جوازات سفر لقاحات كورونا: نقاش لا بدّ منه

جوازات سفر لقاحات كورونا: نقاش لا بدّ منه
صورة توضيحية (أ ب)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب ٤٨":


بدأ سباق التطعيم ضد فيروس كورونا. وقدّمت أكثر من 50 دولة ما يفوق الـ68 مليون جرعة لقاح حتى الآن. وليس ذلك بالكثير بالنظر إلى تعداد سكان العالم الذي تخطى السبعة مليارات، ولكنه يكفي لتحفيز نقاش عام حول ما إذا يجب أن يُسمح للحاصلين على اللقاح بالحركة بحرّيةٍ أكبر؟

وإتاحة سيناريو كهذا تعني أن أولئك الذين تطعّموا عليهم أن يُثبتوا ذلك. وهكذا بدأ النقاش حول ما إذا كان ينبغي استصدار شهادات حَصانة أو جوازات للحاصلين على اللقاح. وأقدمت بلدان تعتمد اقتصاداتها على السياحة، مثل جزر السيشيل، على فتح إمكانية السفر إليها أمام من تلقّوا اللقاح. ولكنْ هناك تفاوت كبير في الآراء حول مدى الترحيب الذي سيقابل به الاعتماد الأوسع لهذه الممارسة. فبينما يعتقد البعض أن ذلك يوفر طريقًا سريعا للعودة للحياة الطبيعية، يشعر آخرون بقلق من احتمالية عدم عدالة هذه الممارسة وتسبّبها بالتفرقة.

وعلى الرغم من أن البعض يرى في استصدار جوازات سفر خضراء للحاصلين على اللقاح خطوةً متطرّفة، إلا أنها لن تكون سابقة. فعام 1922، طلب العديد من المدارس في أميركا أن يتطعم الأطفال ضد الجدري كشرط لحضور الدوام المدرسي. وهناك "البطاقة الصفراء"، وهي شهادة دولية أُصدرت أول مرة منذ نحو 100 عام، لتسجيل حصول الشخص على تطعيمات ضد الكوليرا والحمى الصفراء والتيفوس والجدري. وحتى يومنا هذا، تشترط العديد من الدول التزود بشهادة تطعيم ضد الحمى الصفراء كشرط مسبق لدخولها.

لقاحات كورونا (أ ب)
لقاحات كورونا (أ ب)

صرّح وزير الصحة البريطاني أنه لا يحبذ فكرة كهذه، ولكنّ رئيس وزراء اليونان، كيرياكوس ميتسوتاكيس، يطالب بإصدار شهادة سفر على مستوى الاتحاد الأوروبي. ومن المرجّح أن يكون الدافع وراء اهتمامه هو اعتماد بلاده على السياحة. وفي أميركا، طلب الرئيس جو بايدن إجراءَ تقييمٍ رسميٍ لفكرة إصدار جوازات سفر للحاصلين على اللقاح. وفي جميع أنحاء العالم، تُبذَل مجموعة متنوعة من الجهود الخاصة لإنشاء نسخ رقمية لذلك.

ويكمن أحد أسباب الحذر من ممارسة كهذه في أنّه لا يُمكن تحديد مقدار الحماية التي تقدّمها اللقاحات ضد انتقال العدوى، حتى الآن. من الواضح أنها ستنقذ أرواح كثيرين، وستمنع الإعياء الشديد الناجم عن المرض، لكن بعض الحاصلين على جرعات ربما يكونون عرضة لالتقاط العدوى ونقلها. ومع ذلك، من المحتمل أن تقلّل اللقاحات من انتقال العدوى بقدر كبير، ومع ظهور أدلة ذلك على أرض الواقع، سيزداد الضغط للسماح للحاصلين على التطعيم باستئناف حياتهم الطبيعية، بما في ذلك السفر.

وحتى لو افترضنا أنّ اللقاحات تساعد قليلًا فقط، هناك من يعتقد أن لا مفر من إصدار جوازات سفر خضراء. ويرى أستاذ أخلاق الطب الحيوي في كلية غروسمان للطب بجامعة نيويورك، آرثر كابلان، أن مثل هذه الجوازات مطلوبة أيضًا. إذ يشير إلى أنه سيُطلب من العاملين في مجال الرعاية الصحية في دور رعاية المسنين والمستشفيات الحصول على اللقاح المضاد لكورونا، وأن يحملوا دليلًا على ذلك. وبالفعل، يُطلب قبر كورونا حتى، من العاملين في المستشفيات في أماكن عديدة التطعيم ضد الإنفلونزا، أو لقاح التهاب الكبد "ب"، وذلك من أجل حماية المرضى ضعفاء الأجساد الذين لا يمكن تطعيمهم، مثل الذين يعانون من نقص المناعة، ومرضى السرطان وحديثي الولادة؟

علاوة على ذلك، سيتعطّل بعض الأعمال، كالسفن السياحية وشركات الطيران والمطاعم، بشكل كامل، بدون جوازات سفر كهذه. وبدأ العديد من أرباب العمل، بالفعل، بإظهار مؤشرات اهتمام حول تعليم موظفيهم الحاصلين على اللقاح. وتتحدّث شركة الطيران الأسترالية "كانتاس"، منذ العام الماضي، عن إلزام جميع الركاب بإثبات حصولهم على اللقاحات ضد كوفيد -19، قبل صعودهم على متن الرحلات الجوية.

كما يبدو من أنّه غير المرجح أن ترفض الحكومات دخول أشخاص بدون شهادات حصانة، على الأقلّ ليس بشكل تام، ولكنّها من المرجح أن تفرض شروطًا إضافية، مثل التزوّد بفحص يُثبت عدم إصابة الشخص بالفيروس، أو حتى الحجر الصحي في فندق. وتبحث شركات الطيران الأخرى، بما في ذلك "المتحدة" و"الاتحاد" و"طيرن الإمارات"، إصدارَ جوازات سفر صحية لتسجيل الفحوصات أو التحصينات.

لكنّ الشركات الخاصة كشركات الطيران، تتمتع بحرية أكبر بكثير في فرض قيود على عملائها أو موظفيها، طالما أنها ليست تمييزية. أما الحكومات فتواجه تحديات أخرى، فتحديد أولويات من يحصل على اللقاح أولا، وضمان وصوله إلى الجميع بشكل عادل وطمأنة المتشككين في اللقاح، كلها أمور عسيرة سياسيا، لا سيما إذا جاء اللقاح مع فوائد أخرى للبعض، مثل حرية التنقل أو أمان أكبر بالعمل، لا يحصل عليها الآخرون. ثم إنّ هناك سؤالًا حول كيفية التعامل مع الأشخاص الذين تتمتع أجسادهم بمناعة طبيعية ضد الإصابة بفيروس كوفيد -19. ونظرًا لأن أحدًا لا يمكنه معرفة إلى متى ستستمر الحماية من الفيروس، فقد تنتهي صلاحية جوازات السفر الخضراء.

من المحتمل، أيضًا، أن تخلق جوازات السفر الخضراء انقسامًا بين الأجيال، إذ تقوم معظم الدول بتطعيم كبار السن حاليًا. وقد اضطر العديد من الشباب إلى تقييد حياتهم بشكل كبير في العام الماضي، وذلك لحماية كبارهم في الغالب. وقد يبدو الأمر غير عادل، خاصة إذا سُمح لكبار السن الذهاب إلى بيزا هذا الصيف، بينما الشباب عالقون في منازلهم أو في الحجر الصحي. أولئك الذين لا يمكن تطعيمهم لأسباب صحية، مثل الذين يعانون من نقص المناعة، قد يشعرون بالظلم من حبسهم النسبي أيضًا. أخيرًا، إذا ما استُخدمت جوازات السفر هذه على نطاق واسع، فقد يشعر البعض بأنه مجبر على تلقي حقنة لقاح، وأن حريته في الاختيار منقوصة.

ومع ذلك، في إحدى الدراسات الحديثة، قال أكثر من ثلثي البريطانيين إنهم سيقبلون جوازات السفر الخضراء. ومما يثير الدهشة أنها نسبة مرتفعة للغاية. وقد يحذو الناس في بلدان أخرى حذوهم، مهما كانت مخاوفهم العقائدية. قد يكون السبب في ذلك بسيطًا جدًا، وهو أنه بات من الصعب على الناس تحمّل عمليات الإغلاق المشددة، وهي مكلفة للغاية من الناحية الاقتصادية. وبذلك حتى الحلول المنقوصة ستبدو وكأنها شعاع أمل مشرق.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص