معالجة انعدام المساواة تبدأ من معرفة مصدر الثروة أولًا

معالجة انعدام المساواة تبدأ من معرفة مصدر الثروة أولًا
(توضيحية - Pixabay)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48" لمقال كتبه المحرر الاقتصادي في موقع الأفكار السياسية التقدمية البريطاني "أوبن ديموكراسي"، لوري ماكفارلين، وهو باحث مشارك في معهد الابتكار والأغراض العامة في جامعة لندن العالمية. وهو مؤلف مشارك لكتاب "إعادة التفكير في اقتصاديات الأرض والإسكان" الذي نال استحسان النقاد.


هل يكره البريطانيون الأثرياء؟ ليس حقًا. هذا ما تظهره نتائج دراستين نُشرتا في شباط/ فبراير من العام الماضي. وتستكشف الدراستان اللتان أُجريت إحداهما بتوجيه من مؤسسة "صندوق من أجل لندن"، والثانية بتوجيه من مؤسسة "العدالة الضريبية" البريطانية، المواقف العامة تجاه الثروة بناء على مجموعات بؤرية عُقدت على امتداد إنجلترا. واستنتجت الدراستان أنّ معظم الناس يشعرون برضى نسبي تجاه اغتناء الناس، وأنّهم غالبًا ما ينظرون بسلبية لانتقاد الأثرياء.

وهذه نتائج إشكالية للتقدميين، ففي الأعوام القليلة الماضية، تبنى قادة اليسار على جانبي المحيط الأطلسي، نهجًا أكثر صدامية ضد فاحشي الثراء، ففي بريطانيا، وجّه حزب العمال تحت قيادة جيرمي كوربين، خطابه "للأكثرية وليس الأقلية"، بينما لم يخبئ نظيره في الولايات المتحدة، بيرني ساندرز، احتقاره لأصحاب المليارات.

ولكن ماذا لو اتضح أنّ الناس لا يوافقون مع هذه الطروحات؟ هناك حلّ لهذه المعضلة قدّمته سونيا سودها، في مقال نشرته في مجلة "ذي أوبزرفر"، يقتضي التصالح مع أن "الاعتقاد بأن بريطانيا تجسد حكم الجدارة، يتأصل في روحنا الجماعية (كبريطانيين)"، وأن تُلاءَم السياسات والمقولات السياسية تباعا، وهذا يعني التخلي عن الخطاب المتمحور حول الصراع الطّبقي، واستبداله بحلول مُصممة لمخاطبة القناعات "الجداروية". وقد يتضمن ذلك مثلًا، المطالبة بإغلاق الثغرات الضريبية ورفع ضرائب محددة استنادًا إلى قيمتي العدالة والنجاعة.

في أحد الأسواق البريطانية (أ ب)

وكانت سودها محقة بإشارتها إلى أن إستراتيجية كهذه، تستطيع مخاطبة مواقف الناس الواقعية من الثروة، فقد كتب معدّو الدراسة لمؤسسة "العدالة الضريبية" في تقريرهم، إن "المشاركين في مجموعاتنا البؤرية يؤمنون إلى حد كبير بحكم الجدارة. ويُنظر إلى الأثرياء على أنهم اكتسبوا ثرواتهم من خلال العمل الشاق". وأبدى المشاركون في الدراسة الثانية آراء مشابهة.

ولكن، أيعني ذلك أن على التقدميين قبول واقع كهذا دون محاولة تغييره؟ ليس بالضرورة. وكما قال أحد الفلاسفة العظام مرّة: "إن جلّ ما فعله الفلاسفة هو تفسير العالم بعدّة طرق؛ ولكن المهم هو تغييره".

