إلى متى يستمر احتكار جوجل للإنترنت؟

إلى متى يستمر احتكار جوجل للإنترنت؟
(Gettyimages)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48" لمقالة نُشرت في موقع "فوكس" للكاتبة سارا موريسون.

ترجمة: أنس سمحان.


يجري حاليا العمل على مشروع قانون جديد لمكافحة احتكار عمالقة التكنولوجيا، وسيكون مؤلمًا ومؤثرًا على جوجل أكثر من غيرها، حيث قدم مجموعة من المشرعين بقيادة السيناتور مايك لي (جمهوري – يوتا) قانون المنافسة والشفافية في الإعلانات الرقمية في 19 أيَّار/ مايو 2022، ويحظر هذا التشريع الموافق عليه من الحزبين ومن المجلسين على أي شركة لديها أكثر من 20 مليار دولار من عائدات الإعلانات الرقمية، مثل جوجل وميتا خصوصًا، من امتلاك أجزاء متعددة من سلسلة الإعلانات الرقمية، وسيتعين على جوجل الاختيار بين أن تكون مشترٍ أو بائعًا أو أن تجري التبادل الإعلاني بين الاثنين، وهي تمتلك حاليا العناصر الثلاثة، وتلاحقها الادعاءات، التي تنفيها، بأنها تستخدم تلك السلطة للتلاعب غير العادل بتلك السوق لمصلحتها.

وقال مايك لي في بيان صحافي «يعني هذا النقص في المنافسة في مجال الإعلانات الرقمية أن أحدهم يفرض إيجارات احتكارية على كل موقع ويب مدعوم بالإعلانات وكل شركة صغيرة أو متوسطة أو كبيرة تعتمد على الإعلان عبر الإنترنت لتنمية أعمالها، وهي بذا ضريبة على آلاف الشركات الأميركية، وبالتالي ضريبة على ملايين المستهلكين الأميركيين». وردَّت جوجل في بيان آخر بأن مشروع «هذا القانون خاطئ، في الوقت الخطأ، وتستهدف الهدف الخطأ»، وأن أدواتها الإعلانية تنتج إعلانات ذات جودة أفضل وتحمي خصوصية المستخدمين.

يمكنك إضافة التشريع الجديد إلى الكومة المتزايدة من مشاكل جوجل لمكافحة الاحتكار. وفي حين أعطت وسائل الإعلام المزيد من الاهتمام لقضايا مكافحة الاحتكار من المنافسين آپل وميتا، ولكن يحتمل أن تكون غوغل متضررة أكثر من أي شركة التكنولوجيا الكبرى الأخرى.

رفعت حكومات الولايات والحكومة الفيدرالية أربع قضايا مكافحة احتكار ضد جوجل، وكل ذلك في غضون عام واحد من بعضها البعض. في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، رفعت وزارة العدل و14 مدعيًا عامًا دعوى قضائية ضد شركة غوغل بشأن الممارسات المناهضة للمنافسة لمتواصلة احتكارها لسوق محركات البحث واحتكار إعلانات البحث. وفي كانون الأول/ ديسمبر من ذلك العام، رفع 38 مدعٍ عام آخر قضية منفصلة مماثلة، وإذا جمعت بين القضيتين، فإن كل الولايات، باستثناء ألاباما وبورتوريكو والعاصمة وغوام، تقاضي غوغل بسبب عملها في مجال محركات البحث.

ورفع في تموز/ يوليو الماضي 2021، 37 مدعٍ عامٍ آخر دعوى قضائية ضد جوجل بشأن متجر تطبيق غوغل پلاي على الهواتف المحمولة، وتوجد مجموعة أخرى من 17 مدعيًا عامًا يقاضون غوغل بشأن الأعمال الإعلانية التي يستهدفها مشروع قانون مايك لي، ورُفعت هذه الدعوى بعد يوم واحد فقط من رفع قضية البحث في تشرين الأول/ أكتوبر 2020. كما توجد أيضًا دعاوى قضائية من شركات (Epic Games) و(Match Group) بشأن متجر تطبيقات غوغل وقد تُرفع قضايا أخرى من وزارة العدل قريبًا، وتوجد أيضًا موجة من قوانين ولوائح مكافحة الاحتكار التي تركز على شركات التكنولوجيا الكبرى في جميع أنحاء العالم للتعامل معها.

من السابق لأوانه تحديد مدى احتمالية انتقال مناقشة مشاريع قوانين مايك لي وتفعيلها، ولكننا نعلم أن مشروعيّ قوانين مكافحة الاحتكار (المُجمع عليهما من الحزبين) على وشك أن يصبحا قانونين، على الأرجح بحلول نهاية الصيف، وكلاهما سيمنعا جوجل من إعطاء تفضيل منتجاتها الخاصة على المنصات التي تمتلكها وتشغلها: سيجبر قانون أسواق التطبيقات المفتوحة متجر تطبيقات غوغل پلاي على اتباع قواعد معينة، في حين سيحظر قانون الابتكار والاختيار الأميركي عبر الإنترنت تفضيل الذات على المنصات التي تمتلكها وتديرها شركات التكنولوجيا الكبرى. لن يسمح لغوغل بإعطاء منتجاتها مكانة بارزة في نتائج البحث على محرك غوغل، على سبيل المثال، إلا إذا وصلت منتجاتها إلى تلك الدرجة من نتائج البحث طبيعيًا دون تدخل من الشركة.

يشي كل هذا بمدى انتشار جوجل وأذرع قوتها الممتدة في كل مكان. وما كان في يوم من الأيام شركة محرك بحث متواضعة صارت الآن متأصلة بعمق في كل ما نقوم به عبر الإنترنت بحيث يصعب تخيل كيفية عمل الإنترنت بدونها، ولكن ربما وصلت غوغل إلى هذه الدرجة من السلطة بشكل غير عادل، وبطرق أضرت بالمنافسين والمستهلكين، حتى مع بقاء العديد من منتجاتها شائعة ومجانية.

كان ينظر إلى جوجل مسبقًا على أنها الشركة الجديدة التي صعدت بسرعة والتي قدمت خدمات فريدة ومتطورة مقارنة بمحركات البحث الأبطأ مثل ياهو وألتاڨيستا (كان يسهل التلاعب بنتائجها). وكان شعار جوجل في البداية «لا تكن شريرًا»، وحققت خوارزميتها نتائج أفضل، وسرعان ما أصبحت الرائدة في السوق، ثم غيَّرت السوق مرة أخرى عبر وضعها الإعلانات على نتائج البحث والتي كانت مُحددة بما كان الناس يبحثون عنه، وهي فكرة استلهمتها جوجل من محرك بحث غير معروف وغير موجود الآن كان يسمى «غوتو Goto». (1)

كانت الإعلانات على شبكة بحث جوجل ناجحة بحيث أنها ما تزال حتى الآن المصدر الأكثر إدرارًا للربح لها، حيث جذبت الإعلانات على شبكة البحث في عام 2021 حوالي 150 مليار دولار من الأرباح، وهذا الرقم أكبر من عوائد باقي خدمات جوجل الأخرى مُجتمعة.

ويعزو الكثيرون نجاح جوجل في الأعمال الإعلانية إلى استحواذها على «دبل كليك Doubleclick»(2) عام 2008 مقابل 3.1 مليار دولار. تحققت لجنة التجارة الفيدرالية من هذا الاستحواذ لتفحص أي ممارسات مكافحة منافسة أو احتكار، لكن اللجنة وافقت عليه في النهاية. (قال أحد المفوضين في اللجنة والذي صوت بالموافقة على الاستحواذ، وليام كوڨاسيتش، إنه يأسف على قرارهِ الآن بعد فوات الأوان).

أعادت لجنة التجارة الفيدرالية النظر في جوجل مرة أخرى بعد بضع سنوات وفتحت في عام 2011 تحقيقًا في سلوك الشركة المزعوم المناهض للمنافسة في البحث والإعلانات، وعلى الرغم من أن تقريرًا مسربًا من أحد موظفي اللجنة أشار إلى أن موظفيها شعروا أن لديهم قضية ضد جوجل، إلا أنهم اختاروا ألا يتابعوا العمل عليها مقابل توقيع غوغل على اتفاقيات لتغيير بعض الممارسات التجارية أو أنهم اتخذوا قرارًا بأن إجراءات غوغل كانت مبررة لأنها حسنت خدماتها وتجربة مستخدميها، وأُلقيَ باللوم في هذا القرار جزئيا على العلاقة الجيدة لإدارة أوباما مع الشركة.

يمكن تبرير الموقف السابق بأن الحكومة لم تدرك حجم وتأثير جوجل وقتها، وأنها لم تدرك أيضًا كيف يمكن لشركة مثلها أن تكبر دون مراقبة أو إجراءات تفرض عليها المنافسة العادلة في السوق، وهو ما جعل جوجل اليوم غير جوجل التي كانت موجودة قبل 10 سنوات، ولم يعد يُنظر إليها بنفس الطريقة، ويبدو أخيرًا أن يوم حسابها فيما يخص مناهضتها للمنافسة وممارساتها الاحتكارية قادم لا محالة، ويتبقى علينا أن ننتظر مقدار الضرر الذي يمكن أن تلحقه مشاريع القوانين الجديدة بغوغل.

