القراءة الصهيونية للتاريخ

القراءة الصهيونية للتاريخ

يتناول الدكتور قاسم عبده قاسم في هذا الكتاب واحدة من أهم القضايا الفكرية على الإطلاق، تتعلق بالتاريخ، والذي ـ كما يقول المؤلف ـ لا ينتمي للماضي سوى من حيث موضوعه، أما هدفه وفائدته فهما يتعلقان بالحاضر والمستقبل، وقد كان هذا هو السبب الذي دفع ببعض الجماعات الإنسانية إلى أن تعيد قراءة وكتابة تاريخها وفق ما يخدم أهدافها ومصالحها الآنية والمستقبلية.


وحسبما يذهب المؤلف فإنه من خلال هذه القراءات أو الكتابات يتم إعادة تسليط الضوء على عناصر تاريخية بعينها، من الممكن أن تكون قد أهملت في الماضي، وفي محاولة لاستخلاص العبر من تسجيل التاريخ يشير المؤلف إلى أنه إذا كان الحدث التاريخي يحدث مرة واحدة فقط، فإنه رغم ذلك يتعرض لعدة قراءات وكتابات من الممكن أن يكون بعضها منحازاً لأيديولوجية معينة وهذا بعينه ما تناوله الدكتور قاسم في كتابه الذي نعرض له.


ومن خلال الكتاب يستعين الدكتور قاسم عبده قاسم بأحد الأحداث التاريخية وهي الحروب الصليبية كنموذج للحدث التاريخي وما تعرض له هذا الحدث من قراءات وكتابات عدة عملت على تطويعه وفق ما يخدم الأيديولوجية الصهيونية، والتي اعتاد معتنقوها على استخدام النماذج التاريخية لتحقيق أهدافهم وترويج أفكارهم التي تدخل في إطار الخرافة والأسطورة.. هذا كله بعد ليّ الحقائق والتذرع بقدسية الحركة الصهيونية.وقد اهتم المؤلف في البداية بتوضيح الأبعاد المختلفة لهذا الحدث التاريخي المهم حتى يمكن الفصل بين ما هو حقيقة وما هو كذب وتلفيق في شأنه.


فعن الخلفية الأيديولوجية التي قامت عليها الحركة الصليبية يشير إلى أن هذه الحركة استمدت فكرتها من ثلاثة تيارات فكرية رئيسية هي:


التيار الأول جاء في داخل الديانة المسيحية نفسها متمثلاً في التطورات الفكرية والممارسات الدينية التي تبلورت في القرن الحادي عشر والتي كان أهمها كلاً من فكرتي الحج والحرب المقدسة.


والتيار الثاني جاء من التطورات الاجتماعية والفكرية الناجمة عن استقرار القبائل الجرمانية على التراب الأوروبي وما نتج عن ذلك بالضرورة من صياغة المثل والقيم الجرمانية عن البطولة والشجاعة الحربية في المصطلحات المسيحية.


أما التيار الثالث فجاء انعكاسا للتأثير الإسلامي على الغرب الأوروبي في هذه الآونة سواء من خلال اقتباس فكرة الجهاد الاسلامية او ما تعلمه الغرب من الحرب التي شنها الكاثوليك الأسبان ضد مسلمي الأندلس.


ويقوم المؤلف برصد المراحل المختلفة لتطور الحركة الصليبية بداية من كونها فكرة نشأت من تلك التيارات الثلاثة الى توضيح اهدافها وحتى نهايتها أو فشلها.


ووفق السياق الذي يورده الكتاب فقد كان ابرز أهداف هذه الحركة هو الاستعمار الاستيطاني والذي بمجرد ان تحقق ـ متمثلاً في إمارة الرها أول إمارة صليبية على الأرض العربية ـ فرض نتائجه السلبية على المنطقة العربية كلها. ثم تطرق المؤلف إلى نهاية هذه الحركة والعوامل والأسباب التي أدت إلى فشل الحركة الصليبية وخروج الصليبيين من الاراضي العربية.


