إلى متى يستمرّ سُبات العملات الرقميّة الجديد؟

إلى متى يستمرّ سُبات العملات الرقميّة الجديد؟
(Getty Images)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48" لمقالة بيتر كافكا، المختصّ في شؤون التكنولوجيا وصناعتها ومستقبلها. كما أنه يقدّم "بودكاست" أسبوعيا مخصّصا لمستقبل الإعلام والتكنولوجيا.


لقد رأينا الأمر يحصل مرارًا وتكرارًا، أو أن أغلبنا على الأقل يعرف ما يحصل: تقنية جديدة تجذب انتباه الجمهور، وتحيّر المشككين، إلا إنها تثير انتباه المُعجبين والمؤيدين، والذين يبدؤون بنشر دعوتها وكأنها دين جديد سيغير كل شيء. وتبلغ النشوة مبلغها في أعين معجبيها، عندما تظهر إعلانات هذه التقنية في وسائل الإعلام الجماهيرية، بحيث تدعو الناس لاستخدامها، إلا أنها لا تزال مُربِكة ومُحيرة على كل المستويات، وبعدها... تنهار. وهذه هي قصة أول فقاعة ويب اقتصادية[1] في التسعينيات، والتي سُرعان ما فُقئت في آذار/ مارس من عام 2000.

يبدو أيضًا أن الأمر نفسه يحصل الآن مع العملات المشفرة و/أو "ويب 3"[2]، وهو الاسم الجديد الذي يجري تسويق العملات المشفرة تحته الآن. خلال العام الماضي، صار الكثير من الناس الذين لا يعرفون الكثير عن التكنولوجيا، يتحدثون عن "الرموز غير القابلة للاستبدال" أو "NFTs" دون أن يكون لدى أي منهم القدرة على شرحها أو فهمها تمامًا. وشاهد أكثر من 122 مليون إنسان مؤخرًا إعلانات لإحدى شركات العملات الرقمية المغمورة مثل FTX في بطولة السوبر بول، والتي لا يستخدم عدد من المشاهير منتجاتها، ولا يعرفون عنها أي شيء. وكان شعار الحملة: "لا تفوَّت الاستثمار في العملات الرقمية".

(Getty Images)

ونحن نشهد الآن انهيارًا لهذه العملات: اختفى ما قيمته من 1.5 تريليون دولار منذ الخريف الماضي مع انخفاض القيمة السوقية للعملات الرقمية، وانخفضت عملة البيتكوين بنسبة 56% عن ذروتها في تشرين الثاني/ نوفمبر، وانخفضت عملة الإيثيريوم بنسبة 63%، كما حصل الأمر نفسه مع عملة دوغكوين. حتى أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة وأبرز دعاة استخدام العملات الرقمية في مجال التكنولوجيا في آندرسن هورڤيتز، تنازلوا وقالوا إننا ندخل الآن في "سبات العملات الرقمية".

السؤال الكبير لكل من استثمر في التشفير حتى الآن، مثل المستثمرين المؤسسين، ومؤسسي الشركات الناشئة والموظفين، والناس العاديين، الذين اشتروا بيتكوين، أو الرموز غير القابلة للاستبدال" مثل القردة الرقميّة، هو: هل الأمر مختلف هذه المرة؟ ولكن للأسف لا توجد إجابة واضحة حتى الآن.

توجد حُجج تدعم الآراء المتناقضة على الجانبين، وهنا يجب أن نلاحظ أن المؤمنين بالعملات الرقمية، يبذلون جهدا كبيرا للتمييز بين "سلسلة الكتل"، إذ أن الحديث عن العملات الرقمية لا يكون بمعزل عنها بالغالب. تُعرف تقنية "سلسلة الكُتل" على أنها طريقة تخزين تسمح بتخزين قواعد البيانات عبر توزيعها إلى كتل مرتبطة ببعضها البعض في سلسلة، وتكون هذه البيانات متّسقة زمانيًّا بحيث لا يمكن حذفها أو التعديل عليها، من دون وجود توافق من الشبكة، وهو ما يسمح بوجود سجِلّ غير قابل للتغيير لتتبُّع الطلبات والمدفوعات والحسابات والمعلومات الأخرى لكل الأجهزة المرتبطة بالشبكة، وبحيث تكون المعلومة متوفرة عند كل الأجهزة المعنية داخل الشبكة. ومن هنا تتولّد العملات الرقمية على أنها من أصول تكنولوجيا "سلسلة الكتل"، ومن الناحية النظرية، لا ينبغي ربط الاهتمام بالعملات الرقمية بها، إلا أنهما في الواقع مرتبطان بشدة.

(Getty Images)

إذا كنت تعتقد أن العملات الرقمية تتراجع جنبًا إلى جنب مع بقية سوق الأوراق المالية وسوق التكنولوجيا على وجه التحديد، فيجب عليك الانتباه إلى انخفاض أسعار "الرموز غير القابلة للاستبدال"، أو "جولات الاستثمار المتناقصة"[3] للشركات الخاصة التي تضطر إلى جمع الأموال في صفقات تقدر قيمتها بأقل مما كانت عليه قبل أشهر فقط. ولعل هذا هو ما يحدث الآن مع شركة منصة تداول العملات الرقمية "بلوكفي BlockFi"، والتي اعتقدت قبل أقل من عام أن قيمتها تبلغ 5 مليارات دولار، ولكن يقدر المستثمرون اليوم قيمتها بمليار دولار. أو الانتباه إلى أن كافة شركات العملات الرقمية بالغالب، بما فيها "كوين بيز Coinbase"، والتي نشرت إعلانًا أمام الملايين قبل أشهر قليلة في بطولة السوبر بول، تقوم الآن بتجميد التوظيف، أو حتى بتسريح الموظفين.

وأثَّر ذلك على سوق التوظيف، حيث سيفكر الموظفون، الذين كانوا يفكرون بترك عملهم لدى عمالقة التكنولوجيا للعمل في نموذج "ويب 3" الناشئ، بطريقة مختلفة الآن، وتشير إحصاءات السوق إلى أن توجهات الانتقال الوظيفي لدى موظفي قطاع التكنولوجيا، بدأت تخفّض توجهها ناحية العملات الرقمية في هذا الوقت من العام مقارنة بالأشهر الماضية.

كما تواصل هذا التحول العام في الاتجاه ليشمل طريقة التعامل مع التقنية إلى جانب أفقها الاقتصادي، حيث كان من الصعب العام الماضي العثور على منتقدين للعملات الرقمية و"ويب3" في حقل التكنولوجيا علنًا، ولكن الآن، أخذ الكل ينتقدهم ويهجوهم، من الرئيس التنفيذي لشركة "بوكس Box" للتخزين السحابي وإدارة الأعمال، آرون ليفي، إلى مهندسة البرمجيات مولي وايت، التي تدير موقعًا مخصصًا لفهرسة عثرات وهفوات العملات الرقمية و"ويب3". كما تصدرت عناوين الأخبار التكنولوجية، أخبار مضحكة مثل أن أحدهم تمكّن من سرقة إحدى رموز سيث غرين غير القابلة للاستبدال والتي كانت شكل إحدى القرود الضجرة أو Bored Ape والتي تعد جزءًا من Bored Ape Yacht Club NFT.

(Getty Images)

وعلى النقيض من كل ما قلناه أعلاه، توجد حجج قوية لدى مناصري العملات الرقمية، وأنهم يتوقعون أن ما يحصل لها ليس انهيارًا، ولا فقأ فقاعة، بل دورات من النزول والارتفاع، وأن ما حصل الآن، حصل سابقا، وظن الجميع وقتها أنها انتهت، لكنها عاودت الارتفاع من جديد. وبينما تُنبئ آندرسن هورڤيتز برؤية صعبة وطقس ثقيل في مستقبل العملات الرقمية القريب، فإنها تمكنت من جمع صندوق بقيمة 4.5 مليار دولار مخصص لاستثمارات العملات الرقمية، وستدخل هذه الأموال السوق بلا منازع، ولا يزال الكثير من الناس أيضًا يستثمرون في العملات الرقمية مثل كاتي هون، المدعية الفيدرالية السابقة والتي أصبحت مستثمرة في العملات الرقمية وجمعت صندوقا بقيمة 1.5 مليار دولار في وقت سابق من هذا العام، كما أعلنت عن صفقة جديدة في بداية شهر حزيران/ يونيو من هذا العام.

وكما تشير الأرقام، وعلى الرغم من ضجر الناس من "القردة الضجرة"، ولكن هذا لا يعني سأمهم من "الرموز غير القابلة للاستبدال"، حيث ينتشر الآن في هذه الأسواق مجموعة Goblintown للرموز غير القابلة للاستبدال، وتصعد مبيعاتها بين المُهتمين بها على الإنترنت، وذلك على جانب عدد من مجموعات الرموز غير القابلة للاستبدال، مثل صور السيلفي للطالب الإندونيسي، والتي احتلت عناوين الأخبار في بداية هذ العام.

ويصرّ الكثير من مؤيدي العملات الرقمية و"ويب3" على أن الأفق ليس مخيفًا كما يبدو تمامًا، وأنهم صاروا معتادين على تأرجح أسعار العملات الرقمية بشكل كبير. سيكون من الغريب أن يقولوا بخلاف ذلك لأنهم غارقون فيه، لكن هذا لا يعني أنهم لا يصدقون ما يقولون.

(Getty Images)

يقول جارود ديكر، وهو رجل أعمال في مجال التكنولوجيا ومدير تنفيذي، وأصبح الآن مستثمرا في العملات الرقمية ضمن مجموعة تشيرنين، وهي شركة استثمارية متخصصة في وسائل الإعلام والتكنولوجيا: "يتكرر النقاش حول هذا الموضوع في كل مرة تنهار فيها أسعار العملات الرقمية، ولكن عندما تكون أنت في داخل دورة الصعود والانهيار، فأنت لا تشعر بذلك".

تظل العملات الرقمية في الوقت الحالي على الأقل، أمرا يهتم به الكثير من الناس غير المتخصصين أو العارفين، شئنا أم أبينا. وتشير شركة براندواتش، المتخصصة في تحليل المشاعر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن الإشارات الاجتماعية إلى "العملات الرقمية" و"الرموز غير القابلة للاستبدال" و"ويب3" ظلت إيجابية في الغالب خلال الأشهر الـ12 الماضية، كما بقيت تصنيفات التنزيل لتطبيقات تداول العملات الرقمية عند مستويات جيدة، وفقًا لموقع Data.ai.

ولكن إذا كنا نرسم أوجه تشابه بين دورة انهيار العملات الرقمية الآن وفقاعة الإنترنت الأولى، فمن المهم أن نلاحظ أن الفقاعة وقتها لم تنكمش بين عشية وضحاها في آذار/ مارس 2000، بل استغرق الأمر عامين لتصل إلى أدنى مراحلها. كانت موجات تسريح الموظفين وقتها مُتتالية وليست مفاجئة ومتوازية، وحصل من سُرِّحوا على مكافآت نهاية خدمة مُناسبة. أما موجات تسريح الموظفين الآن، أقلّ سخاءً من نظيرتها الأولى، بحيث لم يجد الموظفون في أيديهم أي شيء مع إغلاق الشركات نفسها، لأنها لم تملك أي شيء لتعطيه للناس.

