«نصُّ الهويَّة» عند محمود درويش

«نصُّ الهويَّة» عند محمود درويش


هذه دراسة جديدة في شعر محمود درويش اختارت لنفسها الدخول إلى العالم الدرويشي من زاوية الهوية الفلسطينية والعربية المؤلف هو الشاعر والناقد الدكتور وليد منير الذي ينتسب إلى جبل شعري في مصر أطلق عليه النقاد جيل السبعينات، وله عدة مجموعات شعرية وعدد من الدراسات النقدية يمزج فيها بين مناهج النقد العربية و الاوروبية.


وينحو منحى صوفيا في كثير مما يكتب شعرا أو نقدا. ودراسته عن شعر محمود درويش محاولة جديدة لقراءة التجربة الدرويشية من بوصلة «الهوية» أو هي محاولة لقراءة «الهوية» من زاوية تجربة شعرية تفردت بأنصع الصور لتلك الهوية في تجلياتها المختلفة.


نص الهوية ـ كما يقول المؤلف ـ هو النص الذي ينطوي في أساسه على تمثيل خصوصية الوجود فيما يفرق هذا الوجود عن وجود الغير، وتنتظم خصوصية الوجود في شعر درويش في عدة مستويات من أبرزها الوطن والأرض واللغة والتراث الثقافي والدين والقومية والقضية المركزية الخاصة للوجود في لحظة تاريخية .


ومنذ البدايات الأولى كانت الهوية مركز الدائرة والعقل في نص درويش وربما كانت كلمة الهوية نفسها عنوانا لإحدى قصائده الأولى «بطاقة هوية» في ديوانه « أوراق الزيتون»:


«سجل أنا عربي


ورقم بطاقتي خمسون ألف


وأطفالي ثمانية وتاسعهم سيأتي


بعد صيف


فهل تغضب؟»


وفي ديوان « عاشق من فلسطين » تستحضر الهوية زمنا ماضيا


«أحن إلى خبز أمي


وقهوة أمي، ولمسة أمي


وتكبر في الطفولة


يوما على صدر يوم


وأعشق عمري لأني


إذا مت أخجل من دمع أمي»


وفي تنويع آخر على اللحن الاساسي يرى المؤلف أن «نص الهوى» هو «نص المنتمي» والإنتماء هو تأكيد معنى المكان في مقابل الشعور بالغربة، والغربة هي اللامكان أو هي الوقوف خارج المكان الحقيقي للأنا، ووعي المنتمي هو الوعي الذي يميز «نص الهوية»، وهو وعي بالذات على نحو ما ، ووعي بالآخر على نحو ما ووعي بعلاقات الوجود على نحوها.


ويرصد وليد منير تطور التجربة الفنية عند محمود درويش ، وتحولها من « الغنائية» إلى الغنائية الدرامية ويتوقف عند مشهد درامي في قصيدة «حصار لمدائح البحر»، حيث تحل جوقة الاصوات المتنامية محل الصوت الواحد في «مطار أثينا»، وتتعدد التنويعات على هذا اللحن :


«مطار أثينا يوزعنا للمطارات، قال المقاتل: أين أقاتل؟ صاحت به حامل: أين أهديك طفلك؟ قال الموظف: أين أوظف مالي؟ فقال المثقف: مالي ومالك؟ قال رجال الجمارك: من أين جئتم؟ أجبنا: من البحر. قالوا إلى أين تمضون ؟ قلنا إلى البحر. قالو: وأين عناوينكم ؟ قالت إمرأة من جماعتنا :


بقجتي قريتي. في مطار أثينا انتظرنا سنينا. نزوح شاب فتاة ولم يجدا غرفة للزواج السريع. تساءل: أين أفض بكارتها؟ فضحكنا وقلنا له: يا فتى لا مكان لهذا السؤال. قال المحلل فينا: يموتون من أجل ألا يموتوا. يموتون سهوا. وقال الأديب: مخيمنا ساقط لا محالة. ماذا يريدون منا ؟ وكان مطار أثينا يغير سكانه كل يوم ونحن بقينا مقاعد فوق المقاعد ننتظر البحر، كم سنة يا مطار أثينا.


ويعلق المؤلف على هذا النص الدرويشي مشيرا إلى أن الدرامية هنا تتحدد من جدل الرؤى، لا من جدل اللسان. وهي تأخذ صورة التوتر الخفي بين الفاعلين، مؤكدة على عنصر المفارقة تأكيدا يتوسل بالسخرية عن دلالات الموقف وتبلغ المفارقة الساخرة قمتها في قول «المحلل» «يموتون من أجل أن لا يموتوا ».


وهي مفارقة درامية مدهشة إذ تؤدي مفارقة الموقف إلى مفارقة اللفظ، وتكتسب المفارقة الكلية دلالتها من كونها نوعا من « النقيضة ».


وفي نقلة ثالثة يرصد المؤلف تطور النص الدرويشي من «الغنائية الدرامية» إلى «الغنائية الملحمية» وينتخب عددا من القصائد الدالة على تطور درويش إليها ومن أبرز هذه القصائد «تلك صورتها، وهذا إنتحار العاشق» و« قصيدة بيروت» و« مديح الظل العالي»..


ويخلص إلى أن الواقع الملحمي واقع يتميز بإتساع المدى أو المجال، بحيث يسمح للمواقف الدرامية المتنوعة بالظهور، ويعرض حركة الشخوص التي تنهض بهذه المواقف في مستوياتها المختلفة، بل أنه قد ينداح في جوهره عن أزمنة وأمكنة ملتبسة ومتداخلة، والواقع الملحمي واقع كلى يعتمد الموقف الدرامي، فيه الصورة والحالة والمثل والدرس .. الخ ـ


ويضيف وليد منير التعبير الملحمي إذن هو الشكل الذي يبحث عن عناصر التداخل الكلي، أو التشابك الواسع في العالم ليمنحها إيقاعا خاصا يجعل منها كتلة واحدة تنطوي على صور متنوعة للأفعال والفاعلين معا .

الكتاب: نص الهوية قراءة في شعر محمود درويش

الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة

القاهرة 2004

الصفحات: 175 صفحة من القطع الكبير

(البيان)