وقد اشتركت عدة عوامل وأسباب في فشل الحركة الصليبية كان أولها تلك التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على الغرب الأوروبي خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين والتي جعلت حجم التأييد الأوروبي للكيان الصليبي يتقلص شيئاً فشيئاً، كما ان اساءة البابوية للفكرة الصليبية حيث استخدمتها في ضرب خصومها السياسيين في أوروبا ومن بينهم ملوك مسيحيون مخلصون للكنيسة جعلت الناس لا يحفلون كثيرا بمصير الكيان الصليبي.


وعلى الجانب الآخر للصراع فقد أدى تخاذل الحكام العرب آنذاك واهتمامهم بكراسيهم ومصالحهم الذاتية إلى وضعهم في مواجهة مع شعوبهم صاحبة المصلحة الحقيقية، مما دفع الشعوب العربية المتورطة في الصراع آنذاك إلى اختيار طريق المقاومة الذي أدى في النهاية الى افراز قيادات من نوع جديد وضعوا أنفسهم في خدمة امتهم أمثال عماد دين زنكي.. نور الدين محمود، صلاح الدين الايوبي، وجاءت هذه القيادات وكانت أهدافها هي نفس أهداف شعوبها فكان النصر الذي تعاقب على مراحل تولي هذه القيادات في كل من مصر والشام.


وبالانتقال إلى لب القضية يوضح المؤلف ماهية الموقف اليهودي أو الأحرى بالقول الموقف الصهيوني من هذه الحركة والذي يتمثل في تيارات ثلاثة رئيسية:


أولا: محاولة تصوير الاضطهادات التي اوقعها الصليبيون باليهود في أوروبا الغربية على انها حلقة ضمن سلسلة ما يطلقون عليه «معاداة السامية» وهي تلك الظاهرة التي اختلقوها وروجوا لها ليبتزوا بها ضمير العالم وان تلك الحملات الصليبية كانت امتداداً لهذا المسلسل المسمى بمعاداة السامية.


ثانياً: محاولة سرقة التاريخ العربي في فلسطين والأراضي الغربية من خلال محاولة اختلاق دور تاريخي لليهود في التصدي للعدوان الصليبي بشكل يوحي بأن اليهود هم أصحاب الأرض وأنهم تعرضوا للعدوان ودافعوا عن البلاد مثلما فعل العرب، وهو الأمر الذي يحاولون به تأكيد حق اليهود التاريخي المزعوم في الأراضي العربية.


ثالثاً: دراسة الكيان الصليبي مع التركيز على المشكلات التي أدت إلى فشله ككيان دخيل ودراسة احتمالات نجاح الكيان الصهيوني المشابه مع مراعاة المتغيرات والثوابت في الحركة التاريخية من ناحية والعلاقات الدولية من ناحية أخرى.


وهنا يلفت المؤلف نظر قارئه إلى أمر مهم وهو أن اليهود أتباع دين وليسوا أمة واحدة وأن اليهودية هي ديانة وليست قومية، مما يجعل الحديث عن التاريخ اليهودي درباً من الوهم والخيال الذي تروج له الحركة الصهيونية.


ولكن كما يشير د. قاسم فإن الموقف اليهودي من الحركة الصليبية لا يتمثل في تلك التيارات الثلاثة فقط، وإنما هناك تيارات أخرى فرعية أقل أهمية تختلف من باحث لآخر، من الباحثين اليهود، بحسب الرؤية الشخصية والخلفية الثقافية الذاتية لكل من هؤلاء.


فمنهم مثلاً من اهتم بعمل بعض الاسقاطات المعاصرة على الكيان الاسرائيلي في مسائل الأمن والعلاقات بالدول المجاورة، وهناك أيضاً من اهتم بالترويج لبعض الأكاذيب التاريخية مثل عدم قدرة المصريين على القتال، مستغلاً أحداث الصراع بين كل من الوزيرين شاور وضرغام آنذاك، ومنهم من يحاول النيل من أبطال التاريخ العربي الإسلامي في فترة الحروب الصليبية بالتقليل من شأن عبقريتهم العسكرية والتاريخية، مثلما تحدث بعضهم عن صلاح الدين الأيوبي.


وقد أخذ الدكتور قاسم على عاتقه عرض تفاصيل هذه التيارات الرئيسية والتيارات الفرعية الأخرى، فيما يتعلق بما تدعيه وما تستند إليه من أكاذيب ومحاولات التلفيق المستخدمة من مؤيديها وما يدحضها من أسانيد تاريخية موثوق بها، ليس للمؤرخين العرب والمسلمين فقط، وإنما لبعض المؤرخين الأوروبيين أيضاً.


وفي الجزء الثاني من كتابه يحاول د. قاسم أن يوضح فكرته بطريقة عملية، فهو يختار أحد أولئك الباحثين اليهود على أن يمثل الاتجاه السائد عند الباحثين اليهود عند تنولهم لهذه القضية، كنموذج للموقف اليهودي من هذا الحدث التاريخي، وقد وقع اختياره على المؤرخ الإسرائيلي المعاصر يوشع براور أستاذ تاريخ العصور الوسطى، الجامعة العبرية في القدس،


وقد كان لاختيار المؤلف ليوشع براور أسباب عدة منها أن موقف يوشع من حوادث اضطهاد يهود أوروبا على أيدي الصليبيين يتخذ نفس الخط الصهيوني العام لفكرة أمة الشهداء على الرغم من ان اضطهاد يهود أوروبا هو حدث منفصل عن الحركة الصليبية وقد أورد المؤلف د. قاسم تفاصيل ذلك.


كما أن يوشع لا يترك فرصة واحدة لمحاولة اختلاق دور تاريخي لليهود في خضم أحداث الحركة الصليبية إلا وفعل كما أن يوشع براور يركز على دراسة الكيان الصليبي في مصطلحات اسرائيلية وهو بالتالي ينتمي لهذا التيار الذي يحاول أن يقوم بعمل بعض الاسقاطات المعاصرة على الكيان الصهيوني في ظل دراسته للكيان الصليبي في العصور الوسطى، فيما يختص بمفهوم الأمن والحدود الطبيعية ومشكلة الموارد البشرية، وعلاقة الكيان الصليبي بالظهير الأوروبي المساند له وعلاقته العسكرية بالجموع العربية المحيطة به والمعادية له.


وقد كان ليوشع براور العديد من الأبحاث عن الحركة الصليبية كما أن له كتابين في الموضوع ذاته وأولهما «مملكة بيت المقدس اللاتينية» والثاني هو «عالم الصليبيين».


وقد كان الكتاب الثاني «عالم الصليبيين» هو محل اختيار د. قاسم في دراسته للقراءة الصهيونية لتاريخ الحركة الصليبية وجاء هذا الاختيار لسببين هما: أنه كتاب باللغة الانجليزية ونشر في نيويورك والقدس في وقت واحد بقصد مخاطبة عامة المثقفين من قراء الانجليزية ـ وهم كثير ـ كما أنه وضعه في لغة سهلة وأسلوب جذاب يجعله يحظى باقبال كبير


وبالتالي يضمن المؤلف ـ يوشع ـ أن تصل أفكاره لأكبر عدد ممكن من القراء. كما أن هذا الكتاب يمثل دراسة متكاملة للكيان الصليبي على أرض فلسطين متحرراً من القيود الأكاديمية بشكل أتاح للمؤلف أن يبرز بين طياته بعض المزاعم التي لا تجد لنفسها سنداً من حقائق التاريخ ولكنها تخدم الحركة الدعائية الصهيونية. وقد قام د. قاسم بإبراز أهم النقاط التي أوردها يوشع براور في كل فصل من الفصول التسعة لكتابه هذا، وفضح الأكاذيب التي وردت بكل منها.


وفي النهاية يتساءل د. قاسم أين الوجود الفعلي للمثقفين العرب لكي يذودوا عن تاريخهم ويصدوا هذه الهجمات الثقافية الشرسة على حضاراتهم العربية والاسلامية.


(عن "البيان")

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018