"للفاشيّة مستقبَل": مقابلة مع المؤرخ الإيطاليّ كارلو غينزبورغ

"للفاشيّة مستقبَل": مقابلة مع المؤرخ الإيطاليّ كارلو غينزبورغ
مسيرة لمؤيدي الفاشية في شوارع إيطاليا (Getty Images)

في ما يلي ترجمة بتصرّف، خاصّة بموقع "عرب 48"، لمقابلة أُجريَت مع أشهر مؤرخ إيطالي حول صعود الفاشية في إيطاليا والعالم، مع نقاشات أخرى، ذات صلة. أجرى المقابلة جوزيف كونفافرو، ونُشرت للمرة الأولى في Mediapart في 20 أيلول/ سبتمبر الماضي، ولاحقا تُرجمت للإنجليزية في موقع دار نشر "فيرسو"، وتُرجم عنها للعربية.


تماشيًا مع التقاليد العريقة التي يتلزم بها المركز الثقافي الدولي في سيريسي، كرّس مؤخرًا ستة أيام لمناقشة كتابات المؤرخ الشهير كارلو غينزبورغ (Carlo Ginzburg)، أحد أكثر المؤرخين الأحياء اقتباسًا في العالم وأوسعهم ترجمة لأعماله، وشارك في النقاشات زملاؤه القدامى وطلبة الدكتوراه الشباب.

ما زال المؤرخ غينزبورغ وهو في سن الثالثة والثمانين، يعيد تعريف مهنة المؤرخ وطريقة كتابة التاريخ، بعد أن بدأ رحلته البحثية بصياغة خطة جديدة للتقصي التاريخي، أو ما يُعرف بـ"التاريخ الجزئي micro-history"، داعيًا لتحجيم البحث التاريخي وتسليطه على أفراد بعينهم، بدلًا من الفئات الكبرى، سواء طبقات أو جماعات، مقترحًا مفاهيم جديدة مثل الإطار النظري الاستدلالي، وهو عبارة عن قواعد لتأويل القرائن التي قد تقارب الحقيقة، معارضا بذلك منهج البحث التاريخي الكمي، الساعي وراء الحقيقة عبر الأرقام والإحصاءات، ومنهج البحث التاريخي النسبي للمنعطف اللسانياتي، ممن يرى بأن التاريخ جملة سرديات مثلها مثل غيرها، ولا مكان فيها للأدلة.

وقد أمسى جينزبورغ اليوم مرجعًا يقتبسه الكثير بشعائرية بحثية مثيرة، وهو مرجع بالفعل في ثلاث مجالات تهمنا في المرحلة الحالية. أولا، في قضايا الأنثروبولوجيا الدينية والشعوذة والسحر والهرطقة، التي كرّس لها العديد من الأعمال، والتي تكتسب صدى جديدا اليوم، مع تفعيل شخصية "المشعوذ" في العديد من المجالات.

المؤرخ الإيطالي كارلو غينزبورغ (Getty Images)

ثانيا، تأويل الصور والمرئيات، التي كتب عنها عملا مهما بعنوان "الخوف، الخشوع، الإرهاب"، وأخيرا، موقع التاريخ في السياسة والقضايا العامة، مطوِّرًا إياها ضمن جدَلِه مع المؤرخ الأميركي هايدن وايت، بشأن قضية إنكار الهولوكوست، والتي تكتسب أهمية جديدة في عصر "الحقائق البديلة"، و"الأخبار الزائفة"، الصادرة عمن هم في السلطة، أو من خصومهم.

كل هذا كان كافيا ليجعلني أقابله، لو لم يدفعني شبح الانتخابات الإيطالية المقبلة (أُجريت المقابلة قبل الانتخابات الإيطالية الأخيرة) الممهدة لحزب ما بعد الفاشية، للبدء بموضوع يعز عليه، كونه كان طفلا يهوديا مختبئا خلال الحرب العالمية الثانية، إلى جانب أن والده الذي كان ناشرًا مناهضًا للفاشية، ومؤسسا مشارك لدار نشر "إينودي"، وقُتل عام 1944 على يد أعدائه في روما.

هل تخشى الانتصار المرتقب لحزب "إخوة إيطاليا"؟ وأين تصنفه في تاريخ الفاشية الإيطالية خاصة مع وصفه بحزب فاشي جديد؟

نعم، أنا قلق وخائف. الحزب يشير صراحة إلى التراث الفاشي، حتى لو حاول الظهور بوجه مختلف، ولا سيما من خلال التأكيد على ارتباطهم بالتعاون الأطلسي مثلما تؤكد زعيمته جورجيا ميلوني؛ لذلك، لسنا في السياق الفعلي للفاشية، ولكن لا يمكن إنكار أن العديد من أولئك الذين يصوتون لحزب "إخوة إيطاليا"، مرتبطون بالفاشية. شخصيًا أتجنب استخدام كلمة "الفاشية" خارج سياقها التاريخي، لكنني أتذكر في عام 2016 خلال حملة الانتخابات الأميركية، وكنت حينها في خضمّ بعض الأبحاث في شيكاغو، وعند مشاهدة خطاب الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، لم أستطع مقاومة إغراء الموقف باستخدامها.

الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب (Getty Images)

أكرر بأنها ليست فاشية بالمعنى الذي عرفناه تاريخيًا، ولكن هناك عناصر فاشية لا يمكن إنكارها مع دونالد ترامب أو جورجيا ميلوني، وحتى لو لم يلمح الأول صراحة إلى الإرث الفاشي كما تفعل الأخيرة، فإن للفاشية مستقبل. من الصعب محاربتها بعد الهزائم التاريخية لليسار، خاصة في إيطاليا، التي يمكننا القول إن يسارها لم يعد موجودًا، باستثناء بقايا هنا وهناك. لذلك، أنا متشائم جدا من الانتخابات، حتى لو ظلت النتائج غير متوقعة، بسبب مستوى الامتناع عن التصويت.

كيف تطوّرت مهنة المؤرخ برأيك بعد أكثر من نصف قرن من الانشغال بها؟

الحدث الأهم وما زال تأثيره حاضرًا ومتطورًا، هو التكنولوجيات المرتبطة بالإنترنت، وما أتاحته من نصوص، ومراجع، وتطوير لوسائل التواصل. لكن من الضروري الإشارة لما يقدمه الإنترنت من تساؤلات جديدة ومغايرة، لم نطرحها على أنفسنا من قبل، لا مجرد مساحة جديدة للبحث عن إجابات لأسئلتنا، وهذا يفترض مسبقا، الفضول الذي هو السمة المميزة لمهنة المؤرخ والتي يوفّرها التعليم.

دافعتَ عن الصحافي أدريانو سوفري، عضو الجماعة الثورية "لوتا كونتينوا (النضال المستمر)"، الذي اتُهم بالمشاركة في هجوم إرهابي وأُدين بقتل مفوض الشرطة لويغي كالابريسي عام 1972، مستخدما مناهج البحث التاريخي، لتنخرط في نقاش عام وسياسي. كيف ترى دور المؤرخين في الفضاء العام، وخاصة بعلاقتهم مع غيرهم؟

كان وراء كتابي "القاضي والمؤرخ: ملاحظات هامشية حول إجهاض العدالة في أواخر القرن العشرين"، دافع شخصي، كنت مقرَّبًا من أدريانو سوفري ومقتنعا ببراءته، وتُرجم الكتاب للعديد من اللغات، لأنه أثار أسئلة عامة من هذه الحالة بالذات. أعتقد أن المساهمة الأساسية للمؤرخ في النقاش العام، تظل هي البحث عن الأدلة وإثبات الحقيقة.

ودائما ما أضرب مثال الطريقة التي أثبت بها عالم اللغة لورينزو فالا في النصف الأول من القرن الخامس عشر، أن "تبرع قسطنطين" الذي يُقال إن الإمبراطور قد تنازل فيه عن ثلث الإمبراطورية للكنيسة الرومانية، مؤسسًا بذلك للسلطة الزمنية للباباوات؛ كان تزويرا لاحقًا. واليوم وفي عصر الأخبار الزائفة، نحتاج إلى علم فقه لغة "الفلولوجي"، يتكيف مع العصر الرقمي، خاصة مع صعوبة مواجهة سرعة انتشار التزوير والتضليل، في ظل بطء تقصي الأدلة والتحقق.

ميلوني، زعيمة "إخوان إيطاليا"، متحدّثة إلى وسائل الإعلام بعد ترؤسها للحكومة (Getty Images)

لكن هذا يعيدنا إلى سياق سياسي حساس، وإصراري على أهمية الأدلة في مقابل المنهج الشكوكي الجديد، الذي لا يرى فرقا بين السرد المتخيل والسرد التاريخي؛ هذا الموقف المنتشر في الأكاديمية المعاصرة، خاصة في الولايات المتحدة، أعَدَّ الساحة العامة لتداول الأخبار الزائفة التي نشهدها اليوم.

بالنسبة للمؤرخ الأميركي هايدن وايت، ممن جسدوا هذه النسبية، وناقشته في مناظرة عامة في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس بتنظيم من سول فريدلاندر، كان إنكار الهولوكوست غير مقبول أخلاقيا وسياسيا، لكن فرضيًا، يستحيل إثبات زيف الهولوكوست، لغياب أية أدلة على ذلك لدى وايت.

يظلّ الدفاع عن الأدلة ممكنا وضروريا من وجهة نظري، باستخدام أدوات المؤرخ، أو من خلال إعادة تفعيل التقليد الساخر الذي بدأ في القرن التاسع عشر، بمحاكاة ساخرة تسأل عما إذا كان نابليون موجودا، أم أنه حقا أسطورة؟ بالطبع كل الأسئلة مشروعة، لكن على من البيِّنة: على من يقرون بوجود نابليون؟ أم من يرونه مجرّد أسطورة؟

هل لك أن توضح عنوان الكتاب الذي نشرته مؤخرًا: "Nevertheless: Machiavelli, Pascal (غير أن: ماكيافيلي، باسكال)"، وموقع ماكيافيلي في عالمنا اليوم، بشكل يتجاوز الصورة النمطية السلبية للميكافيلية، والفكرة النمطية الأخرى خاصة المنتشرة في البلدان الأنجلوسكوسنية، مقارنة بفرنسا وإيطاليا، والتي بموجبها يجسد ماكيافلي نموذجًا للمواطن الصالح، مع إشارة الديمقراطيات المعاصرة إلى أهمية قيم الحرية أو التضحية بالنفس من أجل الصالح العام؟

درّست في عام 2001 في لوس أنجلوس، مباشرة بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، وقررت حينها أن أقدم لطلابي قراءة مفصلة لكتاب ماكيافيلي "الأمير"، وهو نص أساسي لفهم العلمنة. اكتسبت إعادة قراءته أهمية مضاعفة في خضم الحلقة الدموية والمفزعة للتطرف الديني، وفي ظل تفشي موضوع "عودة الدين" آنذاك. وجدت في قلب كتابه، كلمة "غير أن"، وانطلقت منها، لأدرك أنه تعلم التأمل في ثنائية القاعدة والاستثناء إلى جانب السفسطة القروسطية، عبّر قراءة النصوص التي توفرت له بفضل والده.

متجاوزًا في بحثي إمكانية تفاهة هذا التفصيل لبطل عصر النهضة، المنهمك بالتفكير السياسي لزمانه، وكيف ألهمته هذه السفسطة. أما الصلة غير المتوقعة مع الفيلسوف باسكال، فمردّها حاجتنا للعودة للهجوم الذي شنه مؤلف الرسائل الإقليمية (أي باسكال)، ضدّ السفسطة التي جسدها اليسوعيون بالنسبة له. أثار ماكيافيلي مشاكل لا تزال تهمنا، حتى لو كان ذلك في سياق مختلف تماما عن سياقنا، مثل العلاقة بين السياسة والدين، والقاعدة والاستثناء، وإجماع المواطنين والسلطة، وما شابه من مواضيع. من الضروري التمييز بين مفارقة الأسئلة التاريخية والمفارقة التاريخية للإجابات. يبدأ البحث التاريخي بأسئلة الحاضر، التي نعيد صياغتها عبر علاقتها بالوثائق التاريخية والمجتمع، فلا يمكننا أخذ فكرة أن التاريخ يعلمنا كيف نحيا بالمعنى الحرفي للكملة. المعرفة التاريخية ترياق للسم.

المشاركون يؤدون التحية الفاشية برفع اليد اليمنى في تجمّع في مدريد، بذكرى وفاة فرانكو، آخر ديكتاتور في إسبانيا (Getty Images)

خصصتُ فصلا من الكتاب للمثال الذي ضربه ماكيافيلي بين تأسيس جمهورية ونحت التماثيل، بناءً على تمثال داوود لمايكل أنجيلو. وفي كتابه "فن الحرب"، قارن فرض الشكل، أي السلوك، على "الرجال الأفظاظ" بإنشاء تمثال جميل من الرخام الخشن. فيما أرى هذه مشكلة لها أصداء مثيرة مع الحاضر، لأنها تمسّ التلاعب بالجماهير والسيطرة عليهم. نعم اختفى نظام موسوليني، لكنه ترك إرثًا يمكن إعادة صياغته بواسطة تقنيات مختلفة.