كيف تضر جوجل بالمنافسة حسب المزاعم ضدها؟

بالنسبة للوثر لوي، نائب الرئيس الأول للسياسة العامة في موقع «يَلپ Yelp»(3) والناقد لجوجل منذ فترة طويلة، كانت اللحظة تتويجًا مناسبًا لأكثر من عقد من العمل في محاولة لإقناع المشرعين والمنفذين القانونيين بأن جوجل رسَّخت نفسها في السوق بطرق غير قانونية وعبر استخدام نفوذها ومن خلال استفادتها من إيذاء الشركات الناشئة مثل شركته.

طبعًا لوثر لوي منحاز هنا بوضوح لشركته حيث وجد شركته تتنافس مع غوغل عندما قدمت جوجل نسختها الخاصة من تطبيق مراجعات المستخدمين على الأعمال التجارية (مراجعات غوغل والتي تعرض في نتائج البحث وضمن خرائط غوغل وعبر عدد من خدمات غوغل الأخرى)، ووضعت غوغل تطبيقها للمراجعات في قمة نتائج البحث وقتها وفوق نتيجة موقع يَلپ الطبيعية، لامتلاكها مُحرك البحث. يقول لوي «يعد موقع يَلپ المثال الأوضح لنوع الخدمات التي يمكن أن تقوَّض أساستها إذا ما قرر حارس البوابة أن يضع يده على الميزان وأن يتلاعب في النتائج».

ويؤكد لوي أنه ليس الشخص الوحيد الذي يجادل بأن هيمنة جوجل تمنع الآخرين من المنافسة على الخدمات نفسها، وترد غوغل بأن لديها منافسين في جميع أسواقها، ولكن تجدر الإشارة إلى أن غوغل تبتلع القدر الأكبر من الأسواق التي تعمل بها، وعلى الرغم من الشركة ترفض مشاركة أرقامها مع العالم، إلا أنه يقدّر استحواذها على 90% من السوق العالمية لمحركات البحث، كما أنها تتحكم بما نسبته 65% من سوق متصحفات الويب عبر جوجل كروم، وبالحديث عن أنظمة تشغيل الهاتف المحمول، تسيطر غوغل على 75% من هذا السوق حول العالم

يمتلك متصفح جوجل كروم في متصفحات الويب حوالي 65% من السوق، ويسيطر نظام أندرويد، التابع لجوجل، في سوق أنظمة تشغيل الأجهزة المحمولة على 70% من السوق العالمي (تبلغ الحصة السوقية لأندرويد في المنطقة العربية، بالإضافة إلى تركيا وإيران، حوالي 78%، وتتركز هذه النسب في الدول الأفقر، حيث تعتبر الدول الخليجية الأقل استخدامًا لها)، ويأتي هذا طبعًا إلى جانب عدد كبير من منتجات غوغل الأخرى، التي يندرج العديد منها ضمن فئاتها الخاصة مثل «يوتيوب YouTube» و«جي ميل Gmail»، وأنشطة الإعلانات المصوّرة، التي تسمح للمعلنين باختيار مكان وزمان عرض الإعلانات الصُورية بناءً على الصفات المطلوبة في الجمهور المستهدف مثل اهتماماتهم الشخصية وأعمارهم وفئتهم الديمغرافية ونوعهم الاجتماعي وغيره.

إذا كانت حالة الشركات الكبيرة والاحتكارية قانونية في الولايات المُتحدة، فلماذا توجد ضد جوجل كل هذا الدعاوى القضائية؟ عندما تأخذ الشركات الكبيرة في استخدام هيمنتها لإلحاق الضرر بالمنافسين والمستهلكين، فإن هذا يضعها في قائمة الشركات التي تنتهك قوانين مكافحة الاحتكار، وهذا هو لُب الدعاوى المرفوعة، وما تحول مشاريع القوانين الجديدة حظره.

تنظر الدعوى القضائية التي رفعتها وزارة العدل و14 ولاية أخرى بالإضافة إلى تلك التي رفعتها 38 ولاية وإقليمًا إلى احتكار جوجل لسوق محركات بحث، إذ تركز قضية وزارة العدل على «اتفاقيات الاستثناء» التي يُزعم أن غوغل أبرمتها مع شركات أخرى للحفاظ على سيطرة محرك بحثها على الإنترنت، حيث إن «جوجل» ليست فقط محرك البحث الافتراضي على متصفح كروم، بل على متصفحات أخرى مثل سفاري آپل وفايرفوكس موزيلا، ومن المؤكَّد أن آپل وموزيلا لم يختارا جوجل لاعتقادهما أنه «الأفضل» لمستخدميهما، بل لأن غوغل دفعت لهم مقابل بذلك، وترجح آراء الخبراء أن شركة جوجل تدفع مليارات الدولارات كل عام لشركة آپل ومئات الملايين لشركة موزيلا مقابل هذه الحركة، وتعد هذه المدفوعات من غوغل المصدر الأكبر لتمويل موزيلا، وجزء لا يستهان به من أرباح آپل أيضًا.

