صدر مؤخرا " أنا وعبدالله " للشاعر ابراهيم مالكً

صدر مؤخرا " أنا وعبدالله " للشاعر ابراهيم مالكً

ما أضعه بين أيديكم شيء لا يصدِّقهُ العقل السليم.لكن صدقوه فقد حدث لي،وإن كنتم لا تصدِّقونه، فلأنكم أصلاً لا تريدون تصديقه،لأمرٍ في نفس يعقوب.
أعترِفُ لكم منذ البِدايةِ،وأنا أطلب تصديقكم،أنّي صرت في حيرة من أمري:
كيف وبم نبدأ؟بالملوك أم بالرعية؟فبعد خصام مع عقلي،أو ما قنعت به عقلاً يحرِّكني،رضيتُ بما نصحني به:

أن نبدأ بإصلاح أنفسنا!فلا يصلح حال في عالمنا،إلاّ إذا صلُحَتْ نفوسنا أوَّلاًولا تصلح ملوك إلاّ إذا صلحت ناسها.

***

ما حدث لي،تلك الليلة من تموز وكنت ُ لا أزالُ في حيرَةٍ مِنْ أمري،شيءٌ يصعب تصديقه.لكنَّني صدَّقته حقا.
أعرِفُ،أنَّ ما أحكيه لكم عن ظهور عبدالله المُفاجىْ،هُوَ حقيقة مُتخيَّلة وما أفكر فيه أنا الراوي،هو ما تجمَّعَ في ذاكِرَتي من حكايا،وقعت فِعْلاً،ومن أفكارٍ علَّمتنيها الحياة،واشتدَّتْ في داخِلي الرغبَةُ، التي لا تقاوَمُ،لأرويها لَكُم.
وحينَ أقولُ لكم إنَّ ما أحكيه حَقيقةٌ مُتخيَّلة،فإنّي هُنا ألتزم الصدق،مما يجعلني أكثرَ وثوقا بأنَّ ما أحكيه لكم هو حقيقة محتملة،وقعت فعلا في تلك الليلة من تمّوز،ما سبقها وما لحقها.
لكنِّي في كلِّ ما أحكيه لكم حلَِمْتُ بأن تسكننا القدرة ُوالجُرْأةُ في الخروج ِ على منطق صاحبنا القديم،حين همس صائحا على لِسان بطله:

"إنَّ المسألة تكمنُ في أن نكون أو لا نكون".

فأنا ومُنذُ البداية أرفض هذا الخيار،أريد لإنساننا،أيا كان وفي أي أرض يكون،أريد له أن يكون ما يشاء أن يكون!
تبقى المسألة يومها:
ما يشاء أن يكون!

***

كلُّ ما في الأمرِ،حين أحكي لكم ما كان معي،إنَّما لأشرككم،كما أشركتُ دينا،بمخاوِفي مما هو حاصلٌ وواقع،لأنَّ الخوف،وإنْ كنتُ أدرك أنَّهُ لا يعوَّلُ عليه وحدهُ،يبقى آمَنَ طريق لوعي ضرورة تغيير هذا الواقع.

***

حدَّثت ُدينا،يومَها،بكلِّ ما كان معي وما حدث لي في تلكَ الليلة من تموز الحار.
كنتُ نائماً في سريري،حين شعرتُ أنَّ الحائط ينشق،فانتابني خوفٌ.ومما زاد من خوفي ليلتها، أني سبق وانهدَّ بيتي من قبل وعصفت بكل جدرانه ريح صرصر،ما زالت آخِذةً،من شِدَّةِ بردها، بكلِّ عروقي.غطَّيتُ وجهي،لكنَّ الغبارَ كاد يخنقني،فلم أعرف،حقيقة،أهُوَ الغبارُ المُتناثرُ في سماء قانا الجنوب،التي انتكبت ثانيةً واصطبغتْ بيوتها بلون الدم الأرجواني،أم مما يردنا قادما مع البحر من شاطىءٍ ثاكِلٍ في جنوب الجنوب،حيثُ اختلط الدم بالدم،فلم يعد ساكنوه يدرون من أين يجيئهم الموت ويختطفهم،وما إذا كان غبارُ بيتي أو ما سلم منه وقد انشق فجأةً وطلع منه عبد الله.

***

رفعتُ الغِطاء قليلا وبخوفٍ مميت،فهالني ما رأيت.كان ثمّة من يشاطرني الغرفة،فخفت والمَّ بي خوف شديد ،لأنَّني صرت من يومها كذلك المؤمن،الذي يخشى،خشية الموت،أن يُلدَغَ من ذات الجُحْرِ مرَّتين ِ،فيبطل إيمانه.

صراحةً،أعترف لك يا دينا وأبوحُ بسرٍّ ما عادَ سرا ً:
سبق أن لُدِغتُ ممن جاء يشاطِرُني السريرَ والمسكن ،وزيَّنَ للناس جميعا أساطيره،التي امتطى ظهرها لاقتحام بيتي وأخفى عني وعن الكثيرين من الناس،بعباءته المُمَزقة،حقيقة ما ينوي،حتى صلب عوده،فبان مخلبه الذي أخفاه زمنا ولكن سرعان ما غرزهُ عميقا فيما كان من جسدي وحتى كان ما كان.
فبينَ لحظةٍ وضحاها وفي غفلة مني انتهز غبائي وعجزي واستقوى عليَّ بعبث الزمن ومكر بعض ناسه وراح يتمدَّد شمالاً وجنوباً،غربا وشرقا،ويحكم ما كان غرفتي،بعنفه وغلوائه،وطاب له فيها المقام حتى آلت غرفتي وما فيها من ثمين المتاع إليه وحده،وصرت من يومها أعيش حصاري بين نار آخذة بفراشي وصحراءَ لا ظلَّ فيها.
ولم يكتف بما آل إليه،فما زال يبغي المزيد:

كأنَّ الشهيَّةَ أو اشتهاء المحرمات تأتي مع الطعام،
أو كأنَّه بات من سدنتها !

وقد كشفت التجربة الحياتية حقيقة معدنه،فبت أسمعه بعد كلٍّ صولةٍ:


هل من مزيد؟

***

وفيما أنا أتامَّل ما صرته،شعرت ُبألمٍ كبيرٍ،أشبهَ بما يبقيه السكين الحاد في الجسد العاري،حين يستفرد منه بالنحر.
حدَّثت دينا عن كلٍّ ما راح يؤلمني وينغص عيشي،فأكدت لها:

أكثر ما يؤلمني أنه بات في تمدده وغطرسته يستقوي عليَّ،ليهزمني ويخلص من دم أهلي،ببعض إخوتي القريبين منهم والبعيدين وببعض ساكني الشمال،القريب منه والبعيد،كي يخلو الميدان لحميدان،كما يقال،فيأتيهم زيت الأرض، وحدهم،وينعمون به دون خلقها.

***

حين ذكرتُ زيت الأرضِ،أفاق أبي من نومه وظهر لي بكل وقار الأب المُفتقد،مُتكئا على عصاه، تتبعه أمّي وقد تركت ما يشبه الحجاب يتدلّى من رقبتها.
وبدون مقدمات قال أبي:
سأحكي لك،يا ولدي،ما سمعته من عارفين وكان لي به تجربة. وهي خير عليم وخير من دلَّ.

يُحْكى أنَّ أرضَ الجنوب،أرض الصخر المسكون بروح الجن يشقها وادٍ،جُفّت غدرانه ومياهه من زمن بعيد،لكنَّ صخورَهُ لا تزال تنزُّ زَيْتاً،شربه بعض أهل الوادي،فماتوا بلعنة الجنِّ.وهي-أي حجارة الوادي-عند شحذها تشع نارا وتبعث وميضا حادَّ اللمعان،يسرق عقل من يجرؤ على المشي فيه،وتخفي في باطنها الزيت الذي يطفو سائلاً،سَرعانَ ما يتبدَّل لونه،فيصيرأحمر، كالبرقوق البري الذي يكثر في وعرنا بعد كل زخة دم،وكان في أصله أسودَ.

قالت أمي معترضةً:
يَحْكي مَنْ صدف ومرَّ في الوادي أنّه غالبا ما سمِعَ طقطقة حجارته المتساقطة من أعلى الصخور ومندفعة على عجل،يُخيفُ كل من تزيِّن له نفسه لوثة أن يخاف،وسمع صدى الريح العابثة بزواياه ومنحنياته،فخالها جِنّا ً،ظهر له فجأة من وراء الصخر،الذي بدا أشبه بحجب الغيب،فلاذ بالفرار خائفا مما سمع وخيِّل له،وفي ذهنه تتراكض قولة"الهزيمة ثلثا المراجل".وهي القولة التي باتت خلاص بعضنا-أكدت أمي-كلَّما اعترضتهم مُعْضِلة:يهربون أماما أو وراءً طلبا للخلاص، تحركهم حكمة موروثة:
"أللهمَّ نفسي! أنجُ سعد فقد هلك سُعَيْد"!
هزت أمي رأسها،محزونة،وتابعت كلامها:
يا تعس من سار في بطن الوادي المسكون جنّا،يُدْرِكهُ جِنٌّ ويركبه،فيصيبه ما أصاب جارتنا.
سألتُ أمي مُتطفلا ورغبة بالمعرفة:
ولكن ما أصاب جارتنا؟
التزمت أمي الصمت قليلا،فقد تذكرت ما أصابها بحزن عميق ٍ،لكن سَرْعانَ ماعادت الى الكلام:
حين أراد زوج جارتنا أن يمسك بعنزتين في يد واحدة،أفتى له شيخ الحارة بالزواج مثنىً وثُلاثا ورباعا،وإنِ اعترضت زوجته على مشيئته ومشيئة الله،فإنَّ جنا يكون قد ركبها،وَهُوَ،أي شيخ الحارة،يتكفل أمرالجِن ويخرجه منها.
وَهْوَ ما كان.
أفلحَ شيخ الحاره في ضربه،ضرب الجن حتى ماتت.

قالت أمي باكية،لكن بلا دموع:
أراد الشيخ طرد الجن،لكنَّه قتل المرأة.وترك الجن،كعادته،يفلت من عصاه،ليركب امرأة أخرى، فيضمن له ولشبهه عملا.
قال أبي وكان التزم الصمت طويلا،مؤكدا حديث أمي:
سمعت من روى عن آخرين،سبق وسمعوه مرْوِيّا ًعلى عُهدَة ِراو ٍ،أنَّ الجن كثيرا ما يسكن الأرض الخراب ويسكن بعضنا، مِمَّنْ فَسُدَتْ عقولهم،بعد طول كساد،ولم يُصْلِحوا ما بأنفسهم فظلّوا محتفظين بما ورثوه من سُنن ِالأقدمينَ أو بما ظنوا انهم اكتسبوه في عيشهم.

قالت أمي:
تحزنني حكاية جارتنا،لكن أكثر ما يحزنني هو حال حارتنا وما أصاب الوادي وأهله.فلا عجب أن يسكن بعضنا جنُّ!!ومِنا مَنْ هم أقرب الخلق إليه.

قال أبي،قافزا من موضعه،وكأنه أدرك سرَّ البلاء:
هذا الصخر وما فيه من زيت،كأنه الجن،هُوَ ما يحرك جشع من جاؤا يقاسمونك بيتك،يحميهم بعض من دفعهم إليك من عسكر الشمال وقد أمنوا شرَّ من ركبهم جن من أولاد حارتنا،فراحوا يصرخون بعد كل صولةٍ:
هل من مزيد؟
أكدت أمي ما قاله أبي عن الجشع،قائلة:
هو الجشع بلوى عالمنا وقد يكون فيه مقتله،قتل من ركبه،قديما وحديثا،وقتل حتى قطنا،حين ركبه!
لم تكمل أمي ما أرادت قوله،فرجوناها أن تكمل حديثها،فربَّما نستنير،فالقطط كثيرة،تتوالد في بقع عديدة من عالمنا،شماله وجنوبه،شرقه وغربه،استشرى أمرها لما ألمَّ بها من سُمنة زائدة.وقد صارت هذه السمنة جُلَّ ما يعنيها.

قالت:
كان عندنا قِطٌّ،ألف أكل اللحوم،ما كان مُجازاً أكله وما كان محرَّما ً،يأكلها بجشع مُخيف،مثل أكثر القطط،ضامرها وسمينها.
توقفت أمي عن الكلام،راجية ألاّ نظن بها سوءا،فلا نفهم من حديثها عن القطط،تلك السمينة من القطط الآدمية،التي راحت تتكاثر في جنوب عالمنا مع تكاثر جياعه،فالمسألة هنا مجرد صدفة.

تابعت حكيها،أو ما ابتدأته:
ذات زمن أصابنا ضيق معيشة،فلم نعد نجد ما يفيض عن جوعنا لنطعمه.وحين ملَّ عندنا شحَّ الطعام،وجد بعض ما يسكت جوعه وجشعه في محددة قديمة وصُدْفة ًحملتني رجلاي الى المحددة،رأيته هناك وكان يلهو بمبرد حديد قديم،ظنه مبتغاه،فراح يقلبه،يُقربه إليه ويقصيه،ثمَّ يعاود شمَّهُ وسرعان ما أخذ يلحسه بلسانه،فسال دمه،أفقدته رائحة الدم توازنه،فراح يلحس الدم من جديد ويحسبه دم المبرد،وكان دم لسانه،وكلما طاب له ولذَّ مذاق الدم،بات أكثر شرها،جشعا وإمعانا في اللعبة:يلحس المبرد الحديدي ويستطيب مذاق دمه.كنت أرقبه،شفقت عليه،أحزنني كيف كان يستطيب دمه وقد حسبه دم المبرد.وحين أدرك بغريزته،أني أريد آخذ المبرد منه،هرب مني بمبرده،ليواصل لحس الدم،لكنني وجدته في اليوم التالي،حين أتيت أتفقد مصيره،مُلقىً على الأرض وكان المبرد ملقى إلى جانبه،وقد اكتسى بدم جاف.

***

خيَّمَ صمتٌ مُفاجىءٌ،غمرنا،فكنا كمن على رأسه الطيرأو كمن أصابته رجفة خوف مُباغِت، عقدت ألسننا،فخفنا حقا مما هو جارٍ في جنوبنا وشمالنا،غربنا وشرقنا،وقد هالنا كيف استحال الزيت دما؟وخفنا مما سيأتي ويلد الغيب،فالمخفي أعظم،اعتادت أمي القول،دون أن توضح ما تعنيه.