ماذا تعلّمنا من نمذَجة كورونا؟

ماذا تعلّمنا من نمذَجة كورونا؟
نقطة فحص ألمانيّة للكشف عن الفيروس (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48"، لمقالِ آدم كوتشارسكي الأستاذ المشارك في مدرسة لندن للصحة وطب المناطق الحارة ومؤلف كتاب "قواعد العدوى".


لنستذكر سويّة بعض الأمور التي تعلمناها عن فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في عام 2020؛ معلومات مثل "معدل الإماتة"، و"فترة الحضانة"، والمناسبات المحفزة للتفشي المفرط للفيروس، وحقيقة أن انتقاله قد يحدث قبل ظهور عوارضه. ناهيك عن الإيحاءات في منتصف كانون الثاني/ يناير الماضي، بأن تفشي كوفيد-19 في ووهان كانت أكبر بكثير مما أُعلن عنه في بداية الأمر، كما تعلمنا أيضًا كيف أدى إغلاق ووهان في وقت لاحق إلى انخفاض تفشي العدوى؛ ما المشترك بين هذه الرؤى المبكّرة؟ جميعها أخذت دورًا في نمذجة الوباء، لتصبح بعد ذلك جزءًا بارزًا من الاستجابة لكوفيد-19.

النموذج، في جوهره، هو تفكير هيكليّ بديناميكيات الجائحة، يتيح لنا أن نوظّف المعلومات التي نملكها في وضع بعض الافتراضات المعقولة المبنية على هذه المعرفة، لنراقب بعد ذلك الآثار والتبعات المنطقيّة لهذه الافتراضات. ومن ثم نستطيع مقارنة نتائجنا بمجموعات البيانات المتاحة في سبيل فهم المسبّبات المحتملة للأنماط التي نشاهدها. وتستطيع النماذج أن تساعدنا على فهم البيانات المبكرة غير المكتملة واستكشاف نتائجها المحتملة، مثل موجات الأوبئة المستقبليّة التي تنتظرنا، وغيرها.

خلال تفشي أوبئة سابقة، مثل إنفلونزا الخنازير عام 2009 ومرض إيبولا بين العامين 2014 و2015، نادرًا ما أُتيح للجمهور الاطلاع على رؤى النماذج إلّا بعد نشرها في مجلّات علمية. على النقيض من ذلك، واكب الباحثون في ما يخصّ كوفيد-19، منذ تفشّيه، على وضع لوحات آنية للمتابعة ونشرها للناس لكي يتمكنوا من تتبُّع مستويات العدوى والمقارنة بين السيناريوهات المحتملة بأنفسهم، بالإضافة إلى الإتاحة السريعة للتقارير قبل صدورها الرسمي. وفي إطار سعيهم لفهم سلالات فيروس كورونا المستجد بعد اكتشاف تفشيه في بريطانيا وجنوب أفريقيا، شارك الباحثون تحليلات مُنَمْذَجَة فورية لبيانات جينية وأنماط حالات الإصابة، بواسطة منصات مثل "نيكست سترين" ممّا أتاح للجمهور رؤية كيفيّة تفشي هذه السلالات عالميًا.

مسن ألماني يتلقى اللقاح المضاد لكورونا (أ ب)

ورغم هذه التطورات، أظهرت الجائحة ضرورة بذل مجهود إضافي، إذ يجب أن تُجرى الأبحاث عن التفشي بسرعة مثالية، وأن تكون موثوقة ومتاحة للجمهور، لكن ضغوط تحليلات كوفيد-19 الفورية، والتي أجراها أكاديميون كُثر على حساب أوقات فراغهم دون تمويل مخصّص، قد تفرض خيارات صعبة مثل؛ هل يعطي الباحثون الأولوية لحتلنة السيناريوهات للحكومات والوكالات الصحية، أم لكتابة أوراق تفصيلية تصف أساليبهم؟ أم لمساعدة الآخرين على تكييف النماذج للإجابة على أسئلة مختلفة؟ هذه ليست مشاكل جديدة، لكن الجائحة فرضت إلحاحًا جديدًا في معالجتها.

في الولايات المتحدة على سبيل المثال، تُدار قواعد البيانات بشأن كوفيد-19 من قِبل متطوعين. لقد أبرزت الجائحة الجوانب غير الفعّالة ولا المستدامة لنمذجة وتحليل تفشي المرض، وأوضحت الحاجة الماسّة للتغيير.

بالإضافة إلى تغطية دراسات نمذجة محددة، أصبحت بعض المفاهيم الرياضيّة جزءًا من الحوارات اليوميّة بين الناس. سواء بالحديث عن أعداد تكاثر حالات الإصابة بكوفيد-19، أو بُطء وتأخر البيانات، أو كيف يمكن للقاحات أن تحمي أولئك الذين لم يتطعموا من خلال "مناعة القطيع". بدأ الصحافيون بالإمعان بعمق أكبر بالديناميكيات الوبائية. وقبل تفشي الجائحة، لم يخطر ببالي قطّ أن الحال سيُفضي بي إلى الاستجابة لطلبات وسائل إعلامية لمناقشة وسيط إحصائيّ مثل الوسيط "K"، والذي يحدد إمكانية تفشٍّ مُفرط للفيروس.

مع ذلك، لم يخلُ الأمر من تحديّات في التغطية الإعلامية للأسف. إذ أُسيء تفسير بعض نتائج النمذجة على نطاق واسع، وبخاصّة في المراحل المبكّرة من تفشي الجائحة، وتجلّى ذلك مثلًا، في العناوين الرئيسية للصحف في آذار/ مارس الماضي، التي ادّعت أن نصف سكان بريطانيا ربّما كانوا قد أُصيبوا بالفيروس. وخلال الصيف والخريف أيضا، اضطرّت المجموعات البحثيّة أن تتعامل مع منتقدي وسائل الإعلام الذين ضلّلوا الجمهور بادّعاءات انتهاء الجائحة، رافضين التحذيرات بشأن إمكانيّة حدوث موجة ثانية كبيرة.

وبالنظر إلى موجات الوباء الأوروبية حتى الآن، ليس هناك شكّ في أن غياب تدابير السيطرة (كإجراءات الإغلاق) كان سيجعل وطأة كوفيد-19 على أنظمتنا الصحيّة، كارثيّة.

نقل أحد ضحايا الفيروس في ألمانيا (أ ب)

في جميع أنحاء العالم، لطالما غير الناس تصرفاتهم وسلوكهم المعتاد استجابة للأوبئة المختلفة متزايدة الانتشار، ولكن كان من الصعب للغاية التنبؤ بمدى تأثير هذه النقلة غير المسبوقة، وتأثيرها على انتشار الجائحة.

صحيح أن بعض الأمراض المعدية كالإيبولا وسارس دفعت الناس في السابق إلى تغيير سلوكهم، لكن فيروس كوفيد-19 تسبب بإغلاق المجتمع على نطاق لم نشهد حجمه منذ جائحة الإنفلونزا عام 1918.

وبالإضافة إلى نمذجة انتشار الوباء، كان على الباحثين تتبُّع ديناميكيات السّلوك الاجتماعيّ. ومن خلال الاستعانة بالآثار الرقمية الحديثة، تمكّن العلماء من القيام بهذه المهمّة مع تفاصيل أكثر من أي وقت مضى، ممّا وفّر رؤى فريدة حول كيفيّة استجابة الأفراد والمجتمعات لتفشي المرض. وكانت لهذه التغييرات السلوكية، سواء كانت مدفوعة بسياسات حكوميّة صريحة أو وعي محلي بمخاطر العدوى، آثار اجتماعيّة واقتصاديّة وصحيّة معقّدة. لا شك في أن فكّ رموز مثل هذه الآثار سيكون موضوع بحث في مرحلة لاحقة في المستقبل.

ورسّخ انتشار كوفيد-19 اتجاها كان موجودا مُسبقًا ويتمثل بازدياد فرق البحث التي تعمل على جوانب متعددة من ديناميكيات المرض، ومن النمذجة وعلم الأوبئة إلى علم المناعة والسلوك البشري. في بريطانيا مثلًا، أجرى الباحثون المشاركون في نمذجة المرض، دراسات حول التفاعلات الاجتماعية ومستويات العدوى داخل المجتمعات المختلفة، لتؤسس مجموعات البيانات هذه نماذج جديدة.

"كان على الباحثين تتبُّع ديناميكيات السّلوك الاجتماعيّ" (أ ب)

علاوة على الارتباطات متعدّدة التخصّصات، تكثّف أيضًا التواصل الدولي. ورغم أن الاستجابات السياسية للوباء كانت تخصّ كل بلد في عينه، إلا أنه، وطوال عام 2020، تمّت مشاركة الأفكار العلميّة، بما في ذلك مجموعات البيانات ونتائج النمذجة وأُطُرها البرمجيّة، واستندت إليها فرق بحثيّة عابرة للقارات. قدّمت الأوبئة السابقة أدوات رياضيّة إلى شرائح بحثية (ومجتمعيّة) جديدة، لكن حجم كوفيد-19، أدى إلى تبادل أفكار في علم الأوبئة عبر التخصّصات والحدود بشكل لم يسبق له مثيل. وقد تكون قيمة هذا التعاون والتشبيك، إذا ما نجحنا بالحفاظ عليهما، هائلة في مواجهة التحديات الوبائية العالميّة الأخرى في المستقبل.

لقد غيّرت أحداث العام الماضي ديناميكيات العديد من الأمراض الأخرى، كما لوحظ في اختفاء بعض أنواع العدوى الموسميّة أو تعطيل برامج التطعيم. لو لم تحدث الجائحة، لكنتُ قضيتُ معظم عام 2020 في الخارج، حيث أقوم بإعداد دراسات عن الإنفلونزا وزيكا وحمّى الضنك.

عندما تُستأنف هذه المشاريع في نهاية المطاف، هل سنشهد تفشيًا أصغر نطاقًا للأوبئة مما كان سيحدث قبل عام 2020، أو تأخير جوائح كُبرى أخرى؟ لقد خلقت الجائحة "تجربة طبيعية" مأساوية تمثّلت بصدمة كتلك التي تحدث مرّة في القرن، في النظُم البيئيّة للأمراض، الأمر الذي قد يُنتج رؤى غير متوقّعة عن المناعة والسلوك الاجتماعي والتّأثيرات الموسميّة والتطوّر. لقد تعلّمنا الكثير عن كوفيد-19 خلال الإثني عشر شهرًا الماضية، ولكن النمذجة العلميّة ستساعدنا في اكتشاف الكثير في الأعوام القادمة.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص