شمعون بلاص: إشكالية التوفيق بين العلم والدين

شمعون بلاص: إشكالية التوفيق بين العلم والدين

“قدمت من العراق، من عالم اعتبرته المؤسسة السياسية والثقافية، ليس مجرد عالم العدو، بل عالماً متخلفاً ليس فيه مِن قيم يمكن الاستفادة مِنْها. حركني هذا الرأي المسبق، كما حرك مجموعة مِنْ الأصدقاء مِنْ مهاجري العراق، لبذل ما في إمكانياتنا المتواضعة لتقديم صورة أخرى عن حياة الثقافة العربية. في الخمسينيات الأولى مِنْ القرن الماضي أقمِنْا في تل أبيب ندوة أنصار الأدب العربي، أجرينا في نطاقها لقاءات بين أدباء عبريين وعرب، وقدمِنْا محاضرات في الأدب العربي، كما ترجمنا منه إلى العبرية. هنا لا بد لي من أن أضيف أن موقف المؤسسة المتعالي تجاه العالم العربي أنعكس أيضا في نظرته التسلطية تجاه المهاجرين من هذا العالم، الذين أطلق عليهم الطوائف الشرقية، وهي تسمية لا تفتقد إلى نبرة الاستخفاف، أي إنهم خليط من الناس لا بد من إعادة تربيته وتثقيفه”.

كم تُناغم كلمة أو شكوى الأديب العراقي شمعون بلاص هذه، التي ألقاها في جامعة نيويورك، كلمة ابن وحشية الكلداني (ت903م) التي برر فيها سعيه لترجمة كتاب “الفلاحة النبطية” إلى العربية، بعد أن شعر بالاستخفاف العربي الرسمي لحضارة قومه، وهم سكان العراق الأوائل. قال: “إن قصدي الأول وغرضي إنما هو إيصال علوم هؤلاء القوم، أعني النبط الكسدانيين منهم، إلى الناس وبثها فيهم، ليعلموا مقدار عقولهم، ونعم الله تعالى عندهم في إدراك العلوم النافعة الغامضة، واستنباط ما عجز عنه غيرهم من الأمم” (مقدمة الفلاحة النبطية). وإن تباعد الزمن بين الكاتبين العراقيين لكن محنتهما واحدة هي التجاهل والتغييب بالتعريب في حالة ابن وحشية والتغرييب في حالة ابن بلاص، فالذين استخفوا به هم من نواب الثقافة الغربية التي تسيدت بإسرائيل، هذا ما شعر به اليهودي العراقي على وجه الخصوص، فهو لم يأت فارغ السلال من ثقافة وحضارة لكنه اصطدم بواقع آخر، لا ينفذ إلا بسلطان التغريب، والتعبير بلغة أخرى غير لغة طفولته وصباه.

كتاب شمعون بلاص، الذي تهجر من بغداده في الخمسينيات، “رواد ومبدعون.. دراسات في الأدب العربي المعاصر” (كولونيا: دار الجمل 2003) يزيدنا تفسيراً لكلمته المتقدمة، وهو إثبات ما تحاول تجاهله الأوساط التي حل بينها، وهي الحال التي عاشها ابن وحشية والمئات من مثقفي العصور الغابرة، فالأحوال لا تختلف كثيراً بين عصر وآخر. حاول بلاص تأكيد عدم استسلام المثقف العربي لسلفية ظلت مهيمنة على العقول مدى قرون، عبر البحث في نصوص يرى أن لها الريادة في الحداثة العربية، نصوص كثر تجريحها بمشارط المؤسسات الدينية والإعلامية، حتى كادت تختفي من رفوف المكتبات لكثرة محاولات التغييب والتدليس حولها. بينما ظهرت أصوات مدعية الدعوة إلى الحداثة دون أن تترك صدىً في حائط الزمن. ومن عجبي كيف يتصدى لمهام التبشير في الحداثة مَنْ يصرف زمناً في تأليف كتاب يخصص لتعزيز السلفية، لصالح “دار الملايين”، بينما يحذف من كتاب ألفه، لصالح الدار نفسها، في الشاعر العراقي “جميل صدقي الزهاوي” جوهرة الحداثة عند الشاعر، وهي قصيدة “أسفري” ومنها: “أسفري فالحجاب يا ابنة فهر/هو داء في الاجتماع وخيم/كل شيء إلى التجدد ماضٍ/ فلماذا يقر هذا القديم؟”. والشاعر لم يقل ذلك من باب الترف والدعاية بل كان مؤمنا بما يقول، وقد واجه ما واجه في سبيل قولته هذه من فتاوٍ وتجريح واعتداء من قبل العوام بإشارة من رجال السلفية ببغداد العثمانية.

يأتي كتاب شمعون بلاص منشطاً لذاكرة الريادة في معركة الحداثة، والتي تصدى لها كُتاب وباحثون كانوا على مستوٍ من الانسجام مع ذواتهم، راضين بما ستقود إليه مصائرهم ونصيبهم من التكفير والتغييب والاستخفاف إلى الحرمان من الكتابة والوظيفة. كانوا سعداءً بما نالهم من تعسف وإيذاء مقابل بذرة غرسوها فأخذت تتفتح في أرض هجرتها المبادرة إلى الجديد، وهجرها التجاوز على سكون الزمن العربي. حاولوا غرسها في عقول ظلت مشدودة للماضي بعقال متين، حاول إرخاءه المعتزلة في الزمن العباسي، حتى اصطدموا بجدار النص الثابت في الأعماق، يوم تغلبت عليهم سلفية الإمام أحمد بن حنبل، وسبقتهم إلى مناصرة السلطة مقالات أبي الحسن الأشعري. واستمرت الأيام بالتداول والثقافة في نزاع بين صوت الاختيار المكبوت وصوت الجبر المسموع. فسح خلفاء مثل عبد الله المأمون والمستنجد بالله، ووزراء مثل البرامكة، وسلاطين مثل البويهيين، للعقل والجدل مجالاً، فرحبت مجالسهم بالمانوي والمسيحي واليهودي والمجوسي ومَنْ اختلف في المذهب معهم، في حدود ما سمحت فيه آفاق أزمنتهم. لكن مقابل ذلك كانت تقف، على مسافة غير بعيدة، ممارسات أخرى، أجهضت تلك المحاولات ولم تبقِ منها سوى صداها الخافت في الرواية التاريخية، ولقسوة ما حدث أيام المتوكل بالله والقادر بالله وآل سلجوق، يعجب المرء كيف وصلتنا “رسائل إخوان الصفا”، وكيف وصلنا رذاذ من فكر المعتزلة العقلي، وكيف سلمت مؤلفات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي من الحرق؟ وفي أي الخزائن حفظ كتاب مثل كتاب “تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث” لسعد الدولة، بعد قتله بإشارة من الفقهاء، وهو وزير مالية دولة المغول. وفي أي مكان حفظت نكات ركن الدين الوهراني المحظورة؟ وربما حوى كتاب “زهر الربيع” لفقيه مثل نعمت الله الجزائري، رغم سماجته شيئاً من هذه الحداثة ففيه من الهزو بالثوابت. وغيرها من بقايا معطيات الحداثة.

وعلى الرغم من دوافع تلك الأزمنة في الميل عن نمط الكتابة والتفكير السائدين إلا أنها ظلت محدودة ومقيدة بالنص؛ فلم تظهر إلا عبر اختلاق أحاديث نبوية أو خطبة لخليفة من الخلفاء، وظل الحال كما هو عليه حتى القرن التاسع عشر، فلم يخرج محمد عبده في “ طبائع الاستبداد” وعلي عبد الرازق في “الإسلام وأُصول الحكم”، وقبلهما محمد حسين النائيني في “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” من دائرة النص، فكل منهم حاول تأكيد فكرته عبر نصوص دينية، إلا أنها مخالفة للنمط الرسمي. وربما هي الطريقة المفيدة في التأثير بالعوام، فهؤلاء مشدودون بقوة إلى الماضي.

بيد أن ريادة الحداثة التي بحث فيها كتاب شمعون بلاص جاءت متأثرة بثورة علمية وفكرية، هبت رياحها بأوروبا، بعد صراع شديد بذل المئات من المفكرين والأدباء حياتهم دونها، يوم كان الخروج عن الكتاب المقدس وعلم اللاهوت وأفكار توما الأكويني جريمة عقابها الموت حرقاً. وبهذا تبدو مغامرة الحداثة في الثقافة العربية نعيماً بالمقارنة بجحيم المواجهة مع الفكر الديني بأوروبا القرون الوسطى، فقد اقتصر الكبح على حجب الكتب و الحرمان من الكتابة والوظفية والتشهير. والسبب على ما اعتقد هو عدم تبؤ رجال الدين أو المؤسسة الدينية الإسلامية السلطة مباشرة، بل طوال الحكم الإسلامية كانوا وعاظاً للسلاطين لا سلاطين. وهذا ما تريد أن تثأر له الأحزاب الدينية اليوم، من التي ركبت قاطرة الديمقراطية لشعورها بتوافر الأغلبية عبر المسجد والضريح، ولولا هذا الشعور لاتخذت من الجهاد سبيلاً. بمعنى أنها تريد عودة الشعوب الإسلامية إلى تجربة أوروبا في القرون الوسطى، وعلى هذا تأمل حجم خسارة الحداثة في حال تحقيق هذه النوايا.

اشتدت المعارك بين الدين والعلم والفن بأوروبا القرون الوسطى، وأي محاولة كانت ملجومة مسبقاً بلجام الكنيسة، وعلى الرغم من ذلك ظهرت روائع الفن وبدائع العلم عالية النوعية، ولم تنتقل هذه المعارك إلى شرقنا العربي الإسلامي إلا منتصف القرن التاسع عشر، ولم تظهر في الأدب العربي إلى في بداية القرن العشرين. ففي هذين القرنين نضج الخلاف “بين الموروث والمستحدث (و) وخطا الأدب العربي خطواته الواسعة للانطلاق من قوالب التقليد الجامدة، ولاستيعاب الفنون الأدبية المتطورة من الغرب”(من مقدمة رواد ومبدعون). فحسب مؤلف الكتاب كانت إشكالية التوفيق بين العلم والدين هي محور هذا الخلاف، وهي أخطر ما واجهه ويواجهه حتى يومنا هذا المحدثون. عموماً، إن مجرد ربط الإبداع أو البدعة بالضلالة ومصير الحداثيين الضلاليين هو النار، أي الإصرار على إبعاد التجديد في الفكر، وقد تجاوز هذا الإصرار في عصرنا الحالي إلى تحريم استعمال الوَرْد في مناسبات الفرح والحزن على السواء، لأنه ليس من سنُّة السلف الصالح، فتأمل ما هو مدى الضيق الذي تعيشه الحداثة، في حال أن يتحول مثل هذا المفتي من منصب الواعظ إلى منصب الحاكم!

لا يخضع بطبيعة الحال مجمل النص الديني المقدس للتفكير المنطقي والجدل، إلا بحدود الفروع أي الاجتهاد في المعاملات الفقهية في بعض المذاهب، أما الأُصول فثابتةعند الجميع، لأنها وحي يوحى. بينما العلم هو منظومة الأفكار والنظريات المتغيرة، ولا وجود لها من دون إخضاعها للمنطق وقبولها للجدل المستمر. وبهذا لا ينسجم الدين مع الإبداع العلمي والأدبي، وما محاولات تفسير النص المقدس تفسيراً علمياً إلا إيذاءً للنص وللعلم في الوقت نفسه، لما فيها من تحايل على الجانبين. كان النص القرآني أول ملجم للإبداع الشعري جاء في في “سورة الشعراء”: “هل أُنبئكم على مَنْ تَنـزَّلُ الشياطين تَنـزَّلُ على كل أفّاكٍ أثِيم يُلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغَاوون ألم ترى أَنهم في كلِّ وادٍ يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعدما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”. ففي المنطق الديني على الشاعر التقييد بالمقدس الثابت والتخلي عن خياله وشيطانه الشعري، بينما لا يرى منطق الإبداع الشاعر شاعراً إذا لم يطلق العنان لخياله وعاطفته ويجالس شيطانه. فنموذج الشاعر الصالح هو حسان بن ثابت صوت الدعوة الصادح، امرؤ القيس هو نموذج الإبداع الشعري. لقد عطل التقيد بالنص الديني إبداع سيد قطب الأدبي والنقدي، مثلما ظهر في عمله الرائع “ابن القرية” ليمسي مفسراً وواعظاً وسياسياً إخوانياً، لا يرى في الأدب والشعر ولا الحياة المعاصر عموماً غير الجاهلية.

كانت الأعمال الرائدة، حسب شمعون بلاص في الأدب هي أعمال فرح أنطوان: “الدين والعلم والمال، و”الوحش الوحش الوحش” و”أورشليم”، وعمل نجيب محفوظ “أولاد حارتنا”، ومسرحية “المسد” لمحمود المسعدي، وأعمال جمال الحسيني وأدور خراط وأميل حبيبي وأخيراً شالوم درويش. أما في البحث فالريادة كانت لمنصور فهمي في “أحوال المرأة في الإسلام”. وليس كل الأعمال واجهت إشكالية التوفيق بين العلم والدين، وإنما هناك ما واجه إشكالية التوفيق بين العصرنة والتقليد السائد، ومنها ما اختص بالحداثة في أدوات الكتابة. أكد فرح أنطوان في أول أعماله الأدبية متسع العلم وضيق الدين عبر حوار بين رجل الدين ورجل العلم، والنتيجة أن العلم يسعى إلى تحقيق الحرية وقبول الرأي الآخر، بينما الدين لما فيه من ثوابت ومسلمات مقدسة يحاول فرض التعصب. ومن غير أعماله الأدبية تعرض فرح أنطوان إلى التشنيع من قبل رجال الدين، وقد أقحم الشيخ المتنور محمد عبده عن طريق تلميذه محمد رشيد رضا في المواجهة الحوارية مع أنطوان عبر مجلتي “المنار” و”الجامعة”. وسبب ذلك أن أنطوان كتب في مقال له حول فلسفة ابن رشد أعتبر فيه المسيحية أقرب إلى التسامح الديني من الإسلام، وذلك بحكم وجود الشريعة وممثلها في السلطة هو الخليفة. لكن لم يقف محمد عبده ولا محمد رشيد رضا، الذي مدح البلشفية وثورتها على صفحات مجلته “المنار”، ضد أعمال أنطوان الأدبية أو ضد دعوته إلى الحداثة، إنما الأمر تعلق بتفضيل المسيحية على الإسلام، بل أكثر من هذا يرى شمعون بلاص أن المنافسة بين المجلتين كانت وراء هذا الجدل.

وجد بلاص في رواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا” عملاً آخر في تأكيد إشكالية التوفيق بين العلم والدين، فالكاتب في روايته، التي منعت من النشر بمصر من دون أن يسجن صاحبها أو يحرق مثل ما كان الحال بأوروبا العصور الوسطى. قدم محفوظ نقداً لقصة الخليقة الدينية برمزية مفضوحة، فالأسماء لم تخفِ مدلولاتها الحقيقية، والحارة هي الفردوس الذي طرد منه أدهم وهو آدم، وكانت المعرفة وراء تعاسة الأخير والبشرية جمعاء، وبهذا ظهر أدهم غبياً عندما كان ينعم بالفردوس بينما بدا إدريس وهو إبليس ذكياً فطناً، يعرف كيف يتحايل على أدهم وذريته. وهنا ترتبط الساعدة بالجهل وهو ما يبشر له رجل الدين اليوم، فالجاهل ينفذ فتاوى مقتنعاً من دون أن يقلب نصوصها. قال بلاص مقرباً الصورة “في أولاد حارتنا وفي جزء عرفة قال نجيب محفوظ كلمته في مسألة شغلت مفكري النهضة، وأدباء الجيل الذي تأثر بتعاليم محمد عبده، حول التوفيق والمصالحة بين الدين والعلم، وكانت كلمته واضحة لا لبس فيها، وهي أن هذه المسألة صادرة عن خطأ في الرؤية، إذ أن كل من الدين والعلم له مجاله الخاص، المنفصل انفصالا تاماً ومطلقاً عن الآخر”. وينتهي بلاص إلى القول أن محاولات الأنبياء، وهم في الرواية جبل ورفاعة وقاسم، ظلت تدور في مدار الإيمان الغيبي حول إمكانية تحقيق السعادة، لكن عرفة وهو الإنسان المفكر لم يتوقف عن محاولات التغيير “ظهور مَنْ يتخذ من العلم وسيلة لتحقيق السعادة والعدالة”. أضيف إلى هذا أن أفكاراً مثل المسيح المخلص، وعودة المسيح، والمهدي المنتظر، وهي واحدة في معناها العام وغرضها في أنتظار الأمل، ما هي إلا محاولات غيبية أخرى للتوفيق بين الشواذ والنقائض، وتأجيل الصراع بين الدين والعلم، لكنها على صعيد آخر تفسح المجال للإنسان أن يتدبر شأنه خارج المؤثر الغيبي في نظام سياسي مناسب، فليس هناك زمن محدد لظهور المسيح المخلص أو المسيح أو ظهور المهدي المنتظر.

أما مسرحية “السد” لمحمود المسعدي هي الأخرى جاءت تأكيداً لإشكالية التوفيق بين الدين والعلم. فالإله صاهباء تمنع الإنسان المشار إليه بمروان من محاولة العمران، وتدمر كل ما يفعله من أجل تشييد السد، ثم تكشف المسرحية عن سطوة الدين على الناس المشار إليهم بالعمال، فقد وقفوا بتمردهم ضد مروان لأنه تجاوز المقدس وإن كان مدمراً. فالدين ومَنْ يمثله لا يريد أي إصلاح خارج إرادته ومشورته وسطوته. عموماً، ما يجمع بين أعمال فرح أنطوان ونجيب محفوظ ومحمود المسعدي الجرأة في إعلان الخلاف بين الغيبي والواقعي، وإعلان الدين كعقبة أمام التحرر، وبالتالي لا تتحقق حداثة من دون خوض الصراع، أو في الأقل التشجيع على خوضه.

نكتفي بهذا القدر فيما يخص الأعمال الروائية، والتي تميزت عنها أعمال الروائي العراقي شالوم درويش بكشف التعارض بين الحياة المعاصرة التي دخلت إلى بغداد في العشرينيات، وهو أحد رواد الأدب المعاصر بالعراق. وانتهي بعمل منصور فهمي، الذي اختاره شمعون بلاص أن يكون رائداً في محاولة التوفيق بين النص الديني وأدوات البحث العلمي. وهنا تأتي إشكالية التصادم بين المقدس الذي زرع في المخيلة وبين التاريخي، الذي يستدل عليه من البحث في الروايات. فالنبي محمد شخصية معصومة في المخيلة، ولكن كتب التاريخ ذكرت عنه ما كان يتصرف به كإنسان، سواء كان ذلك في الغزوات أو في الدار أو مع النساء والأصحاب. وفهمي أحد المبتلين بتهمة التجاوز على المقدس، لذا عد عمله “أحوال المرأة في الإسلام” الذي قُدم كأطروحة لنيل شهادة الدكتوراه من فرنسا، من الأعمال الحداثية المبكرة، فلم يسبقه إلى هذه الجرأة أحد، وقد أدى هذا العمل إلى إصدار لوائح مقيدة للبحث العلمي من قبل الجامعة المصرية. تابع شمعون بلاص حياة منصور فهمي، من تمرده وحتى انكساره وربما ندمه على ما بحث وتجاوز المحظور. ختم بلاص كتابه مقيماً تجربة هذا الباحث: “رجل سريع التكيف لم يتردد في الاختيار، إذ سرعان ما نزع ثوب العلم ولبس لبوس المحيط الذي يضمه. ومع ذلك، فقد عاش مأساة حياته في أزمة من تأنيب الضمير، ولذلك كان ينشد نوعاً من العزاء في إسداء النصائح لطلابه بأن يتمسكوا بالحقيقة، وأن يسلكوا السبيل الذي لك يكن هو أهلاً له. لقد لعب دوره في مسرح الحياة ومضى، ناسياً أو متناسياً العمل الوحيد ذا القيمة الذي أنجزه، فهل سينسى التاريخ هذا العمل، أم سينسى سيرة الرجل؟”.

لا أدري إن كان شمعون بلاص قصد إلى اختيار نماذج حداثية من أتباع الأديان الثلاثة، اليهودي والمسيحي والمسلم، لينبه إلى أن إشكالية التوفيق بين الدين والعلم لا تقتصر على دين دون آخر من أديان المنطقة. وعودة إلى المستهل أن مؤلف “رواد ومبدعون”، الذي وجد نفسه خارج حدود وطنه العراق، بعد مطاردة شرطة محكمة عبد الله النعساني والصحافة القومية المحرضة على التدمير والفرهود، وجد في أرباب الحداثة بمصر والعراق والشام ما يؤكد فيه أُصول ثقافته، التي لا تشبه الرداء حتى يخلعه ويكف من الحنين إليه، فالهجرة ليست خياره، إنما فرضتها عليه قسوة قادت العراق إلى ما قادت من الفواجع.

(عن "أيلاف")

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018