تنفق جوجل مبالغ طائلة لتكون محرك البحث الافتراضي لأن قيمة مُحرك البحث لديها أكبر من الإعلانات المعروضة مع نتائجها، ولأن محرك البحث يساعد الشركة، بشكل غير مباشر، في معرفة ما يبحث عنه الناس على الإنترنت طوال الوقت، وهو ما يساعد في تغذية تطبيقاتها الأخرى بالبيانات عن المستخدمين، وبل يُعلِم الشركة بالخدمات التي قد يحتاج إليها الناس مُستقبلًا، وهذا تمامًا تعريف الشركات القائمة على البيانات.

انطلق مؤخرًا مُحرك بحث باسم «DuckDuckGo» وهو محرك منافس لغوغل ولا يقوم بجمع بيانات المستخدمين، وبالتالي تكون الخصوصية أكبر مميزاته التنافسية في السوق، ولكنه لا يشغل إلا جزء ضئيل من السوق الذي تهمين عليه غوغل، ويرجع ذلك جزئيًا كما صرحت إدارة المُحرك الجديد إلى أنه يصعب على المستخدمين تبديل المحرك الافتراضي لمتصفحاتهم، والذي غالبًا ما يكون غوغل، حيث تدفن مُحركات البحث خيار تغيير محرك البحث الافتراضي في زوايا صعبة ضمن إعدادات المستخدم، ولا يعرف المستخدم في الغالب أنه لديه خيار التبديل.

وقال كاميل بازباز، نائب رئيس الاتصالات في محرك DuckDuckGo: «لا يقرر الأشخاص استخدام غوغل، بل يُتخذ القرار عنهم، فالأفضل لغوغل أن يستمر استخدام الناس لمحركها البحثي حتى يتمكنوا من جمع البيانات السلوكية، واستخدام تلك البيانات لتبقي على الناس محبوسين داخل تطبيقات غوغل المختلفة في حلقة مفرغة تربط الناس رأسًا فقط بمنتجات الشركة».

ولا ترى غوغل الأمر من هذه الناحية إطلاقًا، إذ قال كينت ووكر، رئيس الشؤون العالمية بالشركة، في بيان حول الدعوى القضائية التي رفعتها وزارة العدل: «يستخدم الناس غوغل لأنهم اختاروا ذلك، وليس لأنهم مجبرون على ذلك أو لأنهم لا يستطيعون إيجاد بدائل. هذه الدعوى القضائية لن تفيد المستهلكين، بل من شأنها أن تدعم بشكل مصطنع بدائل البحث منخفضة الجودة، وأن ترفع أسعار الهواتف، وأن تصعب على الناس وصولهم إلى خدمات البحث التي يريدون استخدامها». كما أشار ووكر إلى أن غوغل لم تكن الشركة الوحيدة التي أبرمت مثل هذه الصفقات، وأنها تتنافس مع محرك بحث «بِنغ Bing» من مايكروسوفت عليها.

وبالإضافة إلى مشاكل مُحركات البحث، توجد الآن دعوى قضائية تستهدف متجر غوغل پلاي، وتشبه إلى حد ما الاتهامات الموجهة ضد شركة آپل ومتجر تطبيقاتها، ولكن وفي حين تسمح آپل بوجود متجر واحد فقط للتطبيقات على أجهزتها، يسمح نظام أندرويد من غوغل باستخدام أكثر من متجر للتطبيقات، كما أنه يسمح للمستخدمين بتحميل التطبيقات من مواقع المطورين مباشرة.

لكن غوغل، وعلى الرغم من توفيرها لخيارات البدائل، إلا أنها، وحسب الدعوى القضائية ضدها لا تُسهل الأمر أمام الراغبين باستخدام تلك البدائل، لأن غوغل تدفع غوغل للمطورين وصانعي الهواتف لكيلا يبرمجون بدائل لمتجرها، وتطلب منهم تنزل متجر غوغل پلاي على الهواتف دون خيار من المستخدمين، وبهذا، تحتوي كافة الأجهزة العاملة بنظام أندرويد من غوغل على تطبيق غوغل پلاي مُحمَّلاً عليها حتى قبل بيعها، ووصل الأمر بأجهزة أندرويد أن تفرض تفرض تحذيرات أمنية على التطبيقات التي تُنزَّل خارج متجر غوغل پلاي من أجل ثني المستخدمين عن تحميلها إلا داخل بيئة المترج.