لا تنشأ آراء الناس من فراغ؛ بل تشكِّلها قوى اجتماعية وسياسية دائمة التغيُّر على مدار الزمن. ولم ينحصر نجاح الثورة النيولبرالية التي أحدثتها مارغاريت تاتشر في بريطانيا، بإعادة ترتيب الاقتصاد فحسب، بل نجحت لأنها زرعت سردية عينية حول كيفية نشوء الثروة وتوزيعها في المجتمع. وهي فرضية عن عالم يُفترض أن كل فرد فيه يحصل على مكافئته العادلة بناءً على مساهمته الحقيقية في المجتمع، طالما يتمتع المجتمع بقدر كاف من المنافسة والأسواق الحرّة. أي، وبكلمات ميلتون فريدمان الشهيرة: "ليس هناك غذاء مجاني". وهو عالم تكون فيه الأعمال التجارية "صانعة الثروة" التي تولّد فرص العمل وتقود الابتكارية، حيث يحق لأرباب العمل أن يكافَؤوا ماليًا على نجاحهم، مهما بلغت ضخامة هذه المكافآت.

ويتفق تيار توني بلير الفكري ("الطرف الثالث") مع هذا التفسير لتكوّن الثروة. وحتى وقت ليس بالبعيد، لم يكن هناك في تيارات السياسة البريطانية السائدة من يتحدى هذا الطرح. أحقًا من المفاجئ أن معظم الناس يصدقون هذه السرديّة إذن؟

(توضيحية - Pixabay)

ويكمن الإشكال هنا، بأن هذا التصور عن الثروة يكاد لا يشبه كيفية عمل الاقتصاد فعليًا. ورغم أنّ هناك بعض الحقيقة في أن العمل الشاق يُساعد الناس على جني مزيد من المال بشكل عام، لكن العلاقة السببية هذه ليس عكسية؛ فلا تُجنى الثروة بأكملها من العمل الجاد. ناهيك عن أن توزيع المال لا شأن له بالمساهمة الاجتماعية للأفراد، بل بالسياسة والسلطة. فشخص وُلد في بريطانيا سيجني أكثر بكثير من آخر وُلد في أفريقيا جنوبي الصحراء الكُبرى، حتى لو قاما بالعمل نفسه.

لماذا؟ لأنّ أحدهما حالفه الحظ ووُلد في دولة قويّة استطاعت باستخدام إرثها الإمبريالي أن تتلاعب بالاقتصاد العالمي من أجل مصلحتها. ووفقًا لتقديرات الخبير الاقتصادي، برانكو ميلانوفيتش، فإن 60% من دخل الفرد يُحدَّد حسب مكان ولادته، و20% منه يحدده مستوى دخل والديه. وهذا يعني أن مكان الميلاد والخلفية العائلية والاجتماعيّة، للفرد يشكلان نحو 80% من مدخول الشخص في المعدّل.

في عصر أصحاب المليارات "العصاميين"، أصبح حظ المرء في مكانة ولادته أهم من أي وقت مضى. وكما قال جورج مونبيوت ذات مرة: "إذا كانت الثروة هي النتيجة الحتمية للعمل الجاد والإقدام، فستكون كل امرأة أفريقية مليونيرة".

تستمد الدول ثوراتها الهائلة في الداخل، من بسط سيطرتها على مورد محدود، كالوقود الأحفوري، أو المعادن، أو الأراضي، أو الشبكات الاحتكارية، أو المال وما إلى ذلك. واعتبر الاقتصاديون الكلاسيكيون الأوائل، أن هذا النوع من الثروة التي تُحصَّل من الوصاية على موارد محدودة، غير مستحق، وأطلقوا عليه اسم "الريع الاقتصادي". ولكن أسماء الريعيين تهيمن اليوم على قائمة الأثرياء في صحيفة "صنداي تايمز"، ومن بينهم ممولون وأباطرة عقارات، وبارونات نفط، ومحتكرون وأرستقراطيون. ومعظم هؤلاء اكتسبوا أولى ثرواتهم في ظروف مشبوهة إلى حد ما.

