"ليلة التأمل" - احدث رواية لبول أوستر

"ليلة التأمل" - احدث رواية لبول أوستر

ضمن إصداراتها الأخيرة صدرت عن دار فيبر أند فيبر للنشر رواية بول أوستر «ليلة التأمل» وبول أوستر من الأسماء المعروفة في رواية ما بعد الحداثة، وهو بالإضافة لذلك معروف بمواهبه المتعددة كشاعر ومخرج سينمائي ومترجم عن الفرنسية وكاتب مقالة. أعماله السابقة خاصة الروائية «ثلاثية نيويورك» وفي «بلاد الأشياء الأخيرة» توصف بقدرتها على بناء وهدم الواقع على نحو مجازي،


وضمن الإطار نفسه تندرج روايته الجديدة التي تصدرت فترة طويلة قائمة افضل المبيعات في الولايات المتحدة، والتي لا تزال تطرح السؤال ذاته... هل تخلص بول أوستر المغرم بدستويفسكي من أسره الجميل ربما؟ تدور تفاصيل «ليلة التأمل» حول حياة روائيين من نيويورك تلعب كتابة كل منهما دوراً تشريحياً في علاقته الشخصية بالآخر،


حيث يلتقي القارئ سيدني أور بطل رواية أوستر الأول الذي يشتري في سنة 1882 دفتر مذكرات ثم يبدأ باستخدامه في الكتابة بعد شفائه من مرض خطير ومغادرته المستشفى، وما أن يبدأ بذلك حتى يبدأ المشروع القصصي بالتأثير في حياته الشخصية. تدور تفاصيل القصة التي يكتبها حول إعادة تأليف قصة حياة بطل داشيل هاميت المعروف باسم فليتكرافت الذي يفكر في التخلص من حياته السابقة بعد نجاته بالكاد من حادث خطير،


وعندما يغير حياته أو«هويته» لا يأخذ معه سوى نسخة من رواية جديدة كان يقوم بقراءتها باعتباره في رواية أو ناشراً وليس رجل أعمال كما يتعرف إليه القارئ في رواية هاميت.


في حين يلتقي الآخر وهو زميله جون تروس «مؤلف هو الآخر» وهو يسلم أور في جلسة عائلية مع زوجته الناشرة، إحدى قصصه غير المنشورة للإطلاع عليها. وللمفارقة تدور القصة حول حياة نفس البطل، فليتكرافت، الذي يختفي من حياته السابقة كما يتزامن ذلك مع الإضطراب العاطفي الذي يبدأ باجتياح حياة أور وزوجته التي تصدر عنها تصرفات غريبة ولا يقتصر ذلك على حياتهما العاطفية بل يتعداه إلى المساس بحياتهما المادية حين تغلق دار النشر ابوابها.


هنا يبدو أوستر كما لو أنه يتساءل حول ما إذا كانت لتروس علاقة بزوجة أور وبالأشياء التي تهدد حياته الشخصية وتفقده الثقة في الواقع لكي يلجأ إلى الخيال. أما زيمر، الراوي الذي سبق للقارئ لقاءه في كتاب الأوهام فيلتقيه وهو يقوم بالدور نفسه في «ليلة التأمل».


ربما كانت رواية اوستر الأخيرة مألوفة لدى قارئه المعتاد، إلا أنها قد لا تكون كذلك بالنسبة لمن لم يعتد عوالمه أو كتابته ما بعد الحداثية المفرطة في التطرف إلى تقول عنه جوليا فلين ضمن مراجعتها الأدبية لروايته الجديدة «رغم أن بول أوستر واحد من أهم كتاب أميركا الذين يمتعونك بقراءتهم، إلا أن هنالك ما يشعرك بالإضطهاد جراء قراءتك له».


والواقع أن أوستر كما تريد أن تقول كاتب يجمع بين الأفضل والأسوأ في أعماله على نحو يمكنه من تقديم شخوصه في صورة يرثى لها ويشاد بها على المستوى الروائي الإبداع. فهي وفي مقدمتها سيدني أور شخصيات محتضرة ومنكفئة على الذات تتأمل دواخلها ولكنها واقعية جداً في سعيها إلى البحث عن الخلاص، وفي جنوحها إلى الإعتراف بالخطأ في النهاية بل وإدراكه بوعي شديد.


يعترف بول أوستر أن كتابة القصة من أولوياته على الرغم من عدم التزامه بفنياتها الحافلة بالكثير من التفاصيل التقليدية الدقيقة التي تنص عليها منذ اختراعها ربما على يد إدغار الان بو، المتمثلة في البداية والوسط والنهاية واكتفائه بجزئية صغيرة منها لكي يبني عليه وحداته القصصية المتفرقة التي لا تجمع بينها في الغالب قوانين صارمة تتعلق بالأحداث والمكان والزمان.


الوحدات التي تقرر أن حياة الأفراد تبدو هكذا، فهي غير محكومة بهذه الأشياء بقدر ما هي محكومة بتقلبات القدر «إنني أسعى من خلال روايتي إلى تجسيد العالم الذي أعرفه». كان أوستر في الخامسة عشرة عندما عثر على الكتاب الذي جعله يقرر للوهلة أن يكون كاتباً.


يقول: «كنت في السنة الثانية من دراستي الجامعية عندما قرأت «الجريمة والعقاب» لدستويفسكي واستحوذ على تفكيري، قلت لنفسي: لو ان هذا هو ما يمكن ان تكون عليه الرواية.. فإنني، أنا أيضاً، أريد أن اكتبها.


كان أوستر على الرغم من العلاقة غير الحميمية بين أسرته وبين القراءة قارئاً متميزاً في طفولته. في تلك المرحلة بدأت لديه موهبة تأليف القصص التي تدور موضوعاتها حول كرة القدم الأميركية التي انتقل بعدها إلى التركيز على قراءة روبرت لويس ستيفنسون وإدغار ألان بو. في التاسعة أو العاشرة كتب القصائد القصيرة وبعدها اكتشف دستويفسكي في الخامسة عشرة «كانت بالفعل تجربة عظيمة في حياتي».


مثل هذه الأشياء التي يصادف للمرء قراءتها في كتب السيرة الإعجازية، غير العادية، والتي يأتي الحديث عنها في روايات أوستر بما فيها روايته الأخيرة يبدو أنها تؤثر بلا شك في تفاصيل حياته الشخصية. فهاهو على سبيل المثال بطله أور يقرر كتابة قصة مستوحاة من قصة مشابهة من تأليف داشيل هاميت بطلها فليتكرافت يتعرض لحادث لكي ينجو منه بأعجوبة.


وعلى نحو مشابه يشعر أوستر بالتماهي مع هذا المؤلف في عبارته التالية «أحس كما لو أن أحداً كان قد أزاح الغمامة عن حياته وجعله يتأمل تلك الأعمال القصصية».


والحقيقة أنه ما أن أزاح ديستويفسكي الغطاء عن عيني أوستر، ابن الخامسة عشرة، حتى تسنى له معرفة طريقه في الحياة، كروائي. تماماً كما اتضحت الهوية الحقيقية لبطله أور، هوية الروائي. في هذه الجزئية يبحث أوستر في مسألة الهوية على نحو فلسفي. فهو يتحدى المفهوم التقليدي لها، وتبعاً لذلك فإن شخوصه لا تبدو على الإطلاق مركزية أو ذات هوية ثابتة، وبالتالي فإن الإستنتاج الوحيد الذي يتوصل إليه هو أن عليه أن يعيد اختراع نفسه، أوهويته كما فعل أور في «ليلة التأمل»


أو العم فيكتور في قصر القمر على نحو يجعل كل واحد منا مؤلف حياته الشخصية المتحولة بين هوية وأخرى، أوستر يتحول إلى أور وأور يتحول إلى اوستر، الذي بدوره يجد الوقت الكافي للكتابة عن قصص الآخرين، قصة بداخل قصة، كاتب بداخل كاتب.


إن الإنهماك في البحث في موضوع الهوية على هذا النحو هو ما يحول شخوص اوستر إلى موضوعات يدور هدفها الوجودي في الأساس حول حل المعضلات التي تكتنف حياتها وحياة الآخرين من حولها. من أنا، هل أنا ما أعتقد أنه أنا؟ البحث والتحقيق مع الذات يتحول إلى تحقيق مع الواقع في حد ذاته في الوقت الذي تزداد فيه الأمور تعقيداً، وغموضاً وتختفي كل الشواهد على وجود الحقيقة القائلة بأنك ما زلت مثلما كنت.


حتى أن ذلك يحمل أور وآخرين منهم كوين وتروس على الشعور بالوهن والتحطم الذي لا نجاة منه إلا بأعجوبة كتلك التي تحدث ساعة الإنكشاف والرؤية التي لا تتسنى إلا للأنبياء فتحمل شخوص أوستر على استرجاع تفاصيل مهمة كانت مغيبة عنهم لسبب لا يعرفونه. يقول أور «ولما حان الوقت لخروجي من المستشفى، كنت بالكاد قادراً على معرفة الكيفية التي يمكنني بعد ذلك أن أمشي بها، أو أتذكر من أكون..


كانوا قد يئسوا من شفائي واعتبروني ميتاً، أما الآن وبعد أن خيبت توقعاتهم ونجوت من الموت بأعجوبة، فلست أملك خياراً آخر غير العيش كما لو أن حياة أخرى كانت بانتظاري».


قبل كتابته الرواية بسنوات ظل أوستر يعمل كشاعر ومترجم مغمور. يقول عن ذلك طوال تلك السنوات دونما أي شعور بالإقتناع بأنني أكتب الرواية، حتى أنني لم أجرؤ على إطلاع الآخرين عليها، إذ أنني كنت أفترض أنها لم تكن هي ما أرمي إليه، وأنني سوف أستمر في كتابة الشعر. غير أنني، في أواخر السبعينيات تعرضت لحادث سيارة، ولم يعد بإمكاني الكتابة، لمدة عام تقريباً. وعندما أمكنني العودة للكتابة مرة أخرى، كتبت موضوعات نثرية.


كان ذلك غريباً جداً: كل ما حدث هو أنني توقفت عن ممارسة حياتي ككاتب وبدأت حياة أخرى. وأتصور أن ما حرضني على ذلك هو موت والدي، فبدأت بتأليف «اختراع العزلة» التي كتبت بعدها الرواية.


حول أسلوبه الروائي كتب بنجامين سترونغ يقول: «إن أسلوب بول أوستر لا يحتوي على أي زخرفة أو مبالغة في الغنائية، أو عبارات جميلة يمكن العثور عليها في بنية جمله الأنيقه. هنالك فقط صوت، يظهر في صيغة المتكلم، يقود القارئ إلى الأمام دون عناء كبير. وإذا كان أوستر قد أطلق على صامويل بيكيت لقب سيد الفواصل، «لكثرة استخدامه لها، ولو كان بيكيت يرى الكوميديا مجسدة فيها فإن أوستر يمكنه الإستماع إلى موسيقاها».


والواقع أن الجملة لدى اوستر لا تأتي إلا على هذا النحو الذي يستخدم فيه شتى علامات الترقيم بنهاية الأسبوع الأول من شهر يونيو، تحول الطقس نحو الركود، و الكآبة، والعفونة: يوم يأتي بعد الآخر من الأيام التي كنا نمضيها تحت السماء المتبلدة الضاربة للخضرة، والحرارة المنبعثة من تحت كل قطعة آجر أو بلاط إسمنتي.


دفاعاً عن تلك الشفافية يقول أوستر: «إنني أسعى إلى الكتابة بلغة شديدة الوضوح، شفافة تقريباً. ورغم اعتقادي بأن الشيء المثالي.. مستحيل، إلا أن هذا هو ما أسعى إليه.. كتابة رواية بلغة بالغة الشفافية يمكنها أحياناً أن تحمل القارئ على أن ينسى أن الكلمات هي وسيلة الإتصال. وأنك في داخل ما يحدث». ما يؤمن به أوستر هو أن الإيقاع يلعب دوراً أساسياً في كل شيء «إننا نقرأ في الواقع بأجسادنا، مثلما نقرأ بأذهاننا.


ولو قدر للقارئ أن يكون حساساً بما فيه الكفاية، وأن يشعر بتلك الموسيقى، أو الإيقاعات التي تحتوي عليها الكتابة.. فإن أنواعاً أخرى من المعنى ستأخذ في الظهور، تلك المعاني التي تعجز عن شرحها الكلمات. غير أن أسلوب أوستر يظل باستمرار رهناً لخدمة قصته المليئة بالأحدث الغامضة والصدف الغريبة والطرق المتشابكة التي يأخذك بعضها إلى البعض الآخر.


إن الأثر الواضح لتلك الشفافية ربما بدا أيضاً في أعماله الأخرى غير الروائية أو الشعرية.


من أعمال أوستر المهمة الأخرى مشاركته في إعداد ما يعرف بالمشروع القومي للقصة، وهو أحد المشروعات الإبداعية التي أشرفت عليها إحدى الإذاعات المحلية في سنة 1999 كنت أتحاور في إحدى الإذاعات حول واحدة من رواياتي، اعتقد أنها كانت تمبكتو. وبعد الإنتهاء من الحوار قال مضيفي، «تعرف لقد أعجبنا صوتك والطريقة التي تقرأ بها.


وربما قبلت الإنضمام إلى البرنامج» فكرت فيما قاله، كانت الفكرة رهيبة. وعلى الرغم من عدم رغبتي القيام بها، إلا أنني أجبت بالموافقة على التفكير فيها من باب التهذيب والكياسة. وعندما تناقشت فيها مع زوجتي قادتني إلى هذا المشروع « أعتقد أن مشروع القصة قد كشف لي عن الكثير مما تعنيه الحياة في أميركا».


صيف مبكّر


الأحد، 28 ديسمبر، 2003 ـ كنت أعاني من المرض لمدة طويلة. وعندما حان الوقت لخروجي من المستشفى، كنت بالكاد قادراً على معرفة الكيفية التي يمكنني بعد ذلك أن امشي بها، أو أتذكر من أكون. قال لي الطبيب، حاول أن تفعل ذلك، وستجد نفسك في دوامة الأشياء. على الرغم من عدم تصديقي له، إلا أنني اتبعت نصيحته على أية حال.


كانوا قد يئسوا من شفائي واعتبروني ميتاً، أما الآن وبعد أن خيبت توقعاتهم ونجوت من الموت بأعجوبة، فلست أملك خياراً آخر غير العيش كما لو ان حياة أخرى كانت بانتظاري ؟


بدأت بالخروج في نزهات قصيرة، لا تتجاوز مسافتها عن شقتي وحدة سكنية أو اثنتين ثم أعود إلى منزلي.


ورغم أنني لم أكن قد تجاوزت الرابعة والثلاثين، إلا أن المرض كان قد نجح في جعلي أبدو تماماً كما لو أنني رجل طاعن في السن ـ أحد أولئك المصابين بالشلل الارتجافي، غريبي الأطوار الذين يسيرون متثاقلين دون أن يتمكنوا من تقديم رجل على أخرى قبل النظر إلى الأسفل لمعرفة أي واحدة منهما تتقدم رفيقتها.


كان العالم يتواثب على نحو فجائي ويسبح أمام ناظري، متموجاً كما لو أنه صور منعكسة في مرآة، وكلما حاولت أن أرى شيئاً واحداً فقط، لكي أتمكن من عزل شيء بمفرده بعيداً عن تدفق الألوان المندفعة بسرعة شديدة ـ وشاح أزرق يلف رأس امرأة، على سبيل المثال، أو ضوء خلفي لشاحنة نقل ـ سارع بالتكسر والانقسام إلى أجزاء ثم الانحلال، والاختفاء كما تفعل قطرة الصبغ في كأس مليئة بالماء.


جاء الصيف مبكراً في تلك السنة. وفي بداية الأسبوع الأول من شهر يونيو، بدأ الطقس بالميل نحو الركود، والكآبة، والعفونة: يوم يأتي بعد الآخر من الأيام التي كنا نمضيها تحت السماء المتبلدة الضاربة للخضرة ... والحرارة المنبعثة من تحت كل قطعة آجر أو بلاط إسمنتي. وكنت ما أزال، أواصل إرغام نفسي على النزول من على السلم والخروج من البيت كل صبح ...


مقتطف من رواية «ليلة التأمل»


الكتاب: ليلة التأمل


الناشر: دار فيبر أند فيبر ـ لندن 2004


الصفحات: 304صفحات من القطع الكبير

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018