ثورة اللاجئين في الولايات المتحدة

ثورة اللاجئين في الولايات المتحدة
عائلة مهاجرة من هايتي، قرب الجدار الحدودي للولايات المتحدة (Getty Images)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48"، لمقال كتبه مدير مبادرة الهجرة الدولية في منظمة "المجتمع المفتوح"، غريغوري مانياتيس، والذي عمل مستشارا لممثل الأمم المتحدة الخاصّ للهجرة، لأكثر من عقد.


تجاوز عدد الأفراد المهجّرين من بلدانهم في حزيران/ يونيو الماضي، ولأول مرة في التاريخ، عتبة الـ100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، من ضمنهم 30 مليون لاجئ عبروا الحدود الدولية، على غرار السوريين الذين عبروا برًّا إلى تركيا، والفنزويليين ممن تجاوزوا فجوة دارين، هربا من دولهم المنهارة، كما لجأ أكثر من خمسة ملايين أوكراني لجميع أنحاء أوروبا وخارجها في غضون أربعة أشهر فقط، لتولد بهذا، مشكلة دولية ذات أبعاد مذهلة، لدرجة يصعب معها تقديم حلول تقليدية.

وتعهدت الولايات المتحدة الأميركية، بصفتها دولة موقِّعة على اتفاقيات جنيف، بقبول الأفراد الذين يصلون إلى حدودها ويمكنهم إثبات أنهم غادروا أوطانهم "بسبب مخاوف من الاضطهاد لأسباب تتعلق بالعرق أو الدين أو الجنسية أو الانتماء لفئة اجتماعية معينة أو حملة الآراء السياسية"، وذلك بدون أن ننسى أن الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق صنعت هذه الظروف التي هجّرت الملايين في الأصل، ومع ذلك، لم تفتح الإدارات الأميركية المتعاقبة، أبواب الهجرة على مصراعيها، فمنذ عام 1980 حتى عام 2016، قبلت الولايات المتحدة ما معدّله 80 ألف لاجئ سنويًّا.

لكن ديناميكيات إعادة التوطين في الولايات المتحدة آخذة في التغير، كما تابعنا كيف سارع الأميركيون منذ أواخر نيسان/ أبريل بتسجيل بياناتهم في موقع تابع لوزارة الأمن الداخلي خاصّ باللاجئين، وعرضوا رعاية نحو 90 ألف أوكراني، ويُفترض أن يتجاوز الرقم 100 ألف قريبًا. الأمر ذاته في الخريف الماضي، وفي مساع مرتجلة أخرى، استقبلت الولايات المتحدة نحو 80 ألف أفغاني في غضون بضعة أشهر فقط، لكن وعلى النقيض من ذلك، أعاد برنامج قبول اللاجئين الرسمي في الولايات المتحدة توطين نحو 90 ألف لاجئ في السنوات الخمس، منذ عام 2018.

مهاجرون فنزويليون فشلوا بالوصول إلى الولايات المتحدة (Getty Images)

أشادت مختلف الأحزاب الأميركية بالخطوة ولم تقابلها أية احتجاجات رسمية أو شعبية كما كان الحال في الماضي، وذلك بفضل التغيير على المستوى الشعبي، إذ وضعت إدارة بايدن سياسات وبرامج طوارئ مكّنت الأميركيين من الترحيب بالأفغان والأوكرانيين المحتاجين ودمجهم في مجتمعاتهم. تعمل البرامج التجريبية هذه على تغيير النهج الأميركي لإعادة توطين اللاجئين، ووجهات النظر الأميركية بشأن الترحيب بالوافدين الجدد. وينبغي أن يلهم ذلك الولايات المتحدة لتبني نموذج جديد لإعادة توطين اللاجئين، متجذر في الرعاية المجتمعية، كما فعلت كندا منذ أكثر من 40 عاما. تتحرك إدارة بايدن بالفعل في هذا الاتجاه، ولكن يجب عليها تبني هذه الإستراتيجية بقوة وطموح وعلانية أكبر.

تاريخ إعادة التوطين

الهجرة حجر الأساس الذي بُنيت عليه الولايات المتحدة، لكن نظام اللاجئين الحكومي يعود بأصوله لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل تحديدًا في أعقاب الهولوكوست، عندما لزم الجماعات اليهودية وغيرها من الجماعات المدافعة عن اللاجئين ثلاث سنوات لإقناع الكونغرس بتمرير قانون الأفراد النازحين لعام 1948، وهي خطوة صعبة رواها ديفيد ناساو ببراعة في كتابه "المليون الأخير"، وحتى وقتها كانت الحاجة إلى الأيدي العاملة – لا الفطرة الإنسانية الخيّرة – من ساعدت في تمرير القانون، إلى جانب المجتمعات المحلية – وخاصة الدينية – ممَّن رحّبت بمئات الآلاف من الأوروبيين الشرقيين، الذين قبعوا في مخيمات النازحين لسنوات.

على الرغم من أن الولايات المتحدة أمة مهاجرين – وهو أمر لا يتعدى قصيدة إيما لازاروس المنقوشة على تمثال الحرية - إلا أنها بخيلة نسبيًا في الترحيب باللاجئين، وتدنى هذا الرقم للحضيض في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي صرَّح علنا بأنه يرغب بخفض اللاجئين من دول مثل سورية إلى الصفر، ليحدِّد بحلول عام 2020 عدد اللاجئين الذين ستستقبلهم الولايات المتحدة بـ18 ألف لاجئ فقط، ليُعاد توطين أقل من 12 ألف شخص في البلاد في ذلك العام.

يتحقق وكيل حرس الحدود الأميركي من هوية المهاجرين، أثناء انتظارهم بعد عبورهم الحدود من المكسيك (Getty Images)

وساهمت العنصرية وكراهية الأجانب في تغذية سياسة ترامب تجاه اللاجئين، خاصة عبارته الشهيرة خلال اجتماع لمجلس الوزراء، عندما أراد تقليل عدد المهاجرين الأميركيين من "البلدان القذرة"، على حد تعبيره، وهذه المشاعر لا تقتصر بأي حال من الأحوال على الرئيس السابق وحده، إذ لا يزال العداء العنصري حاضرًا بقوة في الحياة الأميركية.

لكن كيفية إعادة توطين اللاجئين في الولايات المتحدة على مدى السنوات الـ42 الماضية، أدّت أيضًا دورًا حاسمًا في تآكل الدعم المُرحّب بالأجانب وإدماجهم، ففي عام 1980، وفي أعقاب أزمة "لاجئي القوارب" الفيتنامية، أضفى قانون الأفراد النازحين، طابعا مهنيًا على إعادة التوطين، وأعطى السيطرة التشغيلية لعدد صغير من وكالات إعادة التوطين القومية، وكانت النتيجة نظامًا بيروقراطيًا صارمًا نظّمته وزارة الخارجية بإحكام، ممّا قلّل فرص الابتكار والمشاركة المجتمعية جذريًّا.

لكن هناك تحرّك متنامٍ لإحياء نموذج إعادة التوطين عبر الرعاية المجتمعية، كما كانت عليه الحال قبل عام 1980، وظهرت المبادرات المجتمعية من جديد عقب أزمة اللاجئين السوريين عام 2015 في أجزاء مختلفة من البلاد، قبل أن تتبناها إدارة بايدن رسميًّا في عام 2021، بدون أن ننسى أن أحد الأوامر التنفيذية الأولى للرئيس جو بايدن كانت بخصوص إنشاء برنامج تجريبي لرعاية اللاجئين في شباط/ فبراير 2021.

الوضع الحاليّ

تتولى وزارة الخارجية نظام إعادة التوطين، لكن الوكالات الفيدرالية ورئاسة الولايات والجهات المحلية الأخرى، تؤدي أدوارًا مهمة ومعقّدة أيضًا، حيث يتعين على أية وكالة لإعادة التوطين، التوقيع على اتفاقية تعاونية تتضمن 100 صفحة مُفصّلة، تنظم تفاصيل كثيرة، وصولا لعدد الشوك والمعالق في مطبخ اللاجئ، لكنها لا تولي اهتماما كبيرا للنتائج العملية للقادمين الجدد، مثل التوظيف أو الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، كما يغطي ضمان الدعم المالي الفيدرالي، أول 90 يوما بعد الوصول، ولا يشمل تكلفة النقل إلى وجهاتهم النهائية، إلى جانب خضوع اللاجئين لسنتين من الفحوصات الأمنية والصحية وأنواع أخرى من التدقيق التفصيلي، وينتظرون خارج الولايات المتحدة في بيئات غالبا ما تكون خطرة وصعبة عليهم، وقد تعقد النظام أكثر من قبل لدرجة جُمّدت فيها مساعي المنظمات الكبيرة والمنظمات الدينية.

تؤدي وكالات إعادة التوطين القومية التسع في الولايات المتحدة، ونحو 250 شركة تابعة لها، عملا ممتازًا وحيويًّا، موفِّرين أساسًا مستقرًّا لنظام إعادة التوطين، ويتعاملون مع بعض أشدّ الظروف تحديًا، إلى جانب تدريب المتطوعين. كما كان العديد منهم روّادًا في السنوات الأخيرة، بما في ذلك المؤسسات المجتمعية مثل الخدمات المتكاملة للاجئين والمهاجرين في نيو هيفن وكونيتيكت، والمجموعات القومية مثل الخدمة الكنسيّة العالمية، وكهنوت الهجرة الأسقفية، وHIAS (التي تأسست باسم الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين)، وأنشأوا قيادات مجتمعية لبرامج إعادة التوطين. إلا أنهم تمسكوا بقوة بنموذج أعمالهم الحالي، مقاومين أيّ نوع من الابتكار، وفشلوا في الاستفادة من المواهب الاستثنائية للأميركيين في جميع أنحاء البلاد، ليُضعِفوا بذلك الدعم السياسي للاجئين.

يمكن رؤية عواقب نهج الولايات المتحدة أفضل، عند مقارنته ببرنامج كندا، ففي قضية القوارب الفيتنامية في أواخر السبعينيات، فتحت أوتاوا الكندية برامج إعادة التوطين للجمهور من خلال الرعاية المجتمعية الخاصة، بدلا من الإصرار على نظام رعاية تديره الحكومة حصريًا. تستقبل كندا اليوم، نحو 40 ألف لاجئ سنويًّا – أي ما يعادل 350 ألف لاجئ في الولايات المتحدة، مقارنة بعدد السكان بين البلدين – غالبيتهم من خلال الرعاية المجتمعية، ولم يؤدِ هذا لتهديد برامج إعادة التوطين الحكومية القوية.

المهاجرون الفنزويليون الذين يخيمون على ضفاف نهر ريو برافو (أو نهر ريو غراندي، كما يطلق عليه في الولايات المتحدة) يتظاهرون ضد سياسات الهجرة الأميركية في سيوداد خواريز بالمكسيك (Getty Images)

انتَمى نحو ثلث الكنديين إلى مجموعات رعاية مجتمعية، أو دعموا واحدة، لذلك أصبح الدعم العام للاجئين لديهم في إعادة التوطين أمرًا مفروغًا منه، على عكس الولايات المتحدة، إذ دمّرت إدارة ترامب النظام تقريبًا بدون مقاومة تُذكر، وهو أمر مفزع. هناك فرق كبير بين ضغط المتخصصين في شؤون اللاجئين على المشرعين القانونين، وضغط جيران المشرّع ممن يتطوعون لدمج الوافدين الجدد، ويستفيدون من هذه التجربة، وقد أفاد احتضان اللاجئين مجتمعات بأكملها؛ لننظر فقط لكل من مدينة أوتيكا في نيويورك، ومدينة كلاركستون في جورجيا، لنتأكد من نجاعة هذا النهج.

تكمن قوة الرعاية الخاصة في استثمارها للمواهب الاستثنائية في كل مجتمع. اجتمع في بلدتي الصغيرة في ريف كونيتيكت نحو 350 شخصًا لدعم عائلة أفغانية من ستة أفراد وصلت الربيع الماضي، ولدى الأعضاء الـ50 الأنشَط في المجموعة، تشكيلة رائعة من المهارات المساعِدة في جمع التبرعات وتأمين وتأثيث السكن، وتجنيد العائلات في الخدمات الاجتماعية، وترتيب المواعيد الطبية، ومساعدة البالغين في العثور على عمل، وتسجيل الأطفال في المدرسة. تطمح المجموعة لاستيعاب عائلة أخرى على الأقل، وقد تشكل نحو 80 مجموعة رعاية في ولاية كونيتيكت في السنوات الأخيرة، حتى بدون إطار مرجعي للسياسة القومية لديهم.

من الواضح للمعنيين بالأمر أن الرعاية مفيدة للجهات الراعية كما هي للاجئين، خاصة مع العزلة الاجتماعية التي تكاد تصبح وباءً في الحياة الحديثة؛ لذلك يؤدي تحمُّل المسؤولية الجماعية بالترحيب بالوافدين الجدد، إلى ربط الجيران ببعضهم البعض، وتجاوُز الانقسامات الحزبية وغيرها، بطرق تعيد إحياء الحياة المجتمعية، وتخلق إحساسًا بقضية مشتركة، وتدعم الوعي المدني.