وبكلمات المعلقة الاقتصادية والسياسية، غريس بلاكيلي، فإن الملياردير لا يصبح كذلك من خلال العمل، بل يُصبح مليارديرًا "من خلال الميراث أو الفساد أو الريع، أو، كما في معظم الحالات، مزيج من الثلاثة".

لكن أصحاب المليارات ليسوا وحدهم من يراكمون الثروة بدون عمل. فأكثر من ثلث إجمالي المدخولات في بريطانيا، تنتج من الربح الرأسمالي (أرباح الأسهم والإيجارات والفوائد) وليس من مداخيل العمل (الأجور والرواتب). والمكسب الرأسمالي سلبي بطبيعته، فهو لا يستند للعمل أو المهارة، بل للملكية. ومع العلم أن ملكية رأس المال تُوزع بدون مساواة البتة، فقد مكنت التغييرات التي طرأت على المعاشات التقاعدية وسوق الإسكان في العقود الأخيرة، أسرًا عديدة انتمت تقليديا للطبقة الوُسطى، من الركوب على موجة الدخل الرأسمالي المغرية، ومراكمة الثروة دون أي عناء.

ومثلما كتبتُ عن ذلك باستمرار منذ عام 1995، فإنّ ثلاثة أرباع الثروة المتراكمة في بريطانيا، والتي تبلغ إجمالي 5 تريليون جنيه إسترليني، تأتي من ارتفاع أسعار المنازل. والدافع لارتفاع أسعار الإسكان، هو ارتفاع أسعار الأراضي. لكن الأرض ليست مصدر ثروة بل مصدر ريع اقتصادي. والحقيقة أن معظم ما يولده سوق الإسكان من ثروة، يُكتسب على حساب الآخرين الذين يتواصل تآكل أجورهم بسبب ارتفاع الإيجارات ومدفوعات الرهون العقارية. إن الطفرة الحاصلة في سوق الإسكان ليست نموذجًا عن نشوء الثروة، بل على إعادة توزيع الثروة على نطاق غير مسبوق.

ومن ثم يأتي الميراث؛ ففي بريطانيا، يُمرر نحو 100 مليار جنيه إسترليني من الثروة إلى ملّاك جدد سنويًا، دون أي نشاط إنتاجي مكافئ لهذه الثروة، وتفلت معظمها بدون أي التزامات ضريبية.

إجمالا، إن الحصة من إجمالي الثروة في بريطانيا، التي يمكننا عزوها حقًا لـ"العمل الشاق"، مهما كان التعريف فضفاضا، هي حصة متناهية الصغر. ومهما بدا الادعاء بأن بريطانيا هي دولة تحكمها الجدارة، جذّابا، فإنه خاطئ من الناحية الموضوعية، ولا يجب أن نخشى الإدلاء بهذه الحقيقة. وليس هناك ما يثير الدهشة بأن أنُاسًا كثرا في بريطانيا يؤمنون بهذا الادعاء، في ظل عدم تحدي السردية التاتشرية على مدار عقود.

إذا أراد اليسار أن يبلغ هدفه التاريخي المتمثل في تحقيق العدالة في توزيع الثروة، فلا يمكنه فعل ذلك من خلال مواصلة اجترار سردية عن الثروة، صُممت خصيصا للترويج للتاتشرية. بدل هذا النهج، علينا أن نطور قصة مميزة ومقنعة عن كيفية تشكل الثروة وتوزيعها في المجتمع.

وهذا يعني الاعتراف بأن تكوين الثروة هو عملية جماعية تشارك فيها أطراف معنية عديدة ومتداخلة؛ العمال، والحكومة، والمحيط الطبيعي، والمجتمع المدني، ودون استثناء رواد الأعمال أيضًا، كما يتطلب تسليط الضوء على العطب الجوهري في الآلية التي تربط بين مساهمة هذه الأطراف في الاقتصاد وبين المكافأة التي يحصل كل طرف عليها؛ وكيف يتقاضى العمال أجورًا أقل من القيمة التي ينتجونها، وكيف يستحوذ المالكون على ثروات لم ينتجوها بأيديهم، وكيف تُجنى أرباح خيالية من تدمير النظم البيئية، وكيف لا يُقدر حجم دور الدولة الحقيقي في تكوين الثروة. وعلى هذا أن يفضي إلى اقتراح آليات جديدة لتوزيع المكافآت المالية تعبر بشكل أدق عن جماعية تكوين الثروة، وإعادة موازنة السلطة بين رأس المال والقوة العاملة.

(توضيحية - Pixabay)

والأهم من ذلك كله، هو تحدي الفكرة القائلة إن ارتفاع أسعار الأصول (أكثر أنواع الثروة حبا في بريطانيا) يؤدي إلى تكوين الثروة. وبكلمات جون ستوارت ميل التي كتبها عام 1848: "إذا أصبح أحدنا ثريًا بينما جميعنا نائمون، من أين جاءت هذه الثروة برأيكم؟ بالتأكيد لا تتكون من العدم. ولا تولد دون أن تكون على حساب إنسان آخر. إنها تأتي من ثمار عمالة الآخرين التي لا يتلقونها".

ولا ينحصر دور تجديد الخطاب بمجرد كسب النقاش التقني عن منبع الثروة، بل يمتد إلى الفوز في صناديق الاقتراع أيضًا.

وجد كلا البحثين اللذين ذُكرا سابقا، أنه برغم نظرة معظم المشاركين الإيجابية لمراكمة الثروة، إلا أنهم ينظرون بسلبية أكبر بكثير إلى الثروة التي لم تُكتسب من خلال العمل الجاد أو المهارة. وكما يشير تقرير "صندوق من أجل لندن": "أولئك الذين يُعتقد أنهم حققوا مكانتهم ووضعهم المالي من خلال العمل الجاد اعتبروا أنهم يستحقون ذلك... وبالمقارنة، فإن أولئك الذين اعتبروا أنهم لم يضطروا إلى العمل الجاد كان يُنظر إليهم بشكل أقل إيجابية".

من المهم معرفة منبع ثروات الناس. إذا استطعنا إقناع الناس بأن بريطانيا غير محكومة بالجدارة التي يظنونها، يمكننا تغيير المزاج العام تجاه الثروة لاتجاه أكثر تقدمية. وفي الواقع، خلص مؤلفو تقرير "صندوق من أجل لندن" إلى أنه "إذا أراد صناع السياسة معالجة عدم المساواة، فقد يكون من الأفضل لهم التفكير في سرديات كيفية اكتساب الثروات".

ولن تتغير هذه المرويات عن الثروة بين عشية وضحاها. لكنها لن تتغير أبدًا ما لم يكافح التقدميون لتغييرها، تمامًا مثلما فعلت مارغريت تاتشر في الثمانينيات لتغيير الواقع الاقتصادي.

(توضيحية - Pixabay)

وهذا لا يعني انتقاد الرغبة الطبيعية للناس بجني مزيد من المال، ولا بمهاجمة أرباب الأعمال الناجحين الذين يعاملون موظفيهم والبيئة بشكل جيّد. ولكن نعم؛ يجب أن يسلط الضوء على المسؤولين في صناعة الوقود الأحفوري الذين يزدادون ثراء عبر تدمير الكوكب، والمصرفيين المستفيدين من أزمات تسببوا بها بأنفسهم، والأرستقراطيين الذي يعيشون على مكاسب أسلافهم غير المشروعة، والمدراء الاستغلاليين الذين يدفعون أقلّ من اللازم لموظفيهم.

في السياسة، يُمكننا أن نشكل العالم أو أن نتشكل من خلاله. وفي هذه القضية العينية، ما من حلول وُسطى.

بودكاست عرب 48