"هتاف المنسيين": تحليل النمط الغنائي المصري الحديث

"هتاف المنسيين": تحليل النمط الغنائي المصري الحديث
أرشيفية

يتصاعد الجدل حول أغاني المهرجانات وتنقسم وسائل الإعلام بين مؤيد ومعارض، وقرّر الشاعر والناقد المصري يسري حسان، إثر ذلك التعاطي مع الأمر بصورة مختلفة، وبدأ بجمع هذه الأغاني وتحليل مضمونها والبحث عن خلفيات أصحابها في كتاب أطلق عليه "هتاف المنسيين".

ويوضح المؤلف بدايةً، كيف استلهم فكرة الكتاب بعدما حاصرته أغاني المهرجانات في المتاجر ووسائل النقل ووصلت إلى عقر داره واستولت على أذنِ ابنهِ الأصغر فيقول إن "هدفي كان أن أكتشف وأعرف وأحلل، لا أن أصدر أحكامًا من أي نوع".

ويصف الكتاب بأنه "اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، المهم أنني حاولت تقديم شيء ولو بسيط عن ظاهرة جديرة بالبحث والتأمل".

ويحاول المؤلف رغم أنه ليس باحثًا في علوم الاجتماع، تقصي جذور الظاهرة ومعرفة نشأتها التي أعادها إلى ما قبل عام 2011، بعكس المتداول إعلاميًا حيث ألصقها كثيرون بالانتفاضة الشعبية التي أطاحت بحكم الرئيس الراحل حسني مبارك ضمن بعض مظاهر الفوضى آنذاك.

وقال إنه "لا أحد يملك تحديد الوقت أو المكان الذي ظهرت فيه أغاني المهرجانات بدقة أو صرامة، هناك من يقول إنها بدأت من المطرية، ومن يقول من مدينة السلام، بل ويُقال إنها بدأت من الفيوم، وإن كنت أشك في حكاية الفيوم هذه وأعتبرها مجرد مغالطة، لكن المرجح أنها بدأت قبل ثورة يناير 2011 ربما بخمسة أعوام أو أكثر".

غلاف الكتاب

ويميز المؤلف بين أغاني المهرجانات والأغاني الشعبية قائلًا إن "الأولى هي ابنة المناطق العشوائية التي نشأت على أطراف المدن أو خارجها والتي تختلف في تركيبتها السكانية وخصائصها عن المناطق الشعبية التقليدية".

ويلخص أسباب ظهور أغاني المهرجانات في تسع نقاط، وأبرزها؛ الرغبة في التمرد على كل ما هو رسمي أو راسخ أو محتفى به، وسهولة صناعة هذه الأغاني دون استوديو أو حتى ملحن، والثورة التكنولوجية المتمثلة في القدرة على نشر أي محتوى عبر موقع "يوتيوب".

أما عن السبب الأساسي من وجهة نظرهِ فهو أن مطربي المهرجانات "عندما ذهبوا لناسهم، ذهبوا كما هم، يقدمون المهرجانات إليهم، يعيشون عيشتهم، يرتدون نفس ملابسهم، ويتكلمون مثلهم ويغنون لهم بلغة قريبة إليهم حتى لو امتلأت بالتجاوزات اللفظية".

ويحاول المؤلف تعريف ذلك النوع من الأغاني فيقول إن "المهرجانات ليست واحدة، يعني ليس لها نمط واحد، بل إن الفرقة الواحدة لا تستطيع أن ترى خط ثابت يميزها عن غيرها".

ونقل عن لسان أحد مؤدي هذه الأغاني، أن السبب في تسميتها مهرجانات، يعود إلى أن "المزيكا (الموسيقى) التي أغني عليها تعبر بطبعها عن حالة المهرجان الغنائي، وأيضا بسبب إمكانية مشاركة أكثر من مطرب في أغنية واحدة، بالإضافة لإمكانية دمج المزيكا الراب والشعبي في أغنية واحدة".

ويعرض المؤلف بعد ذلك لأسماء الفرق، التي يبدو بعضها غريبا مثل "الدخلاوية" و"المدفعجية" و"الصواريخ" و"شبيك لبيك" ثم يتحدث عن أفرادها كاشفًا أن غالبيتهم لم يحصلوا على قدر جيد من التعليم أو لم يتعلموا من الأساس ويلقي الضوء على المهن البسيطة التي امتهنوها قبل الغناء، فمنهم من عمل جزارًا ومنهم السائق والحداد والحلاق.

ويُعطي الكتاب مساحة كبيرة لتحليل مضامين أغاني المهرجانات، علمًا أن المؤلف اختار نماذج التي تعتبر الأقل خدشًا للحياء حيث تمتلئ هذه الأغاني بكلمات التحرّش والإيحاءات الجنسية الفجة.

وكتب المؤلف تارةً باللغة العربية السليمة وتارة أخرى عاميّة كما جاء أسلوبه ساخرًا، وهو ما قد يرجع في جزء منه لطبيعةِ شخصية المؤلف وفي جزء لطبيعة الموضوع ذاته ومحاولة تقريبه للقارئ.

ويستدعي تلقائيًا عنوان الكتاب "هتاف المنسيين" اسم كتاب آخر لعالم الاجتماع سيد عويس بعنوان "هتاف الصامتين" والذي صدر عام 2000 وتناول العبارات التي يدوّنها عادة السائقين على سيارات النقل والأجرة وتحمل خلاصة تجاربهم في جمل ذات وزن وقافية، بينما يسري حسّان يوضّح وصفهُ لأعضاء فرق المهرجانات بالمنسيين قائلًا؛ إن "معظم صُناع المهرجانات عانوا نفس المعاناة، لم يشعروا بأن هناك دولة تهتم بهم، فقرّر كل واحد منهم إنه يعمل دولته الخاصة، وهذا سنلاحظه في معظم المهرجانات، كل فرقة وكل مطرب يتكلم عن جهته أو منطقته في المهرجان ويعدد صفاتها وصفات ناسها، وكيف أنها أحسن من غيرها".

مُضيفًا أن "المهرجانات، على ما أظن، هي الدولة الموازية، كل واحد وله دولته التي يعبّر عنها بطريقته الخاصة".

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص