جديد مهند مصطفى: "السلطة والمقاومة"

جديد مهند مصطفى: "السلطة والمقاومة"

صدر مؤخرا للكاتب مهند مصطفى الباحث في مركز الدراسات المعاصرة دراسة جديدة بعنوان "السلطة والمقاومة: قراءة في تأزم النظام السياسي وحركة التحرر الفلسطينية", ويعالج الكتاب الجذور البنيوية والسياسية للتأزم السياسي الفلسطيني الذي ظهر بعد الانتخابات الفلسطينية في كانون الثاني عام 2006. ويقسم الكتاب إلى أربعة فصول بعد المقدمة والإطار التحليلي للبحث فان الفصل الأول يقوم بقراءة معمقة لنتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2006 ويحلل نتائج الحركات الفلسطينية من خلال الإشارة إلى دورها السياسي والوطني في الحركة الوطنية الفلسطينية, أما الفصل الثاني فيعالج رد الفعل والسياسة الإسرائيلية اتجاه فوز حركة حماس وتشكيلها للحكومة, أما الفصل الثالث فيقوم بطرح ونقاش أربعة إشكاليات أو ازدواجيات أدت إلى المآزق الفلسطيني الحالي وهي: السلطة الوطنية مقابل منظمة التحرير, حركة تحرر مقابل دولة, رئاسة الحكومة مقابل رئاسة السلطة, وثنائية حزبية في ظل أزمة بنيوية. أما الفصل الأخير فيطرح الخيارات السياسية التي تقف أمام الحركة الوطنية والقضية الفلسطينية, وهي ثلاث: العودة إلى مواقع حركة التحرر وإعادة بناء المنظمة. الذهاب إلى تسوية سياسية وأخيرا بقاء الوضع القائم, واقع السلطة. وفي هذه المناسبة فإننا نستعرض حرفيا إحدى الخيارات التي يطرها الكتاب وهو خيار العودة إلى مواقع حركة التحرر الفلسطينية.


العودة إلى مواقع حركة التحرر الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية:


يعتبر هذا الخيار ذا طابع بنيوي بالأساس, والمقصود به أن العودة إلى المواقع حركة التحرر الوطني يستلزم تفكيك أو حلّ السلطة الوطنية الفلسطينية, وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها وتفعيل دور المجلس الوطني الفلسطيني. وفي نظرة إلى تطور المنظمة في العقدين الأخيرين نرى أن اتفاق أوسلو وقيام السلطة الوطنية اضعف المنظمة وحيّدها عن المشروع الوطني الفلسطيني[1]. قد يرى البعض أن مسألة تفكيك السلطة الوطنية بات أمرا غير ممكنا لاعتبارات مختلفة, في هذه الحالة يمكن العودة إلى اعتبار السلطة ذراعا من اذرع المنظمة كما أن للأخيرة اذرع ومؤسسات تعمل تحت كنفها, وهنالك من يعتقد أن وجود المنظمة إلى جانب السلطة هي حاجة وطنية بسبب الدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمة في المسار السياسي, أو للضغط على إسرائيل سياسيا[2]. ولكن يبقى السؤال هل طبيعة السلطة تقبل طبيعة المنظمة وحركة تحرر وطني؟, وهل يمكن لهذا الذراع أن يعمل كحالة سلطة إلى ما لا نهاية؟.


منذ قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964, يتم التعامل مع المنظمة كتجسيد للكيانية السياسية الفلسطينية[3], أو كتجسيد لحالة الدولانية الفلسطينية[4], من حيث أنها تمثل قيادة الشعب الفلسطيني ومؤسساته. وقد مثلت المنظمة الصفة التمثيلية الأوسع للشعب الفلسطيني, ففي إعلان الاستقلال في دورة المجلس الوطني في الجزائر في تشرين ثاني/نوفمبر 1988 تم التأكيد على الصفة التمثيلية للمنظمة حيث ورد "....وصاغت الإرادة الوطنية إطارها السياسي، منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، باعتراف المجتمع الدولي، متمثلاً بهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها والمنظمات الإقليمية والدولية الأخرى، وعلى قاعدة الإيمان بالحقوق الثابتة، وعلى قاعدة الإجماع القومي العربي، وعلى قاعدة الشرعية الدولية قادت منظمة التحرير الفلسطينية معارك شعبها العظيم، المنصهر في وحدته الوطنية المثلي، وصموده الأسطوري أمام المجازر والحصار في الوطن وخارج الوطن. وتجلت ملحمة المقاومة الفلسطينية في الوعي العربي وفي الوعي العالمي، بصفتها واحدة من أبرز حركات التحرر الوطني في هذا العصر"[5].


وكما ذكرنا, فقد ادت نتائج الانتخابات الفلسطينية الى اكتشاف منظمة التحرير الفلسطينية, والحقيقة ان الوثائق الفلسطينية الثلاث التي وقعت بين الاعوام 2005-2007 (اعلان القاهرة, وثيقة الوفاق الوطني واتفاق مكة), والتي شاركت حركة حماس في ثلاثتها, على اصلاح منظمة التحرير الفلسطينية, فقد جاء في اتفاق مكة: "المضي قدما في إجراءات تفعيل وتطوير وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وتسريع إجراءات عمل اللجنة التحضيرية، استناداً لتفاهمات القاهرة ودمشق", كما وجاء في وثيقة الوفاق الوطني: "الإسراع في إنجاز ما تم الاتفاق عليه في القاهرة في مارس/آذار 2005 فيما يتعلق بتطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وانضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي إليها بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وبما يتلاءم مع المتغيرات على الساحة الفلسطينية وفق أسس ديمقراطية، ولتكريس حقيقة تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وبما يعزز قدرة منظمة التحرير في القيام والنهوض بمسؤولياتها في قيادة شعبنا في الوطن والمنافي وفي تعبئته والدفاع عن حقوقه الوطنية والسياسية والإنسانية في مختلف الدوائر والمحافل والمجالات الدولية والإقليمية". وقد وضع اعلان القاهرة آلية محددة لاعادة بناء المنظمة, فقد جاء فيه: "وافق المجتمعون على تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس يتم التراضي عليها بحيث تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية بصفة المنظمة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ومن أجل ذلك تم التوافق على تشكيل لجنة تتولى تحديد هذه الاسس وتتشكل اللجنة من رئيس المجلس الوطني وأعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة والامناء العامين لجميع الفصائل وشخصيات وطنية مستقلة ويدعو رئيس اللجنة التنفيذية لهذه الاجتماعات". وقبل الخوض في اهمية اعادة بناء المنظمة, لا بد من الحديث عن السلطة الوطنية الفلسطينية.


لم تقم السلطة لتخليص إسرائيل من عبء المسؤولية الاحتلالية, وإذا لم يكن التعامل فلسطينيا مع الموضوع بهذه الطريقة, وهو لم يكن كذلك على كل حال, فان ذلك يعمق ما ذكرناه سابقا من جدلية السلطة وحركة التحرر. كان يجب أن تكون السلطة وسيلة انتقالية وبحسب تعريفها هي كذلك, لاستكمال الإجراءات والمفاوضات لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة, واستمرار وجود السلطة منوط بهذه المهمة, مهمة إقامة الدولة. أن الانشغال بالنفوذ داخل السلطة, وتنظيم حياة الناس ضمن قوانين عادية وقوانين أساس وبيروقراطية منتفخة, وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية, كل ذلك أدى إلى انحراف السلطة عن الهدف الذي أقيمت لأجله, أدى هذا الانحراف في طبيعة السلطة إلى تسهيل استمرار الاحتلال وليس إنهاءه, فالمسؤولية الاحتلالية على السكان الواقعين تحت الاحتلال كانت العبء ألاحتلالي الأكبر بالنسبة لإسرائيل, وليس احتلال الأرض.


دار أول نقاش حول مستقبل السلطة الوطنية بعد عملية "السور الواقي", خلال شهري آذار ونيسان 2002, وكان التيار المركزي في هذا النقاش يطالب بإصلاح السلطة من الداخل, ولم تطرح بشكل جدي وعميق مسألة حلّ السلطة. وقد دار النقاش على خلفية قيام القوات الإسرائيلية باجتياح مناطق السلطة الفلسطينية والمدن الفلسطينية لأول مرة منذ نشوء السلطة الوطنية (أدت العملية إلى استشهاد 200 مقاوم, واعتقال 5000 فلسطيني وتدمير البنية التحتية للسلطة الوطنية والمجتمع الفلسطيني بما فيها الأجهزة الأمنية), وكان المطلب المركزي في ذلك الحين يركّز على إصلاح السلطة من الداخل[6], ولكن ظهرت بعض الأصوات تطالب بحلّ السلطة الفلسطينية بسبب عجزها السياسي والتنظيمي.


دار بعد الانتخابات الفلسطينية, وبعد عملية أريحا تحديدا (العملية التي تم فيها اختطاف السيد احمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية) نقاشا سياسيا حول إعادة بناء المنظمة والتفكير بخيار تفكيك السلطة الوطنية[7]. هنالك من طرح هذا الموضوع لهدف مضمر يسعى منه إلى حرمان حركة حماس من فوزها, ولكن هنالك من طرحه بعد أن توصل إلى نتيجة أن هنالك مآزق فلسطيني بنيوي, ولا يمكن أن يحل إلا بنيويا, أو على الأقل إعادة الدور السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ومكانتها كجامعة للحركة الوطنية الفلسطينية. لم يكن هذا النقاش هو الأول منذ قيام السلطة الوطنية, ففي نهاية العام 2003 ظهرت أصوات تطالب بحل السلطة عبّرت عن نفسها من خلال مقالات في الصحف وفي الندوات والأيام الدراسية، وكان "السبب في ذلك وجود سلطة فلسطينية - لا دور واضحاً لها بعد الاجتياح- توفر كما رأى البعض في حينه غطاء للاحتلال، خاصة في غياب مسار سياسي فيه تقدم ولو جزئي. هذا الوضع بقي ملازماً للسلطة الفلسطينية منذ انهيار محادثات "كامب ديفيد" في تموز 2000 وحتى الآن"[8].


تنبع أهمية السلطة الوطنية بنظر الفلسطينيين في أنها تمثل "سلطة في طريقها إلى الدولة", وإذا تبين, أو عندما يتبين أن السلطة هي نهاية المطاف وهي الهدف, فإنها تصبحا عبأ على المشروع الوطني الفلسطيني, ويتحول الصراع إلى صراع على السلطة, سلطة بدون سيادة, ومؤسسات بلا موارد. كما انه بالنسبة لإسرائيل وأطراف إقليمية ودولية فان السلطة الوطنية هي الغاية والهدف, "حيث انه من خلال وجودها المقيد والضعيف يمكن احتواء الوضع الفلسطيني"[9].


لقد وقعت حركة فتح ضحية السلطة, فتحولت من حركة تحرر إلى حزب سلطة يلهث وراء النفوذ وتوزيع غنائم الحكم, ولم تقم حركة فتح بحلّ السلطة في العام 2002 بعد عملية السور الواقي لأنها بقيت أسيرة هذه السلطة, وعندما جاءت حماس ولم تطرح رؤيتها لمرحلة ما بعد الانتخابات, فقد وجدت نفسها تتعامل مع سلطة هي الهدف والغاية, وتتنافس للحصول على اكبر قدر من الموارد والنفوذ وصلت ذروتها في أحداث غزة.


تطرح السلطة الفلسطينية نفسها, على أنها أداة تحول نحو الدولة, أو كما يسميه جميل هلال "التحول الدولاني", فرغم مرور أكثر من عشر سنوات على قيامها فإنها ما زالت تفتقر إلى مقومات دولانية أساسية[10]. وأدى استمرار السلطة وغياب الدولة إلى تضخم بيروقراطية السلطة, سواء على مستوى الأجهزة الأمنية[11], أو على مستوى الأجهزة الإدارية المدنية[12], حيث بلغ عدد الموظفين في السلطة الوطنية إلى 165 ألفا, عيّن نحو عشرة آلاف منهم في الأشهر الثلاثة الأخيرة التي سبقت تسلم حكومة حماس مهامها[13]. وكان غالبية المنخرطين في الأجهزة الأمنية ومن يعملون فيها رجال المقاومة في حركة التحرر الفلسطينية القادمين من الخارج أو الذين قاوموا من الداخل[14].


أن طبيعة حركة التحرر تختلف عن طبيعة السلطة في جوانب عديدة, أقيمت السلطة بهدف إقامة الدولة من خلال التفاوض وليس من خلال المقاومة, وعندما بدّل رئيس السلطة ياسر عرفات هذا النهج في انتفاضة الأقصى, تغيّر التعامل الإسرائيلي معه ومع السلطة الفلسطينية, فقد حولت إسرائيل السلطة إلى سلطة إرهابية بشكل منهجي ومثابر على المستوى الإعلامي, السياسي والتعامل الميداني, وفرضت حصارا عليها وعلى رئيسها, وعندما أعاد الرئيس عباس النهج التفاوضي الذي ينسجم مع طبيعة السلطة عادت إسرائيل وتفاوضت معه مجددا, ثم قاطعتها عندما شكلت حماس الحكومة الفلسطينية, ثم عادت وتحدثت مع الرئيس عباس بعد أحداث غزة, كل ذلك يؤكد أن العودة إلى مواقع حركة التحرر يستلزم تفكيك بنيوي للسلطة, والبديل هو إعادة بناء منظمة التحرير. 


يتعلق بقاء السلطة في بقاء المسار السياسي مفتوحا, فاستمرار غياب الأفق السياسي يضع علامات سؤال على بقاء السلطة الوطنية, أن انسداد الأفق السياسي واستمرار العوائق السياسية التي تضعها إسرائيل أمام التوصل إلى حل الدولة الفلسطينية في حدود 1967, وفي نفس الوقت بقاء السلطة فانه سيجعل هذه السلطة هي الهدف, والأخطر بأنه سيتحول المشروع الوطني إلى مشروع بقاء السلطة. لقد جددت إسرائيل تفاوضها مع الرئيس أبو مازن بعد فوز حماس فقط, حتى أنها رفضت التفاوض معه بعد انتخابه في أوائل العام 2005, وقام شارون بتنفيذ خطة فك الارتباط بدون إشراك أبو مازن في ذلك, وظلت السياسة الإسرائيلية تردد عبارة غياب الشريك حتى فوز حركة حماس. ويتفق مع هذا الرأي الباحث الفلسطيني جورج جقمان, حيث يقول: "الموقف الوحيد الممكن هو إما مسار سياسي جدي يبدأ بالاتفاق على الخطوط العامة للحل النهائي، أو صراع مفتوح وحلّ السلطة الفلسطينية بعد إعادة بناء منظمة التحرير. دون وضع خيار مثل هذا أمام العالم، ستتحول السلطة الفلسطينية داخل الجدار لتصبح "المشروع الوطني""[15].


إذا كانت أهم آليات حركة التحرر الوطني هي المقاومة, فان المقاومة برأي الكثير من الباحثين الفلسطينيين لا تنسجم مع وجود السلطة[16], لأنها إذا شاركت في المقاومة فانه سيتم استهدافها من إسرائيل كما حدث في السنوات الأولى للانتفاضة الثانية خلال فترة الرئيس عرفات, وإذا وقفت موقف الحياد فانه سيتم اتهامها بالتواطؤ وستنزع عن نفسها شرعيتها السياسية.


أن غياب الأفق السياسي للحل, وبقاء السلطة هي الحالة المريحة لإسرائيل, فهي حالة لا تؤدي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية, وفي نفس الوقت لا تقوم بضم السكان الفلسطينيين, فهي تبقى على الأرض وفي نفس الوقت تتخلص من المسؤولية الاحتلالية عن السكان الواقعين تحت الاحتلال, أن بقاء السلطة في هذه الحالة هي مصلحة إسرائيلية, لا تستطيع إسرائيل الانسحاب, وفي نفس الوقت لا تستطيع ضم السكان الفلسطينيين لأنها ستتحول إلى دولة ثنائية القومية, ومعنى ذلك فناء دولة إسرائيل, وهي لا تستطيع إبقاء الاحتلال دون حل لان ذلك يبقيها دولة محتلة أو على الأقل تنتج حالة "ابرتهايد" ونظام فصل عنصري ضد المدنيين الفلسطينيين.


أظهرت الانتخابات الفلسطينية الأخيرة تيارين سياسيين في كيفية تفعيل منظمة التحرير, ولكن لا احد يتحدث عن تفعيل دور المنظمة في ظل غياب السلطة الفلسطينية, حيث أن التيار الأول يقول بتفعيل منظمة التحرير, بينما التيار الثاني يطالب بإعادة بناء منظمة التحرير (الحسن, 2006).


ويعتمد تفعيل المنظمة على العودة إلى تطبيق أسس العمل الذي تم التوافق عليه منذ العام 1968, أي بتشكيل مجلس وطني جديد, وانتخاب لجنة تنفيذية جديدة تشارك فيهما القوى السياسية الفلسطينية الموجودة خارج المنظمة, أما إعادة بناء المنظمة فيعتمد على إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني, ويتطلب ذلك إعادة صياغة لميثاق وطني فلسطيني جديد, وتشكيل المجلس الوطني على قاعدة الانتخاب وليس التعيين, واختصار ذلك أن الفرق بين اعادة التفعيل واعادة البناء هو ان إعادة تفعيل المنظمة تتم من داخلها أما إعادة بناءها فتتم من خارجها, اي تفكيك واعادة بناء من جديد.


تعتبر الحاجة إلى إعادة بناء المنظمة أكثر أهمية من تفعيلها, لقد تغيرت معطيات محلية فلسطينية وإقليمية ودولية تستدعي إعادة البناء, لا يمكن إبقاء فصيل فلسطيني مركزي مثل حركة حماس خارج إطار المنظمة, في الوقت الذي حظيت فيه الحركة على غالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني, وأثبتت حضورا شعبيا وسياسيا كبيرين في المجتمع الفلسطيني.


تحتاج المنظمة إلى إعادة بناء, بحيث تضم القوى السياسية التي لا تزال خارجها, وتعيد أحياء دورها وتفعيل مؤسساتها ودوائرها المختلفة التي لعبت دورا كبيرا في صمود الفلسطينيين في الماضي, في مرحلة التحرر الوطني. وقد اوجدت الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة خارطة سياسية جديدة للقوى الفلسطينية, فقد غابت فصائل فلسطينية تاريخية وممثلة في المنظمة عن المجلس التشريعي الجديد, مثل: الصاعقة, والقيادة العامة, وجبهة التحرير العربية وجبهة النضال وجبهة التحرير الفلسطينية, ودخلت إلى النظام السياسي فصائل جديدة مثل حركة حماس والمبادرة الوطنية.


تحتاج المنظمة إلى صياغة ميثاق وطني جديد تجتمع عليه كل الفصائل الفلسطينية, وعلى الميثاق الجديد أن يحدد إستراتيجية المقاومة بما يخدم الأهداف السياسية المتفق عليها, على أن تتحول المقاومة إلى أداة بيد حركة التحرر لا هدف بحد ذاته. كما أن هنالك حاجة إلى إعادة بناء مؤسسات المنظمة وهيئاتها القيادية, فنظرة إلى عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة نلاحظ أن معظم أعضائها يمثلون تنظيمات انقرضت أو تكاد تنقرض أو أعضاء جرى تعيينهم لتسوية قضايا فصائلية أو بدل مقعد شاغر ناجم عن الوفاة، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى تجديد وتغيير وإصلاح، حتى يطابق الاسم المسمى، فلا يمكن أن تكون اللجنة التنفيذية هي الهيئة القيادية العليا في المنظمة وهي لا تضم "حماس" والجهاد الإسلامي على سبيل المثال.


 


 








[1] . للتوسع في الموضوع انظر: مجموعة باحثين (2004). منظمة التحرير الفلسطينية والانتفاضة: الحصيلة والمستقبل. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.



[2] . هاني المصري (2007). "مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية". مجلة فلسطينيات, العدد2.



[3] . ابراهيم ابراش (1987). البعد القومي للقضية الفلسطينية: فلسطين بين القومية العربية والوطنية الفلسطينية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.



[4] . يزيد صايغ (2002). الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية 1949-1993. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.



[5] . المجلس الوطني الفلسطيني: إعلان الاستقلال, الدورة أل-19- الجزائر 15/11/1988: للاطلاع على نص الإعلان انظر: http://www.plord.org/resolutions/agreementsfeb/2.htm.



[6] . اصلاح جاد (2002). "الوضع الفلسطيني ما بعد الاجتياح الإسرائيلي واستشراف آفاق المستقبل". مجلة الدراسات الفلسطينية, العدد 51, ص: 31-40.



[7] . انظر على سبيل المثال لا الحصر: مهند عبد الحميد (2006). "بقاء السلطة لمصلحة من؟". صحيفة الأيام 28/3/2006,  هاني المصري (2006). "بعد اعتقال الدويك: النقاش مجددا حل السلطة أم بقاؤها". شبكة الانترنت للإعلام العربي 8/8/2006. ماجد عزام (2006). "حل السلطة لإلقاء المسؤولية على الاحتلال". شبكة الانترنت للإعلام العربي 5/7/2006. علي الجرباوي (2006). "حول حلّ السلطة مجددا". صحيفة الأيام 18/3/2006. هاني المصري (2006). "السلطة أم الدولة؟". صحيفة الأيام 25/2/2006.



[8] . جورج جقمان (2006). "إعادة بناء منظمة التحرير قبل حل السلطة", شبكة الانترنت للإعلام العربي, 20/3/2006.



[9] . علي الجرباوي (2007). "مستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية في ضوء التطورات الأخيرة". مجلة فلسطينيات, العدد 1. ص: 11-36.



[10] . جميل هلال (2006). النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو: دراسة تحليلية نقدية. رام الله: مؤسسة مواطن.



[11] . هنالك مؤسسات كثيرة للأجهزة الأمنية الفلسطينية, مثل: الاستخبارات العامة, الأمن الوقائي, امن الرئاسة, القوة 17, القوات الخاصة, الأمن العسكري, البحرية, الشرطة الانضباطية, مستشار الأمن القومي, وأكاديمية سعد صايل العسكرية.



[12] . برز ذلك في تأليف مجلس وزاري موسع يضم 22 وزيرا بحقائب وخمسة وزراء من دون حقائب, و40 وكلاء ووكلاء مساعدين, وأضعاف هؤلاء من المديرين العامين ومحافظي المناطق ورؤساء البلديات. انظر هلال (2006). ص: 232.



[13] . صحيفة الأيام, 16/4/2006.



[14] . هلال (2006), مصدر سبق ذكره, ص: 232.



[15] . صحيفة الأيام, 16/4/2006.



[16] . جورج جقمان (2006). "حماس وفتح: صراع برامج أم صراع على السلطة". مجلة الدراسات الفلسطينية, العدد 58.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018