أنت ملحد ومع ذلك شغوف بالدين. لماذا اهتممت في الكتاب الأخير بتصريح للبابا فرنسيس بأنه "لا يوجد إله كاثوليكي، بل يوجد إله"؟

بالطبع، أنا ملحد وليس لدي تعليم ديني، وأنا كذلك يهودي جعلني الاضطهاد خلال الحرب أعي بأني طفلٌ يهودي، لكن كما قلت في الكتاب، أنا مهتم بالظواهر الدينية، التي نالت مكانة كبيرة من عملي كمؤرخ.

لا يمكن للمرء أن يهتم بتاريخ أوروبا دون أن يهتم بالدين إجمالًا والكاثوليكية خصوصًا، كما يستحيل فهم العالم بدون دين. شكّلت عملية العلمنة صدمة لكنها لا تزال غامضة، لتستولي السلطة العلمانية على رموز الدين وأدواته. بالنسبة لي، فإن تصريح البابا فرنسيس جزء من عملية طويلة من العلمنة وعلاقتها الجدلية مع الأديان، لكنه فاجأني، لأنني لم أكن أتخيل أبدا، أن يعلن البابا أنه من أتباع دين مشترك بين جميع شعوب العالم الأخرى.

خلال تظاهرة مناوئة للفاشية في أمستردام (Getty Images)

تتبعت بعدها جينولوجيا هذه الفكرة لأكتشف فكرا مشابها، صاغه الكاردينال الإيطالي مارتيني، وهو يسوعي مثل فرانسيس. إن اتفاقهما على العبارة القائلة إنه "لا يوجد إله كاثوليكي"، قادني لافتراض أن جذور الفكرة قد تكمن في تاريخ النظام الديني، الذي كانا أعضاء فيه، أي اليسوعية.

توفي صديقك وزميلك جان لويس كومولي في الربيع الماضي. ماذا كان إرثه بالنسبة لك؟

تأمُّله في الصور التي جمعت بين التفكير النظري والمعرفة العملية بطريقة نادرا ما توجد في شخص واحد. جاء لبولونيا لتصويري كجزء من مشروع بحثي على دانتي، وصوّر مقطعًا مدته 25 دقيقة أتحدث فيه عن لقاء متخيل بين دانتي وجيوتو. كنت رأسا يتحدث، لكنني فهمت معه كيف نلتقط الجسد داخل إطار.

اختتمت ندوة سيريسي المكرسة لك بمحاضرة بعنوان "نصوص وصور ونسخ على أكتاف فلتر بنيامين"، عائدًا فيها لجدلية الديمقراطية والتدهور الذي أحدثته التطورات التكنولوجية على الصور. في أي مرحلة من التاريخ نحن من وجهة النظر هذه، بالنظر إلى كيفية تحول نظام الصور بالكامل بواسطة الإنترنت؟

نحن في قلب نقطة تحول تاريخية نتائجها غامضة للآن، مع تفشي توتر شديد وغموض كبير في الصور التي غالبا ما نقرأها بطريقة مفرطة في التبسيط، وأحيانا محرجة بشكل من أشكال الصوابية السياسية. لم نتخذ مقياسًا بعد لما تعنيه فكرة فرادة بعض الصور.

بالطبع، لا أتحدث عن انتشار الصور عبر الإنترنت؛ على سبيل المثال ما يفعله متحف أوفيزي في فلورنسا بإعادة إنتاج لوحة مايكل إنجيلو بعنوان "دون توندو" بوسائل إلكترونية متطورة، وبيع النسخ شبه الأصلية لاحقًا. يمكن في ثقافتنا إعادة إنتاج النصوص بغض النظر عن طبيعة النشر أو لون الورق، وهو ما يفترض وجود نص غير مرئي مسبقًا، يمكن نسخه بدون مشاكل. لكن تظل لوحة لرافائيل مثلًا فريدة من نوعها، حتى لو نُسخت بشكل مثالي. بعض الصور غير قابلة للنسخ، وأنا ممن يعتبرون فقدان هذه الفكرة خسارة تاريخية مؤلمة.

بودكاست عرب 48