(Getty Images)

الخلاصة الأخيرة هي أنه ليس بمقدور أي أحد في هذه المرحلة أن يجزم بأن سبات العملات الرقمية الطويل قد بدأ، ولا أن شتاءها قد حل، إذ نحتاج إلى مرور بعض الوقت قبل أن نعرف، ما إذا كان ما حصل جزء من دورة صعود وانهيار كما يشير مؤيدوها، أم أن الناس قد سئموا فعلًا منها، ومن قدرتها على خسارة قيمتها بين ليلة وضحاها، تاركة ضحاياها من الناس من الطبقات الدنيا وغير المتخصصين، والذين قدِموا إليها بحثًا عن الربح السريع والمضمون.


[1] تُعرف أيضًا بفقاعة الإنترنت أو فقاعة الدوت-كوم أو فقاعة تكنولوجيا المعلومات، وهي فقاعة اقتصادية امتدت بين 1995 و2000، نمت فيها أسواق البورصة في الدول الصناعية، خصوصًا في ما يتعلق بمواقع الإنترنت ومشاريعها الناشئة، وكان السبب هو أن أغلب أصحاب هذه المشاريع كانوا يمتلكون رؤية وصورة لزيادة عدد الزوار، دون وجود نموذج أعمال واضح يزيد من القيمة الربحية ومن القدرة على تحويل الزوار إلى زبائن. خسرت الكثير من المواقع والمشاريع الكبيرة وقتها تمامًا، واضطرت إلى إعلان إفلاسها وإغلاق أبوابها، وبقيت فقط مواقع قليلة "على قيد الحياة"، مثل موقع أمازون، إلا أنه خسر خسارة كبيرة من ناحية رأس ماله في السوق، كما خسرت شركة سيسكو لأنظمة المعلومات 80% من قيمتها السوقية.

[2] "ويب 3" مرحلة ونموذج يقوم الناس بموجبه بإعادة خلق الإنترنت بالاعتماد على تقنية "سلسلة الكتل" أو "بلوكتشين" والتي تتضمن إلغاء مركزية المعلومات والسيرفرات وتوظيف الاقتصاد المبني على الرموز غير القابلة للاستبدال. يأتي هذا النموذج المُقترح من الإنترنت على النقيض من نموذج "ويب 2"، كما يقترح بعض الخبراء، إذ إن أغلب معلومات الإنترنت متركزة في يد مجموعة صغيرة من الشركات وفي دول قليلة من الدول الصناعية مثل ألفابت (جوجل) وميتا (فيسبوك) وأبل وأمازون ومايكروسوفت، والتي تعرف غالبًا باسم الشركات التقنية الكبرى أو "عمالقة التكنولوجيا" أو "الخمسة الكبار". وقد جاء نموذج ويب 2 قائمًا على فكرة المحتوى الذي ينتجه الجمهور، بحيث صار المستخدم هو العنصر الأهم في سلسلة التسويق والربح والإنتاج، وفي كثير من الأحيان يكون هو السلعة أيضًا. بدأ نموذج "ويب 2" بالعمل مع بداية ظهور المنتديات والمدونات في أواخر التسعينيات وظهور مواقع التواصل الاجتماعي في بداية الألفية الثالثة، وهو مستمر حتى الآن. بدأ الإنترنت طبعًا بنموذج "ويب 1" والذي كان قائمًا ومبنيًا على صفحات الويب الثابتة والتي تعرض المعلومات والبيانات فقط من جهة واحدة، ويكون المستخدم فقط فيها مسُتهلكًا سلبيًا وغير متفاعل إطلاقًا، واستمر العمل بهِ من 1991 وحتى 2004.

[3] تحدث الجولة المتناقصة في التمويل الخاص عندما يقوم المستثمرون بشراء أسهم أو سندات قابلة للتحويل من شركة بتقييم أقل (Lower Valuations) من الجولة السابقة، وتحدث التقييمات المنخفضة في الشركات الخاصة لأسباب عديدة كما في الأسهم المتداولة العامة (Publicly Traded Stocks)، بما فيها ظهور منافسة جديدة وانحدار سوق الأسهم، وتغير تصورات المستثمرين عن تقييمات الشركات (مجتمع ميم للأعمال).

بودكاست عرب 48