والنتيجة؟ تُنزَّل 95% من تطبيقات أندرويد في الولايات المتحدة من متجر غوغل پلاي، وفقًا لشركة معلومات التطبيقات Sensor Tower، وهذا يمنح غوغل احتكارًا على أجهزة أندرويد مثل متجر التطبيقات الموجود على أجهزة آپل. يشرح آندي ين، الرئيس التنفيذي لشركة پروتون Proton لخدمة البريد الإلكتروني المشفر ProtonMail وغيرها من البرامج الدَّاعمة الخصوصية، شكاوى العديد من المطورين حول متجر غوغل پلاي، ويقول إنه «من الممكن تقنيًا ولكن من المستحيل عمليًا» استخدام متجر تطبيقات بديل، وأشار أنه شركته پروتون ستكون قد أقدمت على فعل «انتحاري» إذا لم تعرف تطبيقها على منصة غوغل پلاي، وهذا يعني استخدامنا لنصة مملوكة للشركة نفسها التي تُشغّل أكبر منافس لنا في السوق: «جي ميل Gmail»، كما أن شركة غوغل تأخذ من پروتون أموالًا أيضًا لأنها تجبر الشركات الراغبة في استخدام متجرها باستخدام نظام الدفع المتاح عبر المدمج بالمتجر «غوغل پاي Google Pay»، والذي يأخذ عمولة من المدفوعات بنسبة 15-30%.

أكدت غوغل أنها تتيح «مزيدًا من الانفتاح والاختيار» في أسواق التطبيقات أكثر من الشركات الأخرى (مثل أپل)، وأنها لا تتنافس فقط مع متاجر تطبيقات أندرويد، ولكن مع أپل أيضًا، وأشارت الشركة إلى أن عمولات متجر تطبيقاتها هي نفسها الموجودة في متاجر التطبيقات الأخرى.

ورفعت مجموعة صغيرة من المدعين العامين دعوى قضائية أخرى ضد غوغل بخصوص الإعلانات الرقمية وما تفعله غوغل في مجال الإعلانات (إلى جانب الدعوات الأخرى المعنية بمحرك البحث ومتجر غوغل پلاي)، وتستهدف هذه الدعوى بشكل أساسي شبكة إعلانات غوغل المصورة، أي كل شيء خارج إعلانات البحث وإعلانات يوتيوب، والتي أدخلت على غوغل أكثر من 30 مليار دولار من الأرباح العام الماضي.

وتختص هذه الدعوة بآلية عمل الإعلانات المصورة: عند فتح موقع ويب يحتوي على خانة إعلانات، تظهر هذه الإعلانات في الغالب من منصات الإعلانات الرقمية، حيث يتنافس المعلنون لعرض إعلاناتهم أمام المشاهدين الأكثر ترجيعًا للتفاعل معها، بناءً على البيانات لدى هؤلاء المعلنين أو التي تملكها شبكات الإعلانات عن هؤلاء المشاهدين، وتستغرق العملية بأكملها أجزاء من الثانية، ليظهر أمام المستخدم إعلان لبعض الأحذية التي بحث عنها على الإنترنت قبل أسبوع من تاريخه.

طبعًا يعتمد الأمر في هذه الحالات الإعلانية على تقنيات برمجية داخلية ومُعقَّدة تحلل قدر كبير من وحدتها البيانات، ولكن جوهر الحجة المعروضة من المدعين العامين يدور حول أن غوغل تُهيمن على سوق الإعلانات الرقمية، وأنها تجبي على نسبة مادية في كل مرحلة من مراحل العملية الإعلانية، وقد ترسخت هذه الهيمنة لشراء غوغل لتقنية وموقع «دبل كليك Doubleclick» قبل 15 عامًا، وعمل تطوير الشركة لهذه التقنية على استمرار استحواذها على شركات تكنولوجيا الإعلانات الجديدة منذ ذلك الحين.

تدعي الدعوى أن حجم غوغل وتحكمها يجعلان من المستحيل على أي شخص آخر التنافس مع الشركة في مجال تكنولوجيا الإعلانات الرقمية، وتقول غوغل إن لديها الكثير من المنافسة في هذا القطاع المزدحم، ولكن أمازون هي المنافس الوحيد الذي يمتلك تكنولوجيا إعلانية تسيطر على كل مراحلها مثل غوغل، ولا يمتلك أي شخص آخر حصة سوقية كبيرة في الأجزاء والمراحل التي تهمين عليها غوغل (تتراوح التقديرات باحتكارها لـ 90% في سوق خوادم إعلانات الناشرين وعلى 50% في سوق منصات إدارة الإعلانات من جهة المستخدم[4]) الذي تقوم به غوغل. كما أنه لا يمكن للمنافسين الوصول إلى كمية البيانات الموجودة عن المستخدمين لدى غوغل عبر تطبيقاتها وخدماتها الأخرى، والتي تجعل إعلاناتها أكثر فعالية وقيمة بالنسبة للمعلنين.

أوضحت فيونا سكوت مورتون، أستاذة الاقتصاد في جامعة ييل: «توجد خيارات أخرى، لكن ما ستقدمه هذه الخيارات الأخرى سيكون أضعف بالنسبة للناشرين والمعلنين من حيث صافي القيمة».

عملت سكوت مورتون سابقًا كمسؤولة لمكافحة الاحتكار في وزارة العدل ودرست إعلانات غوغل وادّعاءات احتكارها للسوق، وتعمل الآن أيضًا بوصفها مستشارة لمكافحة الاحتكار في شركتي أمازون وآپل.

وإلى جانب تضرر المنافسين من تلاعب غوغل في السوق، لا يجب أن نغفل مدى تضرر المعلنين والناشرين من هذا الاحتكار، إذ تسمح لها هيمنتها على سوق الإعلانات بالربح من الإعلانات التي تشتريها خدماتها والتي تبيعها لاحقًا بقدر ضعيف جدًا من الشفافية حول نسبة الأرباح، وأضر هذا بالمقام بشركات الإعلام التي تعتمد رأسًا على الإعلانات لتمويل أعمالها ودفع رواتب موظفيها. وترد غوغل هنا بأنها تتقاضى نسبة أقل أو نسبة مساوية لمتوسط نسبة الربح في السوق وأن لديها الكثير من المنافسة، وتشير إلى أن أسعار الإعلانات ورسومها قد انخفضت على مر السنين، ولكن سكوت مورتون تقول إن ذلك لا يأخذ في الحسبان شكل المنافسة المُتخيل إذا لم تُهيمن غوغل على مراحل الإعلانات الثلاثة (المشترين والبائعين وعملية التبادل الإعلاني)، وقالت: «هل سيكون عالم الإعلانات الرقمية أفضل من حيث الإنتاج والسعر والجودة والابتكار إذا كانت هناك شركتان أو ثلاث شركات تحاول وضع إعلانات رقمية؟ أعتقد أن الإجابة على ذلك واضحة: نعم».

كيف يمكن أن تضر غوغل بالمستخدمين؟

كيف يمكن لأي مما ذكرناه أن يؤذي المستخدمين إذا كانت أغلب خدمات غوغل مجانية؟ يستخدم على الأغلب كثير من الناس إحدى خدمات غوغل على الأقل بانتظام لأنها تعجبهم، ولأنها مجانية. لكن ما لا يعيه الناس هو أن غوغل صار محرك البحث الأكثر شعبية لأن منشئوه اكتشفوا طريقة لعرض نتائج أفضل وأسرع من المنافسين في السوق، ولن نعرف ما إذا كانت آپل ستصنع محرك بحث أفضل لأن غوغل تدفع لها مليارات الدولارات لتثنيها عن دخول المنافسة، ولن نعرف ما إذا كانت المنافسة الحقيقية ستجعل من بحث غوغل أفضل (على الرغم من جهود مايكروسوفت، إلا أن حصة محركها البحثي «بِنغ Bing» ما تزال صغيرة جدًا: حوالي 3% حول العالم).

غيرت غوغل من صفحة نتائجها مع نمو محركها وهيمنته، ولم تعد كما كانت مجموعة من الروابط المُصممة لمساعدة الناس في الوصول إلى المواقع الأخرى والمعلومات المُختلفة خارج نظامها الأساسي، بل تحولت إلى صفحة تحاول إبقاء الناس داخل نظامها الأساسي من الخدمات لأطول فترة ممكن عبر خدمات متنوعة مثل عرض المعلومات المطلوبة للمستخدمين في قمة نتائج البحث لتعوض المستخدم عن دخول الموقع نفسه، وأيضًا عبر صفحات «لمحات بطاقات المعلومات» وغيرها من الأدوات التي تضمن استمرار المستخدمين لاستخدام غوغل دون الخروج منه. وكما أظهر تقرير عام 2020 من موقع Markup المختص بالتقارير البصرية في العالم الرقمي، أصبح من الصعب العثور على نتائج بحث عضوية على غوغل لأن الكثير من عناصر غوغل، بما في ذلك إعلاناتها على شبكة البحث، قد تستهلك الصفحة الاولى كاملة. (تقول غوغل إن تقرير Markup «معيب ومضلل» ويستند إلى «عينة غير تمثيلية من عمليات البحث»).

تقول غوغل إن هذه الميزات الإضافية تجعل نتائج البحث أفضل، ولكن إذا لم تكن عروض غوغل بنفس جودة النتائج العضوية، كما يظهر تقرير Markup بأنها ليست كذلك في بعض الأحيان، فإن غوغل تستخدم قوتها لدفعك نحو منتج رديء. أنت تحصل على أفضل النتائج لـغوغل، لكنها قد لا تكون أفضل النتائج بالنسبة للمستخدم.

قد ينفق المستخدمون أيضًا نسبة أكثر من أموالهم على التطبيقات من خلال متجر غوغل پلاي، نظرًا لأن التطبيقات ملزمة باستخدام نظام الدفع داخل التطبيق من نظام «غوغل پاي Google Pay» ودفع مبلغ كبير لشركة غوغل كنسبة من هذا العمولة، ولتعويض هذه النسبة تزيد بعض الشركات من أسعار خدماتها، بحيث يقع دفع تلك النسبة على كاهل المستخدمين. ويقول آندي، الرئيس التنفيذي لشركة پروتون: «صارت هذه النسبة في شكلها الأساسي ضريبة على الإنترنت، بحيث تحوَّل التكاليف إلى المستهلكين، لأنه ما إذا لم يكن لديك هامش ربح بنسبة 30%، فسيتعين عليك تمرير بعض هذه التكاليف. ... سيتعين على المستخدمين دفع أسعار أعلى نتيجة لذلك».

قد تنطبق هذه التكاليف المتزايدة على الإعلانات الرقمية أيضا، وأضافت سكوت مورتون: «إذا كان المعلن يدفع أكثر من السعر التنافسي، فإنه يدفع ثمن احتكار غوغل في الوصول إلى تلك الإعلانات، وفي النهاية يدفع المستهلك ذلك الارتفاع في السعر لأنه سيدمج في سعر المنتج». وإذا كانت غوغل تأخذ لنفسها نسبة ربحية تنافسية من مبيعات الإعلانات الرقمية، فإن هذا يعني أن موقع الويب الذي تعرض عليه هذه الإعلانات سيحصل أرباح بنسبة أقل مما كان سيحصل عليه بخلاف ذلك، وحتى لو كان الموقع يوفر محتوى مجانيًا، فلا يمكنه فرض رسوم إضافية على المستخدمين لتعويض الخسارة، وسيكون لديه أموال أقل لإنفاقها على المحتوى نفسه، مما قد يؤدي إلى خفض جودة وقيمة المحتوى المُقدَّم.

كيف يمكن أن تخرج غوغل من هذه الدعوات سالمة؟

لم تواجه غوغل مطلقًا هذا القدر من التهديد لنموذج عملها وهيكلها كما هو الحال اليوم، ولكن الدعاوى القضائية، وخاصة دعاوى مكافحة الاحتكار الكبيرة، تستغرق سنوات للبت فيها، وليس من المؤكد أبدا أن تنتهي هذه القضايا لصالح الحكومة. رُفعت قضية وزارة العدل في خريف عام 2020، ولا يُتوقع أن تُقدم للمحاكمة حتى خريف عام 2023، وقد يستمر ذلك بدون رئيس مكافحة الاحتكار في وزارة العدل، جوناثان كانتر، لأنه مثل بعضًا من منافسي غوغل في الماضي وقد يضطر إلى التنحي عن هذه القضية.

هل يمكن أن يكون كل هؤلاء المدعين العامين ووزارة العدل مخطئين بشأن غوغل؟ يعتقد آدم كوڨاسيڨيتش، الذي كان رئيسًا لاتصالات السياسة العامة في غوغل بالولايات المتحدة في أثناء تحقيق لجنة التجارة الفيدرالية، أن دعاوى البحث ليس لديها فرصة أفضل للنجاح الآن مما كانت ستعود إليه لجنة التجارة الفيدرالية في عام 2013 عندما اختارت عدم المواصلة في قضيتها ضد غوغل بشأن تفضيل خصائصها على منصاتها، مقارنة بشركات البحث المتخصصة المنافسة مثل «يَلپ Yelp».

وقال كوڨاسيڨيتش إن لجنة التجارة الفيدرالية «أقرت بصراحة بالصعوبات القانونية التي قد يواجهونها إذا حاولوا رفع القضية، والتي ما تزال صحيحة حتى اليوم»، وبالنسبة له، فإن جهود بعض أعضاء الكونغرس الحالية الضاغطة لتمرير قوانين جديدة تستهدف بعض هذه القضايا تشير إلى أن غوغل لم تنتهك أي من القوانين الحالية.

يمكن أن تكون مشاريع قوانين مكافحة الاحتكار (الموافق عليها بإجماع الحزبين) والتي قُدِّمت الصيف الماضي طريقا أسرع للتغيير، على الرغم من أنها لن تكون ذات تأثير كبير على نموذج أعمال غوغل مثل نتائج الدعوات القضائية التي تخسر فيها غوغل. كوڨاسيڨيتش ليس من محبي مشاريع القوانين تلك، وهو الآن الرئيس التنفيذي لمجموعة «غرفة التقدم Chamber of Progress»، وهو تحالف للشركات في قطاع التكنولوجيا ويصف نفسه بأنه من «يسار الوسط» وتحصل المجموعة على تمويلها من شركات التكنولوجيا العملاقة، بما في ذلك غوغل، والتي ستتأثر سلبا إذا مُرّرت مشاريع القوانين (لم يفصح كوڨاسيڨيتش عن مقدار التمويل الذي توفره غوغل). تحدث كوڨاسيڨيتش باسمه وباسم غرفة التقدم ضد مشاريع القوانين منذ لحظة تقديمها، وزعم أنها ستمنع الشركات من تقديم خدمات مُعينة، أو أن الحكومة تجبر الشركات على إحداث مشاكل أمنية في أجهزتها. ولكن يرى الرئيس التنفيذي لپروتون، آندي ين، ونائب الرئيس الأول للسياسة العامة لموقع «يَلپ Yelp»، لوثر لوي، أن مشاريع القوانين الجديدة ستساهم في جعل المنافسة شريفة وعادلة أكثر، وصرح لوي: «لا أعتقد أنني سأرى رد تشريعيًا آخر غير هذا في مسيرتي المهنية ردًا على تجاوزات شركات التكنولوجيا العملاقة».


[1] بِيع لاحقًا إلى ياهو لتستخدم تقنياته في الأرشفة والإعلانات.

[2] تأسست الشركة في عام 1995 كأول مخترع لإعلانات الراية/بانر Banner عبر مواقع الويب بحيث تتبع الأداة أداء هذه المواقع وأداة المستخدمين عبر ملفات تعريف الارتباط «كوكيز» لاستهداف مستخدمي الإنترنت استهدافًا أفضل، وتطورت الشركة على مدار السنين واستحوذت على شركات أخرى، كما أنها عرضت نفسها للاستكتاب العام في عام 1998، واندمجت مع شركات أخرى على طول الطريق قبل أن تستحوذ عليها غوغل يونيو 2008.

[3] تأسس موقع يَلب عام 2004 على أيد مبرمجين سابقين في موقع پاي پال PayPal، حيث حين مَرِضَ أحد المؤسسين بالإنفلونزا الموسمية وواجه صعوبات في العثور على ترشيحات عبر الإنترنت لطبيب جيد، قرر مع زميله تأسيس موقع ترشيحات وإحالات عبر الإيميل للأعمال التجارية، وكان صاحب الفكرة لنظام المراجعات من المستخدمين هو المستثمر التكنولوجي ديڨيد گالبريث، كما أنه هو من أعطى الموقع اسمه لقربه من كلمة Help وكلمتي Yellow Pages المعنية بالمعلومات عن الأعمال التجارية. لاحظ المؤسسين أن الناس في كان يتجنبون زر الإحالات والترشيحات في موقعهم الإلكتروني، ويتجهون نحو خيار المراجعات الشخصية لأنهم يعطيهم الفرصة لكتابة رأيهم دون تحديد هويتهم، وهو حدا بالموقع للتركيز على هذه الميزة والتي كانت الميزة التنافسية له في السوق.

[4] سوق فعلي (مدير إعلانات غوغل) يُقدّم خدمات بالشراكة مع شبكة غوغل الإعلانية للإعلان عن عمليات بيع وشراء الإعلانات، ويمثل سوق آخر للمعلنين لتقديم عروض أسعار للإعلان على الشبكة الإعلانية على الإنترنت، ويكون متاحًا للمسوقين، العاملين على حملات تسويق تستهدف جمهور مُعين، أن يصلوا إلى المواقع الإلكترونية للناشرين في خانة «مدير الإعلانات»، والتي توفر الإرشادات لإعلانات غوغل. تسيطر غوغل على 50% تقريبًا من هذا السوق إلى جانب منصات أخرى مثل OpenX وXandr وMagnite.

بودكاست عرب 48