لنتعلّم من كندا

يجب على الولايات المتحدة وضع نموذج الرعاية الكندي معيارًا قوميًّا لإعادة التوطين مع تطويره، وهي عملية قيد الإجراء بالفعل، بعد أن قلبَ العام الماضي نظام إعادة التوطين الأميركي الذي عفا عليه الزمن، رأسا على عقب، مع مطالبة مجتمعات الرعاية المجتمعية على غرار الجنود الأميركيين المتقاعدين ممّن سعوا لدعم المترجمين الأفغان النازحين وعائلاتهم، وأعضاء الجالية الأوكرانية، والمنظمات الخدماتية، والجماعات الدينية، والهيئات المحلية، والكليات والجامعات، والأميركيون العاديون في جميع أنحاء البلاد، ممن أثّرت فيهم محنة الأفغان والأوكرانيين ليكونوا جزءا من الاستجابة للأزمات. وارتجلت إدارة بايدن لمعالجة زيادة الاهتمام والحاجة، وتشير هذه الابتكارات إلى الطريق السليم لنظام أقوى بقيادة المجتمع المدني للترحيب باللاجئين في الولايات المتحدة.

خلال تظاهرة في واشنطن، تدعو إدارة بايدن إلى منح الجنسية للمهاجرين غير المسجلين وإصلاح نظام الهجرة (Getty Images)

أحد الإصلاحات الحاسمة التي أجرتها الإدارة الأميركية في الخريف الماضي، هي السماح لأفراد المجتمع أن يصبحوا مسؤولين مباشرة عن إعادة التوطين، بدلا من حصرهم في التطوع لوكالات اللاجئين، ففي تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، عملت وزارة الخارجية مع مركز رعاية المجتمع، وهي منظمة غير حكومية جديدة، هدفها توسيع نطاق الرعاية في الولايات المتحدة من خلال التركيز على تطوير البرامج وبناء القدرات، لإطلاق برنامج دائرة الرعاية.

يسمح ذلك لخمسة أميركيين أو أكثر، بالاجتماع للترحيب باللاجئين الأفغان، بعد تلقي تدريب صارم، ومهّدت التجربة الناجحة لدوائر الرعاية الطريق لبرنامج "الاتحاد من أجل أوكرانيا"، الذي تم إطلاقه في نيسان/ أبريل، وأدى إلى زيادة غير عادية في عدد الرعاة.

ويتمثّل الابتكار الحيوي الثاني من قبل الحكومة الأميركية في جهودها لتسريع عملية التدقيق في اللاجئين بدون المساس بالمعايير الأمنية، خاصة مع تعقيد العملية السابقة وقلّة تنسيقها، ممّا أدى إلى أن يصل متوسط الانتظار خارج الولايات المتحدة إلى نحو عامين، وغالبًا تكون الفترة أطول من ذلك بكثير. تعمل إدارة بايدن على تقليل وقت الانتظار وأنشأت نظام معالجة لمدة 30 يوما للأفغان في الدوحة، من خلال زيادة الموارد الخاصة بالتدقيق، وفي حالة الأوكرانيين، وفي الوقت نفسه، ومع معظم الأفغان، سرّعت الحكومة الدخول إلى الولايات المتحدة من خلال توسيع نطاق نظام الإفراج المشروط الإنساني، مما يسمح للأفراد بالوصول بسرعة إلى برّ الأمان.

كما تعيد وزارة الخارجية التفكير في كيفية جلب المزيد من الجهات الفاعلة لمجال إعادة التوطين، معلِنةً مؤخَّرا عن دعوة لتقديم مقترحات تدعو المنظمات غير الحكومية للمساعدة في إحالة اللاجئين إلى نظام إعادة التوطين. على سبيل المثال، يمكن للمنظمات غير الحكومية التي تعمل مع الصحافيين في مناطق النزاع، أو المجموعات التي تعمل مع أعضاء مجتمع الميم، الذين يعرفون سكانهم وسياقاتهم المحلية بشكل أفضل من وكالات الأمم المتحدة، مساعدة أولئك المعرضين لخطر الاضطهاد للوصول إلى بر الأمان في الولايات المتحدة. كما طلبت وزارة الخارجية مؤخرًا مقترحات للمشاركة في برنامج إعادة التوطين مع التركيز على الترحيب بشركاء قوميين جدد.

المقرّ الرئيسي لمركز استقبال اللاجئين الأوكرانيين في كندا (Getty Images)

وسيأتي ابتكار آخر لاحقًا هذا العام، عندما تطلق الإدارة برنامجا رسميًّا خاصًّا للرعاية، يسمح للأميركيين بتحديد اللاجئين في الخارج ورعايتهم، لإعادة توطينهم في الولايات المتحدة، تماما كما يفعل الاتحاد من أجل أوكرانيا، ولكن من خلال برنامج قبول اللاجئين الأميركي الرسمي. وينبغي أن يتوسع هذا البرنامج التجريبي وأن يصبح دائما؛ ويمكن أن يكون في نهاية المطاف ركيزة أساسية لسياسة اللاجئين في الولايات المتحدة، وبدلا من استبدال نظام إعادة التوطين الحالي، فإنه سيعزز ويساعد على استدامته، كما هو الحال في كندا.

كل هذا يتطلّب بنية تحتية مدعومة من القطاعين العام والخاص، واستثمرت وكالات إعادة التوطين المحلية، وفاعلو الخير في الأنظمة اللازمة للرعاية التي يقودها المجتمع لعدة سنوات، ففي كانون الأول/ سبتمبر الماضي، أنشئ مكوّنٌ رئيسي في البنية التحتية مع إطلاق Welcome.US. وفي أقل من عام، حشدت المنظمة – التي تحظى بدعم مجلس الترحيب الذي يضم أربعة رؤساء سابقين، وعشرات الشركات والقادة الدينيين وغيرهم – الشركات والجماعات الدينية والمنظمات الخدماتية والأميركيين العاديين، للاستجابة للأزمتين الأفغانية والأوكرانية. ويقود مجلس أعمالها الرؤساء التنفيذيون لشركة "أكسنتشر" و"جوجل". وجمع صندوق الترحيب الخاص بها، ووزّع أكثر من 20 مليون دولار. وفي أواخر حزيران/ يونيو، أطلقت برنامجا لربط الجهات الراعية بالأوكرانيين الذين يلتمسون الدعم، وأكمل نحو ألفي أميركي طلبات الرعاية في أول 20 يوما فقط.

مقاومة التغيير... "الاتهامات بالعنصرية هو ما لا يمكن دحضه"

ستكون هناك مقاومة للتغيير كما هي العادة، وكما هو الحال في معظم المؤسسات، تحمي العقيدة المؤسسية مصالح اللاعبين الرئيسيين فيها، لكننا نودّ تجاوز الادعاء الخاطئ بأن المهنيين فقط هم من يعرفون كيفية توطين اللاجئين، على الرغم من أن الأدلة في كل من الولايات المتحدة وأماكن أخرى تتناقض مع هذا. بل أظهرت الأبحاث في كندا أن اللاجئين المكفولين برعاية مجتمعية أكثر عرضة للاندماج الحسَن في المجتمع، وإن افتقدت هذه الدراسات إلى الجانب الآخر من الرعاية الخاصة بالفوائد التي تعود على المجتمعات، إذ يشير العديد من الرعاة أن التجربة غيّرت حياتهم، وهي النتيجة النهائية التي يفوز عبرها الجميع.

مهاجرون أثناء انتظارهم بعد عبورهم الحدود من المكسيك (Getty Images)

وأدت الاستجابة المضيافة للنزوح الأوكراني في الولايات المتحدة وأوروبا مقارنةً بالاستجابة للاجئين من دول غير أوروبية إلى اتهامات بالعنصرية، وهو ما لا يمكن دحضه عندما يتعلق الأمر بالأفارقة ومواطني أميركا الوسطى والهايتيين وغيرهم. ولكن تُظهر الاستجابة في الوقت نفسه للأزمتين الأفغانية والأوكرانية أن الترحيب على نطاق واسع أمر ممكن، وبدلا من الوقوع فريسة للخطاب الاستقطابي، ينبغي على المسؤولين الحكوميين والناشطين العمل على الاستفادة من هذه اللحظة لتطوير هياكل مستدامة يمكن للاجئين الوصول إليها، بغض النظر عن العرق.

يستغرق بناء ثقافة مضيافة وقتًا ومشاركة مجتمعية شعبية، ولا يمكن أن يتم ذلك بأمر حكومي، ولنتذكر مدى صعوبة فتح الولايات المتحدة أبوابها حتى في أعقاب الهولوكوست. ويمكن مع مرور الوقت تشجيع أولئك الذين تقدموا لاستضافة الأوكرانيين على الترحيب بالآخرين. عرَض في المملكة المتحدة أكثر من 200 ألف فرد وجماعة، رعاية الأوكرانيين هذا الربيع. ويستقبل البعض بالفعل الأفغان الذين تم إيواؤهم في فنادق من قبل الحكومة. وفي بولندا، البلد الذي سادت فيه السياسة المناهضة للمهاجرين في السنوات الأخيرة، قال غالبية السكان إنهم شاركوا في الترحيب بالأوكرانيين.

يمكن مع وجود السياسات الحكومية والبنية التحتية المناسبة أن ترحب الولايات المتحدة بمئات الآلاف من اللاجئين سنويًا بشكل مستدام، مع استثمار القدرات المجتمعية الفاعلة لمساعدة المزيد من المحتاجين، من المشردين وطالبي اللجوء وغيرهم ممن يحتاجون المساعدة. بدلا من مطالبة الحكومة بالتدخل السريع، يمكن للمنظمات غير الحكومية ومجتمعات الرعاية المجتمعية أخذ زمام المبادرة بنفسها وبدعم من الحكومة. يمكن لنشطاء التغيير المناخي المساعدة في تنظيم جماعاتهم، لاستيعاب النازحين بسبب أزمة المناخ، على سبيل المثال، وهو ما قد يصبح التزامًا حكوميًا أكبر، ومن خلال فتح نظام إعادة التوطين، ستمكن الحكومة الأميركية المواطنين العاديين القلقين من الأزمات الإنسانية الدولية من المشاركة مباشرةً في عملية تأمين مستقبل أفضل لأولئك الذين أُجبروا على الفرار من بلدانهم.

لن تُحلّ المشاركة الشعبية للمجتمعات المحليّة كل مشاكل الهجرة، فلا يزال الكونغرس على سبيل المثال، بحاجة لإنشاء مسار توطين للأفغان والأوكرانيين الذين تم إطلاق سراحهم المشروط في البلاد، حتى تأمين وضعهم القانوني. كما يجب معالجة الأسئلة الرئيسية، بما في ذلك الوصول للأميركيين الراغبين في العمل كرعاة مجتمعيين وتمكينهم، وسبل دعم السياسات الفيدرالية وسياسات الولايات للمجتمعات التي تأمل في إعادة توطين أعداد كبيرة من اللاجئين.

(Getty Images)

لم تقتصر هذه الثورة الهادئة على الولايات المتحدة وحسب، بل طالت اثنتي عشرة دولة منذ عام 2016، ويرجع الفضل في ذلك للمبادرة العالمية لرعاية اللاجئين، وهي مبادرة تعاونية تتضمن حكومة كندا، وتعاون مسؤولوها ممن يعملون مع مركز اللاجئين بجامعة أوتاوا، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومؤسسات "المجتمع المفتوح" وآخرين، من نظرائهم في الأرجنتين وأستراليا وألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة وبلدان أخرى، لتصميم برامج رعاية مجتمعية.

يجب أن تصبح الرعاية المجتمعية لإعادة توطين اللاجئين، الانعطافة الرئيسة الثالثة في نظام اللاجئين في الولايات المتحدة، بعد قانون الأفراد النازحين لعام 1948 (واتفاقية جنيف لعام 1951) وقانون اللاجئين لعام 1980، ويتوجب على إدارة بايدن أن تجعل من العام 2022، العام الذي ولد فيه نهج جديد لإعادة توطين اللاجئين، فكما ارتقت المجتمعات الأميركية المختلفة إلى المستوى الذي يتطلبه هذا التحدي العالمي؛ يجب على الحكومة الأميركية تمكين ودعم جهودها في هذا الشأن.

اقرأ/ي أيضًا | صندوق النقد الدوليّ: ترياق مفيد أم سمّ زُعاف؟

اقرأ/ي أيضًا | لماذا يشعر الأميركيّون بأنّ العالم ينهار؟

اقرأ/ي أيضًا | التصيُّد الاحتياليّ الإلكترونيّ بالرسائل النصيّة القصيرة عبر الهواتف الذكيّة

بودكاست عرب 48