود الناجم عن فيروس كورونا متمتعة ببعض المزايا الهيكلية، والتي تشمل كون اقتصادها شديد التنوع، إذ عادة ما تتعثر البلدان التي تعتمد على صناعة واحدة أُلحقت بها أضرار جسيمة، أو مجال واحد، أي كما يحصل مع إسبانيا والسياحة على سبيل المثال، وذلك بغض النظر عن استجابتها الصحية أو الماكرو-اقتصادية.

كما أن الولايات المتحدة قد حالفها الحظ بأنها لم تضطر إلى الاعتماد على الصادرات لتحقيق النمو. وتُظهر بيانات البنك الدولي أن مبيعاتها في الخارج تمثّل 12% من إجمالي الناتج المحلي، مقارنة بـ18% في اليابان، و32% في كندا، و47% في ألمانيا. هذا يعني أن الانهيار الحاصل في التجارة العالمية كنتيجة لانتشار الجائحة، قد أضرّ بدول أخرى بدرجة أكبر بكثير من الولايات المتحدة.

تأثرت المحلات التجارية بسبب الفيروس (أ ب)

وتتمثل الميزة الهيكلية الأخرى التي تحظى بها الولايات المتحدة، في كونها المسؤولة عن طباعة العملة الاحتياطية للعالم (الدولار)، ما يعني أنها تميل إلى امتصاص تدفقات رأس المال العالمية عندما يكون انعدام اليقين مرتفعًا، كما هو الحال عند انتشار جائحة، وفقًا لما أخبرني إياه مارك زاندي من شركة الخدمات المالية "مووديز أناليتيكس". وهذا من شأنه أن يرفع قيمة الأصول الأميركية ويخفّض تكاليف الاقتراض.

كما أشار زاندي أيضًا، إلى أن سوق العمل في الولايات المتحدة أكثر مرونة من نظيراتها في البلدان الأخرى، إذ يدّعي أنّ "الأميركيين أكثر استعدادًا لتبني تقنيات جديدة، والانتقال إلى وظيفة، والقيام بتغييرات كبيرة في طريقة عيشهم وعملهم"، وهذا بدوره يسهّل عليهم تحمّل الصدمات الكبيرة والغريبة عنهم.

وفي ما يتعلق بمكافحة التداعيات الاقتصادية للوباء، لم تكن الولايات المتحدة الأفضل من حيث الشكل فحسب، بل بأدائها أيضًا. إذ طبّقت سياسة نقدية من الطراز الرفيع، ففي ربيع هذا العام، ساهم الاحتياطي الفيدرالي، وهو المؤسسة التكنوقراطية الأقوى في البلاد، بتهدئة الأسواق المالية عبر مجموعة من البرامج الخاصة التقليدية مع خفض أسعار الفائدة إلى الصفر، وإغراق الأسواق بالنقود.

ومع ذلك، وبشكل غير متوقع، تميزت واشنطن بالسياسة المالية، على الأقل في وقت سابق من العام الجاري. وتملك الولايات المتحدة عددًا أقل من شبكات الأمان المتاحة للناس مقارنة مع العديد من الاقتصادات المتقدمة الأخرى، كما أن شبكاتها أشدّ تعقيدا، وأكثر مشروطيّة. وبتعبيرات اقتصادية، فإنّ "المثبتات التلقائية" الأميركيّة، أقل سخاء. ولكن عندما ضرب كوفيد-19 البلاد، تفاوض الديمقراطيون في الكونغرس على سلسلة من عوامل الاستقرار المؤقتة الهائلة والفعّالة للغاية، مع نظرائهم الجمهوريين الذين كانوا مستعدين لتحقيق تقدم كبير، ومن بينهم وزير الخزانة، ستيفن منوشين. وفي "قانون كيرز" ذو حزمة المحفزات البالغة 2.2 تريليون دولار، قدم الكونغرس قروضًا قابلة للإعفاء بشروط، للشركات الصغيرة، وأرسل شيكات بقيمة 1200 دولار إلى معظم الأميركيين، وأضاف عمال الوظائف المؤقتة إلى نظام التأمين ضد البطالة، ودفع 600 دولار أميركي كزيادة أسبوعية على شيكات البطالة.

في مطار لوس أنجلوس الدولي (أ ب)

وعن ذلك قال الخبير الاقتصادي في شركة التنبؤات الدولية "أكسفورد إيكونوميكس"، جريجوري داكو: "لم نشهد مطلقًا مثل هذا القدر الهائل من التحفيز السريع من قبل الكونغرس. قارني ذلك مع ما حدث في الأزمة المالية العالمية (التي عجّلت الركود العظيم في 2007)، استغرق الحصول على حزم تحفيز بنصف الحجم، ثلاثة أضعاف الوقت" الذي تطلّبه الموافقة على حزمة هذا العام.

وفي الواقع، قدمت الولايات المتحدة دعمًا ماليًا يعادل نحو 12% من ناتجها المحلي الإجمالي وفقًا لبيانات "موديز أناليتيكس"، بأكثر من ثلث مما قدّمته ألمانيا وضعفي ما قدّمته بريطانيا. وباستثناء أستراليا، لم تفعل أي دولة كبيرة وغنية المزيد لدعم اقتصادها في فترة كوفيد-19.

وأتى الاستثمار ثماره، فقد زادت الولايات المتحدة من مدخول ملايين الأسر ذات الدخل المنخفض خلال فصلَي الربيع والصيف، وزادت الأموال في جيوب الأميركيين بشكل عام. كان هذا يعني أنه في حين أن الاقتصاد شهد انكماشًا حادًا وبائسًا مع إغلاق الشركات وتوقف التجارة وسيطرة الخوف، فقد عاد وانتعش بشكل أفضل من العديد من أقرانه. ومن حيث الإنتاجية، فإن أداء كل من بريطانيا وألمانيا وكندا وفرنسا أسوأ، وفي بعض الحالات أسوأ بكثير.

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة ليست النجم الذي يقود العالم للخروج من الموت والدمار، والهلاك في 2020، فقد كان أداء بعض الدول النظيرة أفضل من حيث الاقتصاد الكلي، كتلك التي لم تفشل في استجاباتها للصحة العامة وتمكنت في الوقت ذاته، من إضافة مبالغ معتبرة لتحفيز الاقتصاد حسب الضرورة، فقد قامت كل من أستراليا وكوريا الجنوبية وتايوان، بإنقاذ الأرواح والوظائف والإنتاج معًا.

علاوة على ذلك، عززت واشنطن الإنتاج دون دعم التوظيف، وساعد برنامج منح الشيكات للعائلات، والذي أنشئ بموجب "قانون كيرز" العديد من الشركات الصغيرة على إبقاء الموظفين في عملهم في الفترة الأولى من انتشار الوباء، لكن العديد من الشركات الصغيرة تصارع للبقاء اليوم، فقد دُمّر قطاع السياحة والضيافة؛ كما تسرح حكومات الولايات والحكومات المحلية موظفيها، بينما اختارت ولايات أخرى دعم التوظيف بشكل مباشر، ودفع رواتب الشركات لإبقاء العمال في وظائفهم، وإن كان ذلك غالبًا بأجور أدنى.

كما لا يبيّن رقم الناتج المحلي الإجمالي الأميركي القوي، عدم المساواة الوحشيّ في الركود، فقد تحمّل العمال الشباب والعمال ذوو الأجور المنخفضة أقسى الضربات، ما أنتج وضعية يضطر فيها الأشخاص الأقل قدرة على تحمل الآلام المالية إلى تحمّل غالبية أعبائها، وبخاصة منذ انتهاء المكافأة الفيدرالية الأولية للتأمين ضد البطالة.

إدارة ترامب تبذل جهدا بُغيةَ انتزاع نصر سياسي من فكَّي الهزيمة الانتخابية (أ ب)

وأضرت القرارات التي اتخذتها ولايات عديدة بعدم فتح مدارس عامة للتعليم الشخصي، الأهالي، وبخاصة النساء، واللواتي انسحبت من بينهم مئات الآلاف من القوى العاملة للإشراف على تعليم أطفالهم عبر الإنترنت، ولقد أخبرتني الخبيرة الاقتصادية في كلية جون جاي للعدالة الجنائية بجامعة مدينة نيويورك، ميشيل هولدر، أن "الأمهات العاملات والأمهات العازبات يمرون بأوقات بائسة في هذا التعافي". كما أشارت إلى أن الركود قد ضاعف من التفاوتات العرقية العميقة، حيث فقد جزء كبير من العمال السود واللاتينيين وظائفهم وخرج الكثير منهم من قوة العمل كليًا.

قد لا يستمر نجاح الناتج المحلي الإجمالي النسبي للولايات المتحدة لفترة طويلة، فبالإضافة إلى بُطء الانتعاش الاقتصادي، قد تواجه البلاد انقلابًا محتملًا في الاقتصاد، إذ تنتهي عمليات وقف الإخلاء، وتأجيل سداد قروض الطلاب في 31 كانون الأول/ ديسمبر المقبل، ودخل الاحتياطي الفيدرالي في نزاع عام مع وزارة الخزانة، والتي تحاول إنهاء واستعادة التمويل لبعض برامج الدعم الخاصة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، كما بدأت تتلاشى الفوائد المالية حزمة الـ1200 دولار لكل أسرة، والـ600 دولار الإضافية في شيكات البطالة.

ويشهد استخدام بطاقات الائتمان وبطاقات الخصم انخفاضًا متعمقًا، كما انخفضت حجوزات المطاعم. وتنخفض مقاييس حركة المستهلك، أي الاستطلاعات عن الأميال التي يقطعها المستهلكون ورحلاتهم، وتتزايد عمليات تسريح العمال، ولا تنخفض مطالبات التأمين ضد البطالة عن المليون أسبوعيًا.

كل هذا بينما يزداد الوضع خطورة بسبب تفشي الجائحة. وأخبرني داكو: "نحن في مرحلة أسية مخيفة من الفيروس". وهذا يعني ارتفاع عدد حالات الاستشفاء، والمزيد من الوفيات، والمزيد من القيود على النشاط، والمزيد من الخوف، وبالتالي انخفاض الإنفاق الاستهلاكي، واستثمار أقل في الأعمال التجارية، وتباطؤ النشاط الاقتصادي. والآن، يبدو أن أي مزايا تمتعت بها الولايات المتحدة سابقًا، قد بدأت بالتلاشي.

نقطة للفحوصات في أميركا (أ ب)

وتقول كبيرة الاقتصاديين في شركة "جرانت ثورنتون" للمحاسبة والاستشارات، ديان سونك: "إننا نتطلع إلى ركود مزدوج وتندب عميق" إذا لم يفعل الكونغرس شيئًا.

ولا تزال الولايات المتحدة تتفوّق في الانتعاش العالمي، على الأقل من حيث الناتج المحلي الإجمالي، لكن يبدو أن الكونغرس غير مهتم بتكرار نجاحه في الربيع. ويتفاوض الجمهوريون للحصول على حافز، مع تمسك الديمقراطيين بحافز أكبر قد لا يتحقق أبدًا. وحتى الانتشار الواسع للقاح في عام 2021 لن يعيد القوى العاملة لما كانت